دور العقل والعاطفه فی ولائنا للامام الحسین علیه السلام
الأحادیث النبویه الشریفه کلها هی غایه فی الأدب الإلهی ، وتجسد العظمه فی الفکر والبصائر والأخلاق والایمان ، وبین هذا وذاک ثمه أحادیث قدسیه صدرت عن رسول الاسلام محمد (صلى الله علیه وآله) ، تدفع المهتم بها الى التمعن والتعمق أکثر فأکثر ، لیصل بمستواه وبصیرته الى العمق الإیمانی المطلوب ، الذی کان ینشده هذا النبی القدوه (صلى الله علیه وآله) للمؤمنین .
ومن جمله تلکم الأحادیث قول الرسول المصطفى (صلى الله علیه وآله) بأن الحسین : (( مصباح هدى وسفینه نجاه)) (۱) ، وقد وصف هذا الحدیث بأنه مکتوب عن یمین عرش الله ، فی إشاره الى عظمه وقدسیه هذا الحدیث المبارک.
ولکی نکون بمستوى المسؤولیه الدینیه والحضاریه ، لابد لنا من التدبر والإحاطه بأبعاد هذا الحدیث ، فهو وغیره مما فاض على لسان سید المرسلین وأهل بیته الطیبین الطاهرین (علیهم السلام) ، لیس من نوع الکلام أو القصص الصادره عن غیرهم من البشر ، حتى یکون بوسعنا ان نمر علیها مروراً خاطفاً ، أو أنها من نوع الکلام الذی ما أن یُسمع حتى یُنسى..
فتدبّرنا وتعمّقنا وإحاطتنا – بما فی وسعنا – بکلامهم الشریف ، یعکس مدى اهتمامنـا وتعظیمنا لمکانتهم السامیه ؛ الاهتمام والتعظیم المفروضین علینا – نحن المسلمین – من قبل الله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً .
مع أن اهتمامنا بهذه الأحادیث الفذه ، إنما هو بمثابه المؤشر العملی على اهتمامنا بأنفسنا ، فالروایات صدرت عن رسول الله وأهل بیته علیه وعلیهم أفضل الصلاه والسلام لإنقاذنا من براثن الدنیا وغرورها ، ولکی تکون منهجاً ودرساً أساسیاً مقارناً للقرآن الکریم فی حیاتنا وکدحنا الى الله عز وجل .
ماذا یعنی قول الرسول (صلى الله علیه وآله) بأن الحسین مصباح الهدى ؟ وماذا تعنی الهدایه ؟ وماذا یعنی أن یکون أبو عبد الله (علیه السلام) مصباحاً ؟ وما هو المصباح ؟ وما هو دور المصباح فی حیاه الإنسان ؟ وماهی مسؤولیه الانسان تجاه هذا المصباح ؟ .
ثم ماهی سفینه النجاه ؟ وکیف یکون الحسین سفینه النجاه ؟ وماذا یتوجّب علینا ان نعمل تجاه هذه السفینه ؟ .
إننی فی هذا المقام ؛ لم أطرح الأسئله أعلاه کبذخ فکری أو أدبی ، ولا أدّعی أبداً بأن بوسع أحد من الناس الإجابه الوافیه على هذه الأسئله باستثناء من أنعم الله علیهم ، إنما الغرض من کل ذلک إلفات نظر المؤمنین إلى ضروره التعمق فی حقیقه سبط رسول الله الإمام الحسین (علیهما الصلاه والسلام) ودوره الربانی العظیم ، إضافه الى ضروره وعی مسؤولیاتنا تجاه سید الشهداء وأبی الأحرار (علیه السلام) وقضیته السرمدیه ، فالإجابه لیست معقده بقدر ماهی عمیقه ، ونحن فی هذا الإطار یهمنا النهوض بمستویاتنا حتى نتوصل الى الحقائق النورانیه لهذا الحدیث النبوی الشریف الذی بین أیدینا .
ومن هنا ؛ تنبغی الإشاره إلى حقیقه أن الانسان یترکب من بُعدین أساسیین ، ولا غنى لأحدهما عن الآخر مطلقاً ؛ البعد الأول هو البعد العاطفی ، والثانی هو بعد الفکر والعقل والبصیره .
والبعد الأول یحتل موقعاً من الإنسان أشبه ما یکون بموقع الوقود من السیاره ، حیث لایعقل مطلقاً أیه حرکه لهذا المصنوع البشری دون امتلاکه للطاقه ، وبمعنى آخر؛ تکون السیاره غیر ذات قیمه فیما لو افتقدت الوقود ، بغض النظر عن کون هذه السیاره ذات تکنولوجیا عالیه أو هابطه .
ولکن السؤال الراهن هو : هل إنَّ الوقود بمفرده کافیاً لحرکه السیاره ؟ وبطبیعه الحال فإن الجواب سیأتی منفیاً تجاهه ، على اعتبار أن ثمه أبعاد أخرى لها الدور الکبیر فی حرکه هذه السیاره ، وهذه الأبعاد تتمثل تاره فی المحرک وأخرى فی العجلات ، وأخرى فی الأجهزه الأساسیه المتعدده .
وهذه الحقیقه تنطبق تمام الإنطباق على حقیقه الوجود وشخصیه الإنسان ، فمن الصعب جداً تصور الحرکه والحیویه فی الإنسان الذی تنعدم فیه العواطف ، نظراً الى إنَّ العاطفه فی الإنسان تمثل الدافع للحرکه والنشاط والفعل وردّ الفعل .
فمن تنعدم فیه الشهوه والإحساس بالجوع والألم وتلمس الراحه ، فهو لایعدو عن کونه موجوداً جامداً ، إذ أن مجمل هذه الأحاسیس وغیرها تعنی وجود الإنسان ، فالأب یکون أباً حقیقیاً حینما یرى الجوع یعضّ أولاده فیسارع الى تأمین ما یشتهون ، لأنه یقدّر مسؤولیته تجاه عائلته من جهه ، ویعرف معنى الجوع وتأثیره من جهه ثانیه ، فهو یعمل المستحیل لکی یوفر الأمن المعیشی لهم ، وکذلک الأم التی تترک نومتها الهنیئه لتقوم بإرضاع طفلها الذی قرصه الجوع ، والداعی فی ذلک بالطبع العاطفه والحنان اللذان تحملهما له ، لأنّ هذه الأم تعرف أسباب ودوافع البکاء لدى رضیعها ، وتعرف فی الوقت ذاته الألم الذی یعتصر قلب هذا الطفل جرّاء إحساسه بالجوع .
إذن فالعاطفه فی المثالین المذکورین هی المحرک ، وهی الدافع الذی على أساسه یقوم أهم رکن فی بناء العائله المتفاعله ، ثم هناک الجانب العقلی فی حرکه الناس ، ومن دون العقل ستفقد العاطفه مصداقیتها .
وما یهمنا فی هذا الجانب هو التأکید على أن الإمام الحسین (علیه السلام) هو الذی یوفر للأمه الاسلامیه حاجتها العقلیه کما وفّر لها حاجتها العاطفیه ، فالحسین (علیه السلام) کما أصبح للمسلمین بمثابه نقطه الرجاء والعاطفه بنصّ الرسول المصطفى (صلى الله علیه وآله) حیث وصفه بـ ((سفینه النجاه)) التی تؤدی دور المنقذ أثناء وبعد الأمواج والعواصف والدوّامات ، فهو – أیضاً – بشعاراته ومنجزاته الدینیه أصبح ((مصباح الهدى)) بالنسبه للمؤمنین الذین تعترض طریقهم الإنحرافات الفکریه والسیاسیه .
إن الأمه الإسلامیه ومنذ استشهاد أبی عبد الله الحسین (علیه السلام) لاتزال تتدفأ بحراره النهضه الحسینیه ، فالحسین (علیه السلام) قتیل العبرات ؛ بمعنى أنه قد قُتِل لکی یوفر فی الأمه المسلمه الدموع ، لإن الإنسان المسلم حینما تدمع عینه ویخشع قلبه سیکون قابلاً لاستلهام المعانی الحیّه لتعالیم الدین الحضاریه ، وسیکون مثله مثل الأرض القابله لامتصاص غیث السماء حیث تهتز وتربو ، دون الأرض الصلده التی لا تستجیب لنداء المطر ورسالته الداعیه الى الإنبات .
فعندما یبکی المرء ویخشع قلبه تأخذ الآیات القرآنیه الکریمه موقعها منه ، وتجد استجابه طیبه لدیه من أجل الاعتقاد والتمسک بها وتطبیقها ، ولکن الإنسان الأبله أو المستهزئ الذی لاتربطه أیه عاطفه بالآیات السماویه ، لن ینتفع بها مهما کان تالیاً لها ، وقد سُئل رسول الله (صلى الله علیه وآله) : أین الله ؟ فقال : ((عند المنکسره قلوبهم)) (۲) .
لذلک فإننا نرى ونشهد على أنّ المؤمن المقیم للشعائر الحسینیه یتحول إلى إنسان نزیه وطاهر ونظیف ، نظراً إلى أنّ دموعه التی یذرفها ، وقلبه الذی یخشع یدفعانه للتوبه والتطهّر من الذنوب ، فهو یتوب ویتطهّر بالعاطفه والحماس .
فالمقیم للشعائر الحسینیه یعود الى قاعده محاسبـه الذات بصوره إرادیه أو لا إرادیه ، فهو على یقیـن من العظمه اللامتناهیه التی یتمتع بها سیده ومولاه الحسین بن علی (علیهما السلام) ، وهو یعرف من خلال التأریخ ماقام به هذا السید العظیم من تضحیه وشجاعه لا نظیر لهما على مرّ الزمان ، فتراه یعود الى ذاته ویؤنبها إزاء التقصیر فی ارتکاب الذنوب ، والإنهزام تجاه المصاعب والعقبات ، ولاشک أن التوبه العملیه هذه مع ما یزامنها من اعتقاد راسخ بولایه رسول الله وسبطه الحسین وأهل البیت علیهم جمیعاً أفضل الصلاه والسلام ، توبه حقیقیه مقبوله لدى الله سبحانه وتعالى .
إذن ؛ فالعاطفـه الصادقه على جانب کبیر جداً من الأهمیه فی حیـاه المرء ، حیث تحرکه وتدفعه وتخلق أمامه أهدافـاً وغایات سامیه ، على اعتبار أنّ حیاه الإنسان لاتسمى حیاهً مالم یسع الإنسان إلى تحقیق شیء فیها .
وهنا یجب أن نلتفت الى أن المصباح هو الذی یشع بالنور ، والهدى هو الذی یهدی الإنسان الى الطریق المستقیم ، وإننا کأمه مسلمه بعیدون عن الإمام الحسین (علیه السلام) من هذه الناحیه ، فنحن نعیش مع سید الشهداء فی عواطفه ومأساته فقط مع بالغ الأسف .
وللتوضیح أقول : إن تاریخ کربلاء ینقل لنا بأن الإمام الحسین (علیه السلام) وأصحابه استمهلوا الأعداء سواد لیله عاشوراء ، ولم یکن طلب الفرصه هذا ناتجاً عن خوف من الموت أو الإستشهاد ، حیث أن هذا الرکب الشجاع لم یقدم الى أرض کربلاء إلاّ وکان عارفاً بما سیؤول الیه مصیره مسبقاً ، والدلیل على ذلک أن الإمام (علیه السلام) نفسه کان قد قال قبیل مغادرته المدینه المنوره فی معرض ردّه على تحذیر مَن حذّره القتل وتَعَرُّض نسائه ونساء أصحابه للتنکیل والسبی من قبل الجیش الأموی ، قال (علیه السلام) : (( قد شاء الله أن یراهن سبایا )) (۳) .
لقد کان سبب الطلب المشار الیه الرغبه فی تجدید العهد بکتاب الله تبارک وتعالى ، فالحسین (علیه السلام) کان القرآن الناطق ، لذا نحن نرى فی حرکته ومنهجه قرآناً ینطق بصدق الإیمان وصدق الأمانه والتضحیه والتفانی فی ذات الله ، فواقعه کربلاء کانت تجسیداً واقعیاً لتعالیم القرآن والوحی المنزل .
ومن جانبنا نحن المسلمین ، کلما کان التصاقنا بالقرآن الکریم وتعالیمه شدیداً ، کلما کان اقترابنا للحسین (علیه السلام) شدیداً أیضاً ، والعکس هو الصحیح ، فالطرفان یعبران عن إراده إلهیه تتجلى فی ضروره إنقاذ الإنسان نفسه من الوساوس والإنحرافات .
یقول ربنا سبحانه وتعالى فی الآیتین ۳۱و۳۲ من سوره آل عمران: (( قُلْ إِن کُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ )) (۴) ، أی إن کنتم تدّعون محبّه الله ومحبه رسوله ومحبه أولیاء الله (( فَاتَّبِعُونِی)) على اعتبار أن هذا الحب لابد له من طاعه لتتقرّب به ، کی لایکون حبّاً فارغاً ، فالإتباع بمختلف معانیه ومصادیقه ، وبمختلف ما یستدعی من تضحیه وشجاعه وفداء هو الحب المنشود ، وإذا ما اقترن الحب بالطاعه لله تکون النتیجه العملیه لـه : (( یُحْبِبْکُمُ اللّهُ )) .
فالعاطفه والعقل إذا ما امتزجا یولّدان الفلاح ، حیث یقول تعالـى: (( یُحْبِبْکُمُ اللّهُ وَیَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِیمٌ * قُلْ أَطِیعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ یُحِبُّ الْکَافِرِینَ )) وهذه الحقیقه تمثل أحد مصادیق الکفر الذی قد یصاب به الإنسان من حیث لایشعر ، إذ یحصل التفاوت بین قوله وفعله ، بین اعتقاده وسلوکه .
وقد جاء عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) حدیث یحظى بأعظم درجات الأهمیه ، حیث یتضمن بیان موقع أئمه أهـل بیت رسول الله (علیه وعلیهـم السلام) ، کما یتضمن ضروره ما ینبغی أن یکون علیه شیعتهم وموالیهم ؛ بل وجمیع المسلمین ، حیث یقول (علیه السلام) : (( إن الله تبارک وتعالى أوجب علیکم حبّنا وموالاتنا ، وفرض علیکم طاعتنا ، ألا فمن کان منّا فلیقتدِ بنا ، فإن من شأننا الورع والاجتهاد ، وأداء الأمانـه الى البرِّ والفاجر ، وصله الرحم ، وإقراء الضیف ، والعفو عن المسیء ، ومن لم یقتدِ بنا فلیس منّا)) .
فالإنسان – لکی یصل الجنه – علیه أن یعفّ نفسه عن ارتکاب المعاصی ، وأن یبذل کل وسعه ویجدّ ویجتهد فی طریق أداء الواجبات الشرعیه الذی هو – فی واقع الأمر – المسؤول أولاً وآخراً عنها ، فرسول الله وأئمه أهل البیت (علیه وعلیهم السلام) لایحبون الشخص الکسول الجامد ، وإنما یحبون المؤمن الذی یبذل جهده تماماً ، أویستنفذ طاقته فی إطار الطاعه .
أما أداء الأمانه ، فهو أمر ذو وجوه ؛ منها وجه تحمل المسؤولیات السماویه انطلاقاً من مفهوم الآیه القرآنیه القائله : (( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَهَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَیْنَ أَن یَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ )) (۵) ، ومنها نبذ الخیانه الذی یعکس الصوره الصحیحه للأئمه ولشیعتهم ، رغم ما یبذله حزب الشیطان من مساع حثیثه لتشویه صورتهم بین الناس.
وکان الامام السجاد (علیه السلام) یقول بهذا الصدد : (( علیکم بأداء الأمانه فوالّذی بعث محمداً بالحق نبیاً لو أنَّ قاتل أبی الحسین بن علی (علیه السلام) ائتمننی على السیف الذی قتله به لأدّیته الیه )) (۶) .
وکان رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) قد قال من قبل : (( لا تنظروا إلى کثره صلاتهم وصومهم ، وکثره الحج والمعروف ، وطنطنتهم باللیل ، ولکن انظروا الى صدق الحدیث وأداء الأمانه )) (۷) .
فالمطلوب والأهم من الوجهه الشرعیه تطبیق المعتقدات دون الإکتفاء بالناحیه النظریه لها ، وهذا لعمری خلاصه وجذوه الرسالات السماویه ، وهو أهم أهداف الامام الحسین (علیه السلام) .
ثم إن الله سبحانه وتعالى وبعد أن وضّح الخارطه الإیمانیه التی ینبغی للإنسان المسلم السیر وفقها، قال : (( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِیمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِینَ )) (۸) ، وهو بذلک یدفع المؤمنین الى التطلع عبر إیمانهم العملی نحو أن یکونوا من المصطفین الأخیار ، فالإصطفاء أمر یعمّ جمیع المؤمنین ، ممن یدفعهم الإیمان الجاد الى التطور والوعی الأکثر والأوسع لحقیقه الوجود ومصیره .
والسؤال الأکثر جدیه الذی أودّ طرحه فی هذا المقام هو : انه على الرغم من عمق العلاقه العاطفیه التی تربط الموالین للامام الحسین (علیه السلام) ، فإننا نرى تفاوتاً واضحاً بین مستوى العلاقه العاطفیه وبین مقدار الاندماج الفکری والعقلی بقضیه کربلاء ، ورؤى الإمام الحسین (علیه السلام) وأخلاقه ، فما السبب فی ذلک یا ترى ، علماً بأننا قدّمنا فیما مضى من القول بأن العلاقه العاطفیه بالحسین (علیه السلام) وقضیته العادله لا تأخذ مصداقیتها مالم ینضم الیها وعی والتزام فکریان ؟.
لقد ترکنا الإطار الفکری للقضیه ، وکأن السبط الشهید (علیه السلام) قد وُلِد فی یوم عاشوراء وقُتل فیه ، وها نحن لانعرف – أو لا نتطلع لأن نعرف – من الإمام الحسین سوى أحداث کربلاء ، رغم عظمتها ، فی حین أن حیاه الإمام الحسین (علیه السلام) تحمل فی طیاتها العظمه برمتها ، بدءاً بمولده الشریف فی الصدر الأول للاسلام ، ثم امتداداً لمعطیات هذا المولد المبارک ، إننا لا نکلف انفسنا البحث فی رسائل وخطب سید الشهداء اللاهبه الى معاویه ، فضلاً عن عدم تدبّرنا فیها ..
وإننا نتغافل عن مطالعه رسائله (علیه السلام) المفصّله فیما یخص حیاه العلماء وصفاتهم ، بل ولا نسعى الى التدبر فی الزیارات التی نقرؤها تعظیماً وعرفاناً بجمیل الحسین (علیه السلام) لنا .. فهل فکّر الواحد منا فیما تعنیه هذه الزیارات ؟ ولماذا هذا التعدد فیها ؟ ولماذا هذا التوقیت الخاص لأنواعها وأقسامها ؟ .
وإننا فی الوقت الذی نکون بأمس الحاجه الى أجهزه تبلیغیه متطوره وفاعله بهذا الشأن ، نرى الکثیر من الخطباء عدیمی الاهتمام بما تعنیه هذه الزیارات مع العلم أنها قد صدرت عمن هم معصومون عن الخطأ ، وعدم الإهتمام هذا یحول دون الانتفاع بهذه الزیارات أدنى نفع .
وإننی إذ أقرأ الزیاره المعروفه بزیاره عاشوراء کثیراً ما تستوقفنی عباراتها النورانیه ، والتی منها هذه العباره : (( السلام علیک یا أبا عبد الله وعلى الأرواح التی حلّت بفنائک وأناخت برحلک )) ، فالأرواح التی حلت بفناء الحسین (علیه السلام) هی أرواح الأنبیاء والشهداء والعلماء والصدیقین ، أرواح المخلصین الذین یهمهم خدمه الدین وإعلاء کلمته .
فأنعِم وأکرِم بلحظه أو ساعه أو حیاه یخصص الإنسان فیها جهوده وطاقاته لکی یکون مع هذا الامام العظیم ، الامام الذی على أساس جهاده قامت قائمه الدین ، بعد عواصف وسیول التحریف والکبت والطغیان ، بل وأکثر من ذلک کله ، هو استمرار معطیات الثوره الحسینیه بالنسبه للمصممین على إنقاذ شعوبهم من عبودیه الطاغوت .
ونحن بدورنا نسلم على تلک الأرواح ونقول : (( السلام علیک یا أبا عبد الله وعلى الأرواح التی حلت بفنائک وأناخت برحلک ، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزیارتکم ، السلام على الحسین ، وعلى علی بن الحسین ، وعلى أولاد الحسین ، وعلى أصحاب الحسین ورحمه الله وبرکاته )) .
________________________
(۱) بحار الانوار،ج۹۱، ص۱۸۴، ح۱ .
(۲) بحار الانوار، ج۷۰، ص۱۵۷٫
(۳) حیاه الإمام الحسین بن علی، القرشی، ج۲، ص۲۹۷٫
(۴) آل عمران : ۳۱ .
(۵) الاحزاب/۷۲ .
(۶) بحار الانوار، ج۷۲، ص۱۱۴،ح۳٫
(۷) میزان الحکمه، ج۱، ص۳۴۴٫
(۸) آل عمران/ ۳۳ .