حدیث المنزله
حدیث المنزله
الأسانید . . والشبهات *
الشیخ مکارم الشیرازی
أسانید حدیث المنزله :
۱ ـ روى جمع کبیر من صحابه النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) حول غزوه تبوک : أنّ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) خرج إلى تبوک واستخلف علیّاً ، فقال : ( أَتَخْلِفُنِی فِی الصِبْیَانِ وَالنِسَاءِ ؟ ) .
قال : ( أَلاَ تَرْضَى أَنْ تکونَ مِنّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى ، إِلاّ أَنّه لیسَ نَبِیٌّ بَعْدِی ) .
وهذا النص ورد فی أوثق الکتب الحدیثیّه لدى أهل السنّه ، یعنی صحیح البخاری وعن سعد بن أبی وقاص (۱) .
وقد رُوی هذا الحدیث ـ أیضاً ـ فی صحیح مسلم الذی یُعدّ من المصادر الرئیسیه عن أهل السُنّه ، فی باب ( فضائل الصحابه ) عن سعد أن النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) قال لعلی ( علیه السلام ) : ( أنتَ مِنّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى إِلاّ أَنَّهُ لا نَبِیَّ بَعْدِی ) (۲) .
فی هذا الحدیث الذی نقله صحیح مسلم أعلن عن الموضوع بصوره کلِّیّه ، ولم یرد فیه ذکر عن غزوه تبوک .
وهکذا نُقل حدیث رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) هذا فی سیاق ذِکْر غزوه تبوک بعد ذِکْر الحدیث بصوره کلّیّه ، بصوره مستقلّه ، کما جاء فی صحیح البخاری .
وقد ورد عین هذا الموضوع فی سنن ابن ماجه أیضاً (۳) .
وقد أُضیف فی سنن الترمذی مطلب آخر ، وهو أنّ معاویه قال لسعد ذات یوم : ما یمنعک أنْ تسبَّ أبا تراب ؟!
قال : أمّا ما ذکرتَ ، ثلاثاً قالهنَّ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) فلنْ أسبَّه ، لَئِن تکون لی واحده منهنّ ، أحبّ إلیّ من حُمْرِ النَعَم . ثمّ عَدّد الأُمور الثلاثه ، فکان أحدها ما قاله رسول الله لعلی فی تبوک وهو قوله : ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تکونَ مِنّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى إِلاّ أَنَّهُ لا نُبُوّهَ بَعْدِی ) (۴) .
وقد أُشیر إلى هذا الحدیث فی عشره موارد من مسند أحمد بن حنبل ، تارهً ذکرتْ فیه غزوه تبوک ، وتارهً من دون ذِکْر غزوه تبوک ، بل بصوره کلِّیّه (۵) .
وقد رُوی فی أحد هذه المواضع أنّه أتى ابن عبّاس ـ بینما هو جالس ـ تسعهُ رَهْطٍ ، فقالوا : یا ابن عبّاس ، إمّا أنْ تقوم معنا ، وإمّا أنْ تخلونا هؤلاء .
فقال ابن عباس : بل أقوم معکم .
( إلى أنْ قال ) : وخرج بالناس ( أی النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ) فی غزوه تبوک ، ثمّ نقل کلام رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) لعلی ( علیه السلام ) وأضاف : ( إنّه لا ینبغی أنْ أَذْهبَ إِلاّ وأنتَ خَلِیْفَتِی ) (۶) .
وجاء نفس هذا الحدیث فی ( خصائص النسائی ) (۷) وهکذا فی مستدرک الحاکم (۸) ، وفی تاریخ الخلفاء للسیوطی (۹) وفی الصواعق المحرقه لابن حجر (۱۰) وسیره ابن هشام (۱۱) والسیره الحلبیّه (۱۲) وکتب کثیره أُخرى .
ونحن نعلم أنّ هذه الکتب من الکتب المعروفه ، والمصادر الأُولى لأهل السُنّه .
والجدیر بالذکر أنّ هذا الحدیث لم یَرْوِهِ ( سعد بن أبی وقاص ) عن النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) وحده ، بل رواه ـ أیضاً ـ مجموعهٌ کبیره من الصحابه الذین یتجاوز عددهم عشرین شخصاً ، منهم :
( جابر بن عبد الله ) و ( أبو سعید الخدری ) و ( أسماء بنت عُمَیْس ) و ( ابن عبّاس ) و ( أُمّ سَلَمَه ) و ( عبد الله بن مسعود ) و ( أنس بن مالک ) و ( زید بن أرقم ) و ( أبو أیّوب ) ، والأجدر بالذکر أنّ هذا الحدیث رواه عن النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ( معاویه بن أبی سفیان ) و ( عمر بن الخطّاب ) أیضاً .
وینقل ( محبّ الدین الطبری ) فی ( ذخائر العقبى ) أنّه جاء رجل إلى معاویه فسأله عن مسأله .
فقال : سَلْ عنها علیَّ بن أبی طالب ، فهو أعلم .
قال : یا أمیر المؤمنین ( ویقصد به معاویه ) ، جوابک فیها أحبّ إلیّ من جواب علیّ .
قال : بئسما قلتَ ، لقد کرهتَ رجلاً کان رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) یغرّه بالعلم غَرّاً ، وقد قال له : أنتَ مِنّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى ، إلاّ أنّه لا نبیَّ بعدی ، وکان عمر إذا أشکل علیه أخذ منه (۱۳) .
وروى أبو بکر البغدادی فی ( تاریخ بغداد ) ، بسنده عن عمر بن الخطّاب أنّه رأى رجلاً یسبّ علیّاً ( علیه السلام ) ، فقال : إنّی أظنّک منافقاً ، سمعتُ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) یقول : ( إنّما علیّ منّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى ، إِلاّ أَنّه لا نَبِیّ بَعْدِی ) (۱۴) .
حدیث المنزله فی سبعه مواضع :
النقطه الأُخرى ، إنّ النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ـ وخلافاً لِمَا یتصوّره البعضُ ـ لم یقل هذا البحث فی علی ( علیه السلام ) فی غزوه تبوک فقط ، بل قال هذه العباره فی عدّه مواضع منها :
۱ ـ فی المؤاخاه الأُولى :
یعنی فی المرّه الأُولى التی آخى فیها رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) بین المهاجرین ، واختار علیّاً ( علیه السلام ) فی هذه المؤاخاه لنفسه ، وقال : ( أنتَ مِنّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى إِلاّ أنّهُ لا نَبِیَّ بَعْدِی ) (۱۵) .
۲ ـ فی یوم المؤاخاه الثّانیه :
وکانت فی المدینه بعد الهجره بخمسه أشهر ، حیث آخى بین المهاجرین والأنصار ، واصطفى لنفسه منهم علیّاً ، واتّخذَهُ من دونهم أخاه ، وقال له : ( أنتَ مِنِّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى إِلاّ أنّهُ لا نَبِیَّ بِعْدِی ، وأنتَ أخی ووارثی ) (۱۶) .
۳ ـ أُمّ سلیم :
التی کانت على جانب من الفضل والعقل ، وکانت تُعدّ من أهل السوابق ، وهی من الدعاه إلى الإِسلام ، واستشهد أبوها وأخوها بین یدی النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، وفارقتْ زوجها ؛ لأنّه أبى أنْ یعتنق الإِسلام ، وکان رسولُ الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) یزورها فی بیتها بین الحین والآخر ویسلّیها ، تروی أُمُّ سلیم هذه أنّ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) قال لها ذات یوم : ( إنّ علیّاً لَحْمُهُ مِن لَحْمِی ، وَدَمُهُ مِنْ دَمِی ، وهو مِنِّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى ) (۱۷) .
۴ ـ قال ابن عبّاس :
سمعتُ عمر بن الخطّاب یقول : کُفُّوا عن ذِکْر علیّ بن أبی طالب ، فقد رأیتُ مِن رسولِ الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) فیه خصالاً ، لَئِنْ تکون لی واحده منهنّ فی آل الخطّاب أحبَّ إلی ممّا طلعت علیه الشمس ، کنتُ أنا ، وأبو بکر ، وأبو عبیده ، فی نفرٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله علیه وآله وسلّم ، فانتهینا إلى باب أُمِّ سَلَمَه ، وعلی قائم على الباب ، فقلنا :
أردنا رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ؟
فقال : یخرج إلیکم ، فخرج رسولُ الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) فَسِرْنا إلیه ، فأتَّکَأَ على علیّ بن أبی طالب ، ثمّ ضرب بیده منکبه ، ثمّ قال : ( أنت ( یا علی ) أوّل المؤمنین إیماناً ، وأوّلهم إسلاماً ، وأنتَ مِنّی بمنزلهِ هارونَ مِن موسى ) (۱۸) .
۵ ـ روى النسائی فی کتاب ( الخصائص ) :
أنّ علیّاً وزیداً وجعفر اختصموا فی مَن یکفل ابنهَ حمزه ، وکان کلُّ واحدٍ منهم یرید أنْ یکفلها هو دون غیره ، فقال رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) لعلى : ( أنتَ مِنّیّ بمنزلهِ هارونَ من موسى ) (۱۹) .
۶ ـ روى جابر بن عبد الله :
أنّه عندما أمر رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) بسدّ جمیع أبواب المنازل التی کانت مشرعهً إلى المسجد ، إلاّ باب بیت علی ( علیه السلام ) ، قال رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) : ( إنّه یحلّ لک فی المسجدِ مَا یَحلّ لِی ، وإنّک بمنزلهِ هارونَ مِن موسى ، إِلاّ أنّهُ لا نبیَّ بَعْدِی ) (۲۰) .
هذه الموارد الستّه التی هی غیر غزوه تبوک ، أخذناها برمّتها من المصادر المعروفه لأهل السنّه ، وإلاّ فإنّ هناک فی الرّوایات المرویّه عن طریق الشیعه موارد أُخرى قال فیها رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) هذه العباره فی شأن علی ( علیه السلام ) أیضاً .
من مجموع ذلک یُستفاد ـ بوضوح وجلاء ـ أنّ حدیث المنزله لم یکنْ مختصّاً بغزوه تبوک ، بل هو أمر عام ودائم فی شأن علی ( علیه السلام ) .
ومِن هنا یتّضح أیضاً أنّ ما تصوّره بعضُ علماء السنّه مثل ( الآمدی ) ـ مِن أَنّ هذا الحدیث یتکفّل حکماً خاصّاً فی مجال خلافه علی ( علیه السلام ) ، وأنّه یرتبط بظرف غزوه تبوک خاصّهً ، ولا یرتبط بغیره من الظروف والأوقات ـ تصوّرٌ باطلٌ أساساً ؛ لأنّ النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) کرّر هذه العباره فی مناسبات متنوّعه ، ممّا یفید أنّه کان حکماً عامّاً .
محتوى حدیث المنزله :
لو درسنا ـ بموضوعیّه وتجرّد ـ هذا الحدیث ، وتجنَّبْنا الأحکام المسبَّقه والتحجّجات الناشئه من العصبیّه ، لاستفدنا من هذا الحدیث أنّ علیّاً ( علیه السلام ) کان له ـ بموجب هذا الحدیث ـ جمیع المنازل التی کانت لهارون فی بنی إسرائیل إلاّ النّبوه ؛ لأنّ لفظ الحدیث عام ، والاستثناء ( إلاّ أنّه لا نبیّ بعدی ) یؤکّد هو الآخر هذه العمومیّه ، ولا یوجد أیّ قیدٍ أو شرطٍ فی هذا الحدیث یخصّصه ویقیّده .
وعلى هذا الأساس یمکن أنْ یستفاد من هذا الحدیث الأُمور التالیه :
۱ ـ إنّ الإمام علیّاً ( علیه السلام ) أفضلُ الأئمّه بعد النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، کما کان لهارون مثل هذا المقام .
۲ ـ إنّ علیّاً وزیرُ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ومعاونه الخاص وعضده ، وشریکه فی قیادته ؛ لأنّ القرآن أثبت جمیع هذه المناصب لهارون عندما یقول حاکیاً عن موسى قوله : ( وَاجْعَلْ لِی وَزِیراً مِنْ أَهْلِی * هَارُونَ أَخِی * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِی * وَأَشْرِکْهُ فِی أَمْرِی ) (۲۱) .
۳ ـ إنّه کان لعلیّ ( علیه السلام ) ـ مضافاً إلى الأخوّه الإِسلامیه العامّه ـ مقامُ الأخوّه الخاصّه والمعنویّه للنبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) .
۴ ـ إنّ علیّاً ( علیه السلام ) کان خلیفهَ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، ومع وجوده لم یکن أیّ شخص آخر یصلح لهذا المنصب .
* * * *
أسئله حول حدیث المنزله :
لقد أورد بعض المتعصّبین إشکالات واعتراضات على هذا الحدیث والتمسّک به ؛ لإثبات خلافه علی لرسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) بلا فصل .
بعض الإشکالات والاعتراضات واهیه جدّاً ، إلى درجه لا تَصلح للطرح على بساط المناقشه ، بل لا یملک المرء عند السماع بها إلاّ أنْ یتأسّف على حال البعض کیف صدّتْهم الأحکام المسبقه غیر المدروسه عن قبول الحقائق الواضحه ؟
أمّا البعض الآخر من الإشکالات القابله للمناقشه والدراسه ، فنطرحها على بساط البحث تکمیلاً لهذه الدراسه :
* الإشکال الأوّل :
إنّ هذا الحدیث یبیّن ـ فقط ـ حکماً خاصّاً محدوداً ؛ لأنّه ورد فی غزوه تبوک ، وذلک عندما انزعج علی ( علیه السلام ) من استبقائه فی المدینه بین النساء والصبیان ، فسلاّه رسولُ الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) بهذه العباره ، وعلى هذا الأساس کان المقصود هو : إنّک وحدک الحاکم والقائد لهذه النسوه والصبیان دون غیرک .
وقد اتّضح الجواب على هذا الإشکال من الأبحاث السابقه بجلاء ، وتبیّن أنّه ـ على خلاف تصوّر المعترضین ـ لم یرد هذا الحدیث فی واقعه واحده ، ولم یصدر فی واقعه تبوک فقط ، بل صدر فی موارد عدیده على أساس کونه یتکفّل حکماً کلیّاً ، وقد أشرنا إلى سبعه موارد ومواضع منها ، مع ذکر أسانیدها من مؤلّفات علماء أهل السُنّه .
هذا مضافاً إلى أنّ بقاء علیّ ( علیه السلام ) فی المدینه لم یکن أمراً بسیطاً یهدف المحافظه على النساء والصبیان فقط ، بل لو کان الهدف هو هذا ، لتیّسر للآخرین القیام به ، وإنّ النّبی لم یکن لیترک بطل جیشه البارز فی المدینه لهدف صغیر ، وهو یتوجّه إلى قتال إمبراطوریه کبرى ( هی إمبراطوریه الروم الشرقیه ) .
إنّ من الواضح أنّ الهدف کان هو منع أعداء الرساله الکثیرین الساکنین فی أطراف المدینه والمنافقین القاطنین فی نفس المدینه ، الذین کانوا یفکّرون فی استغلال غیبه النّبی الطویله لاجتیاح المدینه قاعده الإِسلام ؛ ولهذا عَمَدَ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) إلى أنْ یخلف فی غیبته شخصیّهً قویّهً ، یمکنه أنْ یحفظ هذا المرکز الحسّاس ، ولم تکن هذه الشخصیه سوى علی ( علیه السلام ) .
* الإشکال الثّانی :
نحن نعلم ـ کما اشتهر فی کتب التاریخ أیضاً ـ أنّ هارون تُوفّی فی عصر موسى ( علیه السلام ) نفسه ؛ ولهذا لا یُثبِت التشبیه بهارون أنّ علیّاً ( علیه السلام ) خلیفه رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) بعد وفاته ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) .
ولعلّ هذا هو أهمّ إشکال أُورد على هذا البحث والتمسّک به ، ولکنّ جمله ( إلاّ أنّه لا نبیَّ بعدی ) تُجیب على هذا الإشکال بوضوح ؛ لأنّه إذا کان کلام النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ـ الذی یقول : أنت منّی بمنزله هارون من موسى ـ خاصّاً بزمان حیاه النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) لَمَا کانت هناک ضروره إلى جمله ( إلاّ أنّه لا نبی بعدی ) ؛ لأنّه إذا اختصّ هذا الکلام بزمان حیاه النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) لکان التحدّث حول مَن یأتی بعده غیر مناسب أبداً ( إذ یکون لهذا الاستثناء ـ کما اصطلح فی العربیه ـ طابع الاستثناء المنقطع الذی هو خلاف الظاهر ) .
وعلى هذا الأساس یکشف وجود هذا الاستثناء ـ بجلاء ـ أنّ کلام النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ناظر إلى مرحله ما بعد وفاته ، غایه ما هنالک ولکی لا یلتبس الأمر ، ولا یعتبر أحدٌ علیّاً ( علیه السلام ) نبیّاً بعد رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) قال : إنّ لک جمیع هذه المنازل ولکنّک لن تکون نبیّاً بعدی .
فیکون مفهوم کلام النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) هو أنّ لک جمیع ما لِهارون من المناصب والمنازل ، لا فی حیاتی فقط ، بل إنّ هذه المنازل تظلّ مستمرّهً وباقیه لک إلاّ مقام النّبوه .
وبهذه الطریقه یتّضح أنّ تشبیه علی ( علیه السلام ) بهارون ، إنّما هو من حیث المنازل والمناصب ، لا من حیث مدّه استمرار هذه المنازل والمناصب ، ولو أنّ هارون کان یبقى حیّاً ، لکان یتمتّع بمقام الخلافه لموسى ومقام النّبوه معاً .
ومع ملاحظه أنّ هارون کان له ـ حسب صریح القرآن ـ مقام الوزاره والمعاونه لموسى ، وکذا مقام الشرکه فی أمر القیاده ( تحت إشراف موسى ) ، کما أنّه کان نبیّاً ، تثبت جمیع هذه المنازل لعلی ( علیه السلام ) إلاّ النّبوه ، حتى بعد وفاه النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) بشهاده عباره ( إلاّ أنّه لا نبی بعدی ) .
* الإشکال الثّالث :
إنّ الاستدلال بهذا الحدیث یستلزم أنّه کان لعلی ( علیه السلام ) منصب الولایه والقیاده حتى فی زمن رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، فی حین لا یمکن أنْ یکون هناک إمامان وقائدان فی عصر واحد .
ولکن مع الالتفات إلى النقطه التالیه یتّضح الجواب على هذا الإشکال أیضاً ، وهی أنّ هارون کان له ـ من دون شکّ ـ مقام قیاده بنی إسرائیل حتى فی عصر موسى ( علیه السلام ) ، ولکن لا بقیاده مستقلّه ، بل کان قائداً یقوم بممارسه وظائفه تحت إشراف موسى . وقد کان علی ( علیه السلام ) فی زمان النّبی ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) معاوناً للنّبی فی قیاده الأُمّه أیضاً ، وعلى هذا الأساس یصیر قائداً مستقلاًّ بعد وفاه رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) .
وعلى کل حال ، فإنّ حدیث المنزله الذی هو مِن حیث الأسانید مِن أقوى الأحادیث والروایات الإسلامیه التی وردتْ فی مؤلّفات جمیع الفرق الإسلامیه بلا استثناء ، إنّ هذا الحدیث یوضّح لأهل الإِنصاف من حیث الدلاله أفضلیّهَ علی ( علیه السلام ) على الأُمّه جمعاء ، وأیضاً خلافته المباشره ( وبلا فصل ) بعد رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) .
ولکن مع العجب العجاب أنّ البعض لم یکتفِ برفض دلاله الحدیث على الخلافه ، بل قال : إنّه لا یتضمّن ولا یثبت أدنى فضیله لعلیّ ( علیه السلام ) .. وهذا حقّاً أمر محیّر .
ــــــــــــــــــــــــ
* اقتباس من کتاب : الأَمْثَل فی تفسیر کتابِ اللهِ المُنزَل ( طبعه جدیده منقّحه مع إضافات ) ، تَألیف : العلاّمه الفقیه المفسّر آیه الله العظمى الشَیخ نَاصِر مَکارم الشِیرازی ، المجَلّد الخامس .
۱ ـ صحیح البخاری : الجزء السّادس ، الصفحه ۳ ، طبعه دار إحیاء التراث العربی .
۲ ـ صحیح مسلم : المجلّد الرّابع ، الصفحه ۱۸۷ ، طبعه دار إحیاء التراث العربی .
۳ ـ المجلد الأوّل ، الصفحه ۴۳ ، طبعه دار إحیاء الکتب العربیه .
۴ ـ المجلد الخامس ، الصفحه ۶۳۸ ، طبعه المکتبه الإِسلامیه لصاحبها الحاج ریاض الشیخ .
۵ ـ مسند أحمد بن حنبل : المجلّد الأول ، الصفحه ۱۷۳ و ۱۷۵ و ۱۷۷ و ۱۷۹ و ۱۸۳ و ۱۸۵ و ۲۳۱ ، والمجلّد السّادس ، الصفحه ۳۶۹ و ۴۳۸ .
۶ ـ مسند أحمد : المجلّد الأوّل ، الصفحه ۲۳۱ .
۷ ـ خصائص النسائی : ص ۴ و ۱۴ .
۸ ـ المجلّد الثالث ، الصفحه ۱۰۸ و ۱۰۹ .
۹ ـ المجلّد الأوّل ، الصفحه ۶۵ .
۱۰ ـ الصفحه ۱۷۷ .
۱۱ ـ السیره النبویه : المجلّد الثّالث ، الصفحه ۱۶۳ ، طبعه مصر .
۱۲ ـ السیره الحلبیه : المجلّد الثّالث ، الصفحه ۱۵۱ ، طبعه مصر .
۱۳ ـ ذخائر العقبى : الصفحه ۷۹ ، طبعه مکتبه القدس . الصواعق المحرقه : ص ۱۷۷ ، طبعه مکتبه القاهره .
۱۴ ـ تاریخ بغداد : المجلّد السابع ، الصفحه ۴۵۲ ، طبعه السعاده .
۱۵ ـ کنز العمّال : المجلّد الخامس ، الصفحه ۴۰ ، الحدیث ۹۱۸ ، والمجلّد السّادس ، الصفحه ۳۹۰ .
۱۶ـ منتخب کنز العمّال ( فی حاشیه مسند أحمد ) : المجلّد الخامس ، من مسند أحمد ، الصفحه ۳۱ .
۱۷ ـ کنز العمّال : المجلّد السّادس ، الصفحه ۱۶۴ .
۱۸ ـ کنز العمّال : المجلّد السّادس ، الصفحه ۳۹۵ .
۱۹ ـ خصائص النسائی : الصفحه ۱۹ .
۲۰ ـ ینابیع المودّه : آخر باب ۱۷ ، الصفحه ۸۸ ، الطبعه الثّانیه ، دار الکتب العراقیه .
۲۱ ـ سوره طه : الآیه : ۲۹ إلى ۳۲ .