مدح عثمان على لسان الإمام

0

یقول الشیخ:
جاء فی «نهج البلاغه» على لسان علیّ بخصوص عثمان رضی الله عنهما:
«والله ما أدری ما أقول لک؟ ما أعرف شیئاً تَجْهله، ولا أدلّک على أمر لا تعرفه، إنّک لتعلم ما نعلم، ما سبقناک إلى شیء فنُخبرک عنه، ولا خلونا بشیء فنبلِّغکه، وقد رأیتَ کما رأینا وسمعتَ کما سمِعنا وصحبت رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) کما صحبنا، وما ابن أبی قحافه ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منک، وأنت أقرب إلى رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وشیجه رحم منهما وقد نلت من صهره ما لم ینالا» . فانظر هذا المدح والثناء على عثمان من علی رضی الله عنهما وانظر إلى قوله: «وما ابن أبی قحافه ولا ابن الخطاب، بأولى بعمل الحق منک» فهذه شهاده على أنّ أبا بکر وعمر رضی الله عنهم کانا على الحق وعملا به ولیسا بأولى من عثمان (رضی الله عنه) فی ذلک، فهو لعمل الحق أهل.( [۱])
المناقشه:
إنّ فضیله الشیخ ذکر کلام الإمام مبتوراً وقد حذف صدره، کما حذف ذیله، مع أنّ صدر کلامه وذیله یشهدان بوضوح أنّ الإمام بصدد بذل النصح للخلیفه بُغیه معالجه المشاکل التی حاقت بالخلافه قبل ان تستفحل الفتنه الّتی أودت بحیاته، وما وصفه بکونه «أقرب إلى رسول الله وشیجه رحم منهما وقد نال من صهره مالم ینالا» إلاّ لأجل تشجیعه على إخماد نار الفتنه، وتنشیط عزمه، على إقامه السنّه وإماته البدعه الّتی غطت حیاه الخلافه فی عصره. ولأجل إیقاف القارئ على مقاصد الإمام فی کلامه هذا نأتی بنصّ کلامه مشفوعاً بمقدّمه الرضی:
ومن کلام له (علیه السلام) لعثمان بن عفّان. قالوا:
لمّا اجتمع الناس إلى أمیر المؤمنین (علیه السلام) ، وشکوا إلیه ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم، فدخل (علیه السلام) على عثمان، فقال:
«إنَّ النَّاسَ وَرَائی وقدِ اسْتَسْفَرُونی بینکَ وبینهمْ ; وَوَاللهِ مَا أَدْرِی مَا أَقُولُ لَکَ! مَا أَعْرِفُ شَیْئاً تَجْهَلُهُ، وَلاّ أَدُلُّکَ عَلَى أَمْر لاَ تَعْرِفُهُ !
إِنَّکَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ ; مَا سَبَقْنَاکَ إلى شَیء فَنُخْبرَکَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَیء فَنُبَلِّغَکَهُ; وَقَدْ رَأَیْتَ کَمَا رَأَیْنَا، وَسَمِعْتَ کَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُول اللهِ (صلى الله علیه وآله وسلم) کَمَا صَحِبْنَا. وَمَا ابْنُ أَبی قُحَافَهَ وَلاَ ابْنُ الخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الحقّ مِنْکَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إلى رَسُولِ اللهِ (صلى الله علیه وآله وسلم) وَشِیجَهَ رَحِم مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ یَنَالاَ; فَاللهَ الله فی نَفْسِکَ، فَإنَّکَ وَاللهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمىً، وَلاَ تُعَلَّمُ مِنْ جَهْل; وَإنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَهٌ، وَإنَّ أعلامَ الدِّینِ لقائمهٌ.
فَاعلَمْ أنَّ أفضل عباد الله عند اللهِ إمامٌ عادلٌ; هُدِیَ وهَدَى، فأقام سُنَّهً معلومهً، وأمات بدعهً مجهولهً; وإنَّ السُّننَ لنیرهٌ لها أعلامٌ، وإنَّ البدع لظاهرهٌ لها أعلامٌ; وإنَّ شرَّ الناس عند اللهِ إمامٌ جائرٌ ضلَّ وضُلَّ به ; فأمات سنَّهً مأخوذهً، وأحیا بدعهً متروکهً! وإنِّی سمعتُ رسول الله(صلى الله علیه وآله وسلم) یقولُ: یؤتى یوم القیامه بالإمام الجائر، ولیس معه نصیرٌ ولا عاذرٌ، فیلقى فی نار جهنَّمَ، فیدور فیها کما تدور الرَّحى ; ثمَّ یرتبط فی قعرها.
وإنِّی أنشدک الله أن لا تکون إمام هذه الأُمَّه المقتول! فإنَّهُ کان یقال: یقتل فی هذه الأُمَّه إمامٌ یفتح علیها القتل والقتال إلى یوم القیامه، ویُلبِس أُمورها علیها، ویبثُّ الفتن فیها، فلا یبصرون الحقَّ من الباطل; یموجون فیها موجاً، ویمرجون فیها مَرجاً. فلا تکوننَّ لمروان سیِّقهً یسوقک حیث شاء بعد جَلال السِّنِّ، وتقضِّی العمر».
فقال له عثمان (رضی الله عنه) :
کَلِّم النَّاس فی أَنْ یؤجِّلونی، حتَّى أخرج إلیهم من مظالمهم.
فقال (علیه السلام) :
«ما کان بالمدینه فلا أجل فیه ; وما غاب فأجله وصولُ أمرک إلیه» .( [2])
أقول: إنّ من أمعن فی خطبه الإمام أمیر المؤمنین(علیه السلام) وأحاط بالظروف الحرجه التی صدرت فیها، یقف على أنّ الإمام (علیه السلام) لیس بصدد مدح الخلیفه وتنزیهه عمّا نقم علیه الناس ، وإنّما کان یتوخّى تحقیق هدفین:
الأوّل: إعاده الخلافه الإسلامیه إلى مسارها الصحیح بعد أن زاغت عنه بممارسه الجهاز الحاکم للأعمال المنافیه لأهدافها الکبرى، کالاستئثار بأموال المسلمین، وتعیین أغلمه بنی أُمیه وشبابها المترف فی الولایات والأعمال، وتوطید السبل لطغیانهم واستطالتهم على الناس، وغیر ذلک من الأُمور الّتی فتحت باب الفتن والجور على مصراعیه .
فکان فی نیّه الإمام بکلامه هذا أن یقوم الخلیفه بتغییر الوضع السائد، بعزل ولاه الجور وإعطاء أزمّه الأُمور إلى الصالحین من الأُمّه، وتقسیم بیت المال على المسلمین بالعدل والإنصاف.
الثانی: إنقاذ الخلیفه من القتل بید الثائرین من المهاجرین والأنصار ومن تبعهم من سائر الأمصار الإسلامیه، ولم یکن من مصلحه الإسلام قتل الخلیفه، ولذلک کان الإمام (علیه السلام) یخاطب عثمان بقوله: «وإنّی أنشدک الله أن لا تکون إمام هذه الأُمّه المقتول».
هذان هما الهدفان اللّذان کان الإمام (علیه السلام) یتوخّاهما، ویدلّ على ما ذکرنا، الأُمور التالیه: ۱ – انّ الإمام (علیه السلام) کان یندِّد بأعمال عثمان وینقم علیه فی غیر موقف من مواقفه، فیقول عند بیان الدافع الحقیقی وراء قتل عثمان:
«اسْتَأْثَرَ فَأسَاءَ الأَثَرهَ، وَجَزِعْتُمْ فَأسَأْتُمُ الجَزَعَ، وَللهِ حُکْمٌ وَاقِعٌ فی المُسْتَأْثِرِ والجَازِعِ» .( [3])
۲ – لما سیّر عثمان أبا ذر ذلک الصحابی العظیم لتندیده بأعمال عثمان وولاته، خرج علیّ یشایعه، وقال له:
«یَا أَبَا ذَرِّ، إنَّکَ غَضِبْتَ للهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ. إنَّ القَوْمَ خَافُوکَ عَلَى دُنْیَاهُمْ، وَخِفتَهُمْ عَلى دِینکَ، فَاتْرُک فی أیْدیهمْ ما خَافُوکَ عَلَیه واهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُم عَلَیْه، فَمَا أحْوَجَهَم إلى مَا مَنَعْتَهمْ وَمَا أَغْنَاکَ عَمَّا مَنَعُوکَ ».( [4])
فمع هذه العبارات الواضحه، کیف یُنتظَر من الإمام بعد ذلک أن ینزّه الخلیفه عمّا نُقم علیه، ویبالغ فی إطرائه والثناء علیه، وکأنّه لم یجترح آثاماً، ولم یُحدث أحداثاً، أو یُبدع بدعاً؟!
۳ – روى الطبری عن الواقدی، أنّ عبد الله بن محمد حدّثه عن أبیه، قال: لما کانت سنه ۳۴ هـ ، کتب أصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن کنتم تریدون الجهاد فعندنا الجهاد وکثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نیل من أحد، وأصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) یرون ویسمعون لیس فیهم أحد ینهى ولا یذب إلاّ نفیر: زید بن ثابت وأبو أسید الساعدی وکعب بن مالک وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وکلّموا علی بن أبی طالب، فدخل على عثمان، فقال: «الناس ورائی وقد کلّمونی فیک، والله ما أدری ما أقول لک، وما أعرف شیئاً تجهله، ولا أدلّک على أمر لا تعرفه، إنّک لتعلم ما نعلم، ما سبقناک إلى شیء فنخبرک عنه، ولا خلونا بشیء فنبلّغک، وما خُصِّصنا بأمر دونک…»( [5]). إنّ الإمام (علیه السلام) باعتباره سفیر الناس إلى الخلیفه لإطلاعه على تذمّرهم منه ونقمتهم علیه، کان یتوخّى أفضل السبل لإنجاز مهمّته المتمثّله فی نصح الخلیفه وإرشاده، وتلیین موقفه المتصلّب الرافض لاستعتابهم وتلبیه مطالبهم، ولهذا بدأ (علیه السلام) کلامه بهذا الأسلوب الرقیق الّذی یحرّک فی النفس نوازع الخیر من خلال التذکیر بذلک العهد الّذی أظلّتهم فیه رحمه الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) وعدله واستقامته وخلقه المعطار.
ثم أعقبه بکلام یحمل فی طیّاته تحذیراً شدیداً من مغبّه التمادی فی سلوک طریق الضلال والإضلال وفی إمامه السنّه وإحیاء البدعه .
وقد نجح الإمام (علیه السلام) بهذا الاسلوب ـ الّذی یجمع بین الترغیب والتحذیر ـ فی تحقیق أهدافه السامیه فی کبح روح العناد لدى الخلیفه، ودفعه إلى استعتاب الثائرین، وآیه ذلک النجاح تأثّر الخلیفه بکلامه وإقباله علیه، الأمر الّذی حداه إلى مخاطبه الإمام بقوله: کلِّمِ الناس فی أن یؤجّلونی حتّى أَخرُجَ إلیهم من مظالمهم.
وعلى ضوء ما تقدّم، یُعلم مغزى کلام الإمام (علیه السلام) وأنه لیس بصدد الحدیث عن وفور علم عثمان، وإنّما بصدد لفت نظره وتذکیره بمصاحبته للرسول الأکرم(صلى الله علیه وآله وسلم) ، من أجل حثّه على مراعاه العدل ومجانبه الظلم والجور والرفق بالرعیه وإنصافهم وغیر ذلک من الأُمور العامه الّتی ینبغی أن یکون قد وعاها من حدیث رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وسیرته العظیمه. وعلیه فإن ما استنتجه فضیله الشیخ من أنّ کل ما یعلمه الإمام یعلمه عثمان، لیس فی محلّه، وبعید عن الصواب، لغفلته أو تغافله عن ملاحظه الظرف الّذی صدر فیه کلام الإمام (علیه السلام) .
ونحن إذا غضضنا الطرف عن مسأله اختصاص الإمام برسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وملازمته له من لدن أن کان ولیداً إلى آخر لحظات حیاته (صلى الله علیه وآله وسلم) وانتهاله من نمیر علمه وبحر عطائه، ولم نأخذ بعین الاعتبار أیضاً مسأله الاختلاف الطبیعی بین الأشخاص فی المواهب والقابلیات والملکات، ورجعنا إلى التاریخ، فإنّنا لم نجد فیه من یدّعی المساواه بین علم عثمان وعلم أبی بکر وعمر فضلاًعن المساواه بینه وبین علم علی الّذی شاع فیه القول: إنّه أفصح الناس بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وأکثرهم علماً وزهداً وتنمّراً فی ذات الله تعالى .
قیل لعطاء بن أبی رباح: أکان فی أصحاب محمد(صلى الله علیه وآله وسلم) أعلم من علی؟ قال: لا والله لا أعلم.( [۶])
وقالت عائشه: علی أعلم الناس بالسنّه.( [۷])
وقال سعید بن المسیب: کان عمر یتعوذ من معضله لیس لها أبو حسن. ( [۸])
أمّا قوله (علیه السلام) : «وما ابن أبی قحافه ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منک، وأنت أقرب إلى رسول الله وشیجه»، فیمکن بیانه على النحو التالی:
لایشک أحدٌ فی أنّ سیره أبی بکر وعمر فی خطوطها العامّه کانت أفضل من سیره عثمان، ولهذا أراد الإمام بهذا القول أن یحثّه على انتهاج سیرتهما، وأن ینأى بنفسه عن استئثار بنی أبیه وأقاربه بالأموال والولایات والمناصب، وأن یعدل فی الرعیه، ویرفع عنها مظالمها، وهذا لا یعنی أنّه (علیه السلام) کان راضیاً عن سیره الشیخین فی تفاصیلها، لأنّ هذا المعنى خارج عن موضوع الکلام.
وممّا یؤکد ما نذهب إلیه، هو أن الخلافه کانت من علی على طرف الثُّمام( [۹])، ولکنّه (علیه السلام) رغب عنها بعد أن اشترط علیه عبد الرحمن بن عوف الاقتداء بسیره الشیخین!!
فلو کانت سیرتهما مستضیئه بالکتاب والسنّه فی کلّ تفاصیلها، لما کان هناک مساغ لرفضه (علیه السلام) لهذا الشرط .
[۱] . تأمّلات فی کتاب نهج البلاغه: ۲۰ .
[۲] . نهج البلاغه، الخطبه ۱۵۹ ; شرح النهج: ۹ / ۲۶۱ – ۲۶۲ .
[۳] . نهج البلاغه: الخطبه ۲۹، شرح محمد عبده .
[۴] . نهج البلاغه: الخطبه ۱۲۶، شرح محمد عبده .
[۵] . تاریخ الطبری: ۳ / ۳۷۵ ، حوادث سنه ۳۴ هـ .
[۶] . أسد الغابه: ۴ / ۲۲ .
[۷] . مختصر تاریخ دمشق: ۱۸ / ۲۵ .
[۸] . أسد الغابه: ۴ / ۲۲ – ۲۳ ; تهذیب الکمال: ۲۰ / ۴۸۵ .
[۹] . جمع الثمامه، نبت، سهل التناول مثل یضرب لکل أمر یسهل تناوله .

Leave A Reply

Your email address will not be published.