الوهابیون والحائر الحسینی
بعد ظهور بدعه محمد بن عبد الوهاب، وانتشار مذهب الوهابیه فی طائفه (عنزه)، أعتنق هذا المذهب سعود بن عبد العزیز الذی به عظمت شوکه الوهابیین.
والأمیر سعود الذی ملک الحرمین المطهرین، وهدم مقابر أئمه البقیع وتصرف فی دین الله، کان على مذهب الحنبلی، وینکر القیاس وأهله.
وقد لاقت تعالیم محمد بن عبد الوهاب بین عرب نجد قبولا حسنا، والتی جاءت موافقه لمیول أمه بدویه تعیش على الفطره معتمده على الغزو فی معیشتها، وکذلک لاقت قبولا حسنا من محمد بن سعود أمیرهم.
وفی سنه ۱۱۷۹ ه مات الأمیر فاستخلف عبد العزیز بن سعود، وما حلت سنه ۱۱۸۹ ه حتى کان ابن سعود هذا ذا قوه عظیمه فی الجزیره، فأصبحت من ذلک الحین تعرف إمبراطوریه ابن سعود النجدیه بالعقیده الوهابیه.
أما ما یتعلق بالهجمه البربریه التی شنتها الفرقه الوهابیه الضاله سنه ۱۲۱۶ ه على مدینه کربلاء، یظهر أن هناک جذور حقد وکراهیه زرعتها هذه الفرقه الضاله فی نفوس أتباعها تجاه مذهب أهل البیت علیهم السلام بشکل خاص والتشیع بشکل عام قبل أن یرتکبوا جریمتهم الشنعاء بحق الضریح المقدس للإمام الحسین علیه السلام وبحق أهالی کربلاء الآمنین، فیذکر صاحب غرائب الأثر عن وقوع حادثه لأتباع هذه الفرقه المنحرفه فی مدینه النجف سنه ۱۲۱۴ ه، فیقول: کانت تأتی قوافل من نجد إلى العراق ومعها رجال من عرب الوهابیه، فقدمت قافله فی سنه ۱۲۱۴ ه فباعت القافله ما عندها فی بغداد وحملت ما أرادت وعزمت المسیر إلى بلادها، وتوجه معها من العراق بقصد الحج جماعه، وساروا حتى وصلوا المشهد فوجدوا هناک فرقه من الخزاعل فنظر فوارس الوهابیه إلى أمیر الخزاعل یقبل عتبه باب حجره الإمام علی رضی الله عنه فحملوا علیه فقتلوه، ودام القتال ثلاث ساعات، وقتل وجرح من جماعه الوهابیه مائه رجل ومثلهم من عرب الخزاعل، ونهبت أموال الحاج العراقی وجمال الوهابیین وخیلهم، وتوجه إلى نجد من سلم وعاد إلى بغداد الحاج العراقی.
هذه الحادثه هی التی غرست بذور الشحناء والعداوه عند الوهابیین، علاوه على ما علیه الوهابیه من النصب والبغضاء لکل مسلم، ویرونه خارجا عن الدین، نازحا عن الإسلام.
وبعد هذه الحادثه کانت الغارات الوهابیه تشن على کربلاء والحدود العراقیه بوجه عام فی نهایه القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر.
ففی سنه ۱۲۱۶ ه تعرضت کربلاء والحرم الحسینی لهجمه بربریه قامت بها الجماعه الوهابیه بقیاده سعود بن عبد العزیز، الذی استغل ذهاب معظم أهالی کربلاء إلى النجف الأشرف لزیاره ضریح أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام فی یوم الغدیر.
وکان سعود بن عبد العزیز على رأس قوه کبیره جمعها من نجد والعشائر والجنوب وتهامه وغیرها، وکانت تقدر باثنی عشر ألف، وقصدوا بها العراق، وتمکن جماعه من هذه القوه من الوصول إلى بلده کربلاء فی شهر ذی القعده من هذه السنه، وحاصروها، وتسوروا جدرانها ودخلوا عنوه، وقتلوا أکثر أهلها فی الأسواق والبیوت، فذبحوا ما یزید على ثلاثه آلاف من السکان، ونهبوا البیوت والأسواق ونفائس الضریح المقدس، وقد أخذوا على الأخص صفائح الذهب بعد أن اقتلعوها من مکانها، ثم هدموا الضریح المطهر.
وقد ذکرت هذه الحادثه فی کثیر من المراجع الغربیه والشرقیه، على أن أهم من أشار إلیها وتطرق بالتفصیل لها دائره المعارف الإسلامیه، والمستر لونکریک فی کتابه المعروف عن تاریخ العراق الحدیث (أربعه قرون من تاریخ العراق).
وقد أسهب لونکریک فی ذکر هذه النکبه ووصفها، نذکرها نقلا عن موسوعه العتبات المقدسه فهو یقول: " على أن الفاجعه الکبرى کانت على قاب قوسین أو أدنى، تلک الفاجعه التی دلت على منتهى القسوه والهمجیه والطمع الاشعبی، واستعملت باسم الدین.
فقد حدث فی أوائل سنه ۱۸۰۱ أن تفشى الطاعون فی بغداد، فاضطر الباشا (سلمان باشا الکبیر) وحاشیته للالتجاء إلى الخالص حیث ابتعد عن منطقه المرض.
وما استتب حاله هناک حتى فوجئ بنبأ من المنتفک علم أن القوات الوهابیه تحرکت للغزو الربیعی المعتاد، فأرسل الکهیه إلى الهندیه، إلا أنه ما کاد یغادر بغداد حتى وافت أخبار هجوم الوهابیین على کربلاء ونهبهم إیاها، وهی أقدس المدن الشیعیه وأغناها، إذ انتشر خبر اقتراب الوهابیین فی عشیه الیوم الثانی من نیسان عندما کان معظم سکان البلده فی النجف یقومون بأداء الزیاره، فسارع من کان فی المدینه لإغلاق الأبواب، غیر أن الوهابیین وقد قدروا بستمائه هجان وأربع مائه فارس نزلوا وقسموا قوتهم إلى ثلاثه أقسام، ومن ظل أحد الخانات هاجموا أقرب باب من أبواب البلده فتمکنوا من فتحه عنوه ودخلوا، فدهش السکان وأصبحوا یفرون على غیر هدى أی کیف شاء خوفهم.
أما الوهابیون الخشن فقد شقوا طریقهم إلى الأضرحه المقدسه وأخذوا یخربونها، فاقتلعت القضب المعدنیه والسیاج ثم المرایا الجسیمه، ونهبت النفائس والحاجات الثمینه من هدایا الباشوات وملوک الفرس والأمراء، وکذلک سلبت زخارف الجدران وقلع ذهب السقوف، وأخذت الشمعدانات والسجاد الفاخر والمعلقات الثمینه والأبواب المرصعه، وجمیع ما وجد من هذا الضرب فسحبت إلى الخارج، وقتل زیاده على هذه الأفاعیل قراب خمسین شخصا من القرب من الضریح فی الصحن.
أما البلده نفسها فقد عاث الغزاه المتوحشون فیها فسادا وتخریبا، وقتلوا من دون رحمه جمیع من صادفوه کما سرقوا کل دار، ولم یرحموا الشیخ ولا الطفل، ولم یحترموا النساء ولا الرجال، فلم یسلم الکل من وحشیتهم ولا من أسرهم.
ولقد قدر بعضهم عدد القتلى بألف نسمه، وقدر الآخرون خمسه أضعاف ذلک.
ولم یجد وصول الکهیه إلى کربلاء نفعا، فقد جمع جیشه فیها وفی الحله والکفل ونقل خزائن النجف الأشرف إلى بغداد، ثم حصن کربلاء نفسها بسور خاص، وعلى هذا لم یقم بأی انتقام للفعله الشنیعه الأخیره التی قام بها العدو الذی لا یدرک، وقد کان ذلک الحادث الألیم للباشا الشیخ فی عمره هذا صدمه ممیته، وانتشر الرعب والفزع فی جمیع أنحاء ترکیا وإیران.
وبذلک رجع وحوش نجد الکواسر إلى مواطنهم ثقالا على إبلهم التی حملت بنفائس لا تثمن.
وأرتحل القوم بعدها إلى الماء المعروف باسم (الأبیض) فجمع سعود الغنائم وعزل خمسها وقسم الباقی بین جنوده للراجل سهم، وللفارس سهمان، ثم عاد إلى وطنه.
أما ما ذکرته بعض المراجع العربیه تؤید هذا الوصف وتزید علیه، ما جاء فی تاریخ کربلاء المعلى وذکره الأستاذ جعفر الخیاط فی بحثه فی موسوعات العتبات المقدسه إذ تقول الروایه: حتى إذا جاءت سنه ۱۲۱۶ للهجره جهز الأمیر سعود الوهابی جیشا عرمرما یتألف من عشرین ألف مقاتل، وهجم بهم على مدینه کربلاء، فدخل المدینه بعد أن ضیق علیها وقاتل حامیتها وسکانها قتالا شدیدا، وکان سور المدینه مرکبا من أفلاک نخیل مرصوصه خلف حائط من طین، وقد ارتکب فیها من الفضائح ما لا یوصف، حتى قیل إنه قتل فی لیله واحده عشرین ألف نسمه.
وبعد أن تم الأمیر سعود مهمته، التف نحو خزائن القبر، وکانت مشحونه بالأموال الوفیره وکل شئ نفیس، فأخذ کل ما وجد فیها، وقیل أنه فتح کنزا کان فی جمه جمعت من الزوار، وکان من جمله ما أخذه لؤلؤه کبیره وعشرون سیفا محلاه جمیعا بالذهب ومرصعه بالحجاره الکریمه، وأوان ذهبیه وفضیه وفیروز والماس.
وقیل من جمله ما نهبه سعود أثاث الروضه وفرشها، منها أربعه آلاف شال کشمیر وألفا سیف فضه وکثیر من البنادق والأسلحه، وقد صارت کربلاء بعد هذه الواقعه فی حال یرثى لها، وقد عاد إلیها بعد هذه الحادثه من نجا بنفسه فأصلح بعض خرابها وعاد إلیها العمران رویدا رویدا.
وقد زارها فی أوائل القرن التاسع أحد ملوک الهند فأشفق على حالتها، وبنى فیها أسواقا حسنه، وبیوتا قوراء أسکنها بعض من نکبوا، وبنى للبلده سورا حصینا لصد هجمات الأعداء، وأقام حولها الأبراج والمعاقل، ونصب علیها آلات الدفاع من الطراز القدیم.
ومن جمله ما قتله الوهابیون المولى عبد الصمد الهمدانی، ذکر ذلک صاحب روضات الجنات حیث قال: " وقد توفی بالشهاده على أیدی الوهابیه الملعونه، بعد ما أخرج من بیته بطرق الحیله، وتاریخ ذلک القتل بکربلاء فی یوم الأربعاء الثامن عشر الذی هو عید الغدیر، من شهور سنه سته عشره ومائتین بعد الألف من الهجره المبارکه ".
وقد أرخ الشیخ محمد السماوی هذه الحادثه بأرجوزه شعریه، فقا:
فشد لا یثنی هواه الثانی * ومزق الکتاب والمثانی
وهدم الشباک والرواقا * واستلبت الحلی والأعلاقا
وقتل النساء والأطفالا * إذ لم یجد فی کربلاء رجالا
لأنهم زاروا الغدیر قصدا * فأرخوه بغدیر عدا .