وقفه فاحصه عند لفظه ( فلا جناح علیه ) من آیه السعی
الحمد لله وسلام على عباده الذین اصطفى محمد وآله الطاهرین .
قال تعالى : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَهَ مِنْ شَعَائِر اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَیْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاکِرٌ عَلِیمٌ) .
لا شکّ أنّ السعی بین الصفا والمروه واجبه ، وشرط حتم ،أی :رکن فی الحج ،وکذا فی العمره ، سوأ أکانت مفرده أم متمتعاً بها إلى الحج . ولفظه ( فلا جناح ) تعنی عدم البأس ، وهذا یعنی الترخیص فی الفعل فحسب ، دون اللزوم ، فما وجه هذا التعبیر الموهم خلاف المقصود؟ الجناح : الإثم ،و منها لا جناح علیک . وقد حاول و من ورائهم ، محاولات شتى فی حلّ هذا المشکل و توجیه هذا المعضل .
قال الإمام الرازی : ظاهر قوله تعالى : ( فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ ) أنّه لا إثم علیه ، والذی یصدق أنّه لا إثم فی فعله ، یدخل تحته ، ثُمّ یمتاز کُلّ واحد من هذه الثلاثه عن الآخر بقید زائد. فإذا ظاهر هذه الآیه لا یدلّ على أنّ السعی بین الصفا والمروه واجب ،أو لیس بواجب ، لأنّ اللفظ الدال على القدر المشترک بین الأقسام لا دلاله فیه البته على خصوصیه ، فلا بدّ فی فهم الخصوصیه من الرجوع إلى دلیل آخر..(۱) .
وأخرج الطبری ، بإسناده عن عروه بن الزبیر، قال : سألت عائشه : أرأیت قول الله : ( فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ بِهِمَا ..) ؟ والله ما على أحد جناح أن لا یطوف بالصفا والمروه ما قلت یا ابن أختی ،إنّ هذه الآیه لو کانت کما أوّلتها، کانت لا جناح علیه أن لا یطوف بهما… ،قالت : نزلت الآیه فی الأنصار، کانوا قبل أن یسلموا یهلّون لمناه … ،وکان من أهلّ لها یتحرّج أن یطوف بین الصفا والمروه .. فسألوا رسول الله ( صلى الله علیه وآله )عن ذلک ، فنزلت الآیه . قالت : و قد سنّ رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) الطواف بینهما، فلیس لأحد أن یترک الطواف بینهما..(۲) .
فقد أقرّت أنّ الآیه بذاتها لا تدلّ على الوجوب ، غیر أنّ عمل الرسول (صلى الله علیه و آله وسلم ) و سنته فی الالتزام ،کان دلیلا على وجوب الإتیان به .
وأخرج الترمذی بإسناده عن سفیان قال : سمعت الزهری یحدث عن عروه ، قال : قلت لعائشه : ما أرى على أحد لم یطف بین الصفا والمروه شیئاً، وما أبالی أن لا أطوف بینهما. فقالت : بئس ما قلت یا ابن أختی ، طاف رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) وطاف المسلمون وساق الحدیث إلى قولها :… ولو کانت کما تقول لکانت فلا جناح علیه أن لا یطوف بهما..
قال الزهری : فذکرت ذلک لأبی بکر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فأعجبه ذلک ، و قال : إنّ هذا لعلم ، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم یقولون : إنما کان من لا یطوف بین الصفا والمروه من العرب ، یقولون : إنّ طوافنا بین هذین الحجرین من أمر الجاهلیه ، وقال آخرون من الأنصار: إنّا أمرنا بالطواف بالبیت ولم نؤمر به بین الصفا والمروه ، فأنزل الله الآیه .. ، قال أبو بکر بن عبد الرحمن : فأراها نزلت فی هؤلاء وهؤلاء .. قال الترمذی : هذا حدیث حسن صحیح (۳) .
وأورد القرطبی الحدیث فی تفسیره ، ثُمّ قال : و أخرجه البخاری بمعناه ، وفیه : أنّ أبا بکر بن عبد الرحمن قال : إنّ هذا لعلم ،ما کنت سمعته .. (۴) .
ثُمّ نقل القرطبی تحقیقا لابن العربی حول تأویل عائشه لهذه الآیه ، قال : وتحقیق القول فیه أنّ قول القائل : لا جناح علیک أن تفعل ، إباحه الفعل ، و قوله :لا جناح علیک أن لا تفعل ، إباحه لترک الفعل ، فلما سمع عروه الآیه : ( فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ …) زعم أنّ ترک الطواف جائز، ثُمّ لما رأى الشریعه مطبقه على أن لا رخصه فی ترک الطواف رأى تعارضاً، فطلب الجمع بین هذین المتعارضین . فنبهته عائشه على أنّ الآیه لا تدلّ على جواز ترک الطواف ، و إنما کانت تدلّ على ذلک ،إذا کانت : ( فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ… ) ، فلم یأت هذا اللفظ لإباحه ترک الطواف ، ولا فیه دلیل علیه ، وإنّما جاء لإفاده إباحه الطواف لمن کان یتحرّج منه ..(۵) .
غیر أنّ جماعه من أهل الجمود فی النظر، صمدوا على إراده جواز الترک ، ومن ثُمّ نسبوا إلى بعض کبارأیضا أنهم قرأوا: ( فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ بِهِمَا). فقد أخرج بإسناده عن أبی عاصم ،قال : حدّثنا ابن جریج قال : قال عطاء : لو أنّ حاجّاً أفاض بعد ما رمى جمره العقبه ، فطاف بالبیت ولم یسع ،فأصاب امرأته ، لم یکن علیه شی ء، لا فی حجّ ولا فی عمره ، من أجل قول الله – کما فی مصحف ابن مسعود : ( فَمَنْ حَجَّ الْبَیْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ بِهِمَا ). قال : فعاودته بعد ذلک ، فقلت : أنّه قد ترک سنّه النبیّ ( صلى الله علیه وآله ) : قال : ألا تسمعه یقول : (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَیْرًا )، فأبى أن یجعل علیه شیئاً.. فقد أخذ التطوّع بمعنى التبرع .
وأیضاً أخرج عن سفیان عن عاصم الأحول قال : سمعت أنساً یقول : الطواف بینهما تطوّع .. أی تبرع و مندوب إلیه . وروى نحوه عن مجاهد، قال : لم یحرج من لم یطف بهما.. أی لم یأت إثماً،لأنّه غیر واجب . و روى عن عطاء عن عبد الله بن الزبیر، قال : هما تطوّع .. (۶) .
أی الطواف بینهما.. و ذکر القرطبی أنّه فی مصحف أبی کذلک ،أی : أن لا یطوف بهما.. کما نسب إلى ابن عباس أیضاً أنّه قرأ کذلک (۷) .
قال القرطبی : اختلف فی وجوب السعی بین الصفا والمروه ، فقال الشافعی وابن حنبل : هو رکن ، وهو المشهور من مذهب مالک … ،وقال أبو حنیفه وأصحابه والثوری والشعبی : لیس بواجب ، فإن ترکه أحد من الحاج حتى یرجع إلى بلاده ، جبره بالدم ، لأنّه سنّه من سنن الحج ، و هو قول مالک فی (العتبیه ) (کتاب فی مذهب الإمام مالک کتبه محمد بن أحمد العتبی القرطبی ).. (۸) .
وذکر البیضاوی فی التفسیر الإجماع على أنّه مشروع فی الحجّ والعمره ، وإنّما الخلاف فی وجوبه ، فعن احمد أنّه سنّه ، و به قال أنس وابن عباس ، لقوله تعالى : ( فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ…) فإنّه یفهم منه التخییر، قال : و هو ضعیف ، لأنّ نفی الجناح یدلّ على الجواز، الداخل فی معنى الوجوب ، فلا یدفعه ، و عن أبی حنیفه أنّه واجب ، یجبر بالدم ، و عن مالک والشافعی أنّه رکن .. (۹) .
وذکر ابن قدامه عن أحمد روایتین ، أحداهما: أنّه رکن لا یتم الحج إلاّ به .والثانیه : أنّه سنّه لا یجب بترکه دم ، ثُمّ رجح مذهب أبی حنیفه ، أنّه یجبر بدم ، قال : و قول عائشه فی ذلک بکونه رکناً معارض بقول من خالفها من الصحابه .. (۱۰) .
قال الرازی : احتجّ أبو حنیفه لعدم الرکنیه بوجهین ، أحدهما هذه الآیه 🙁 فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ … ) ، قال : و هذا لا یقال فی الواجبات ، و قد أکده تعالى بقوله : (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَیْرًا…) ،فبین أنّه تطوّع و لیس بواجب ، و ثانیهما قوله ( صلى الله علیه وآله ) : ( الحجّ عرفه ، و من أدرک عرفه فقد تمّ حجه …) ثُمّ أخذ فی الرد على الوجهین ، و دعم مذهب غیره (۱۱) .
قال الشیخ أبو جعفر الطوسی فی کتاب الخلاف : السعی بین الصفا والمروه رکن لا یتمّ الحج إلاّ به ،فإن ترکه أو ترک بعضه ولو خطوه واحده ، لم تحلّ له النساء ، حتى یأتی به .. قال : وعلى ذلک إجماع فقهاء الإمامیه ، و قد فعله النبیّ ( صلى الله علیه وآله ) وأمرنا بالاقتداء به : (خذوا عنی مناسککم )، وقال : (إنّ الله کتب علیکم السعی …) ،ومعناه : فرض .. (۱۲)
قلت : لا شکّ أنّ السعی بین الصفا والمروه رکن من أرکان الحج والعمره ،وعلى ذلک دلت الثار، وعلیه استمرّت سیره المسلمین المتلقاه من فعل رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم ) وآله الأطهار وصحابته الأخیار. أمّا الآیه الکریمه صدراً أو ذیلاً فلا صله لها بمسأله وجوب السعی أو ندبه أو إباحته ،و نحو ذلک من الأحکام التکلیفیه أو الوضعیه ، وإنّما هی : دفع لتوّهم الحظر على ما اصطلح علیه علم الأصول . وذلک أنّ الآیه نزلت فی عمره القضاء (۱۳) ، کان رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) قد شرط على المشرکین ضمن شروط عقد علیها صلح الحدیبیه سنّه ست من الهجره ، أنّه فی العام القابل یأتی هو و أصحابه لأداء العمره ، على أن یرفعوا الأصنام التی کان المشرکون وضعوها حول البیت ، وعلى جبلی الصفا والمروه لمدّه ثلاثه أیام ، لیقوم المسلمون بأداء مناسکهم خلالها.
وکان المشرکون قد وضعوا على جبل الصفا صنماً یقال له : أساف ، وعلى المروه : نائله ، کانوا إذا سعوا التمسوا أعتابهما… ثُمّ لما قدم النبیّ ( صلى الله علیه وآله ) وأصحابه لأداء العمره سنّه سبع من الهجره ، ورفع المشرکون أصنامهم من البیت والمسعى ، أحرم هو وأصحابه وطاف بالبیت و سعى ، تخلف بعض أصحابه بسبب تشاغلهم ببعض شؤونهم الخاصه ، فلم یتمکنوا من السعی خلال الأیام الثلاثه ، فأعاد المشرکون أصنامهم ، و من ثُمّ تحرّج هؤلاء المتخلفون عن أداء السعی ، ظنّاً منهم أنّ وجود الأصنام یتنافى وأداء عباده السعی لله خالصه .. ،فنزلت الآیه دفعاً لتوهم الحظر و رفعا لظنّ المنافاه … ، کما ورد فی الحدیث عن الإمام الصادق (علیه السلام ) ،فقد روى أبو النضر محمد بن مسعود العیاشی السمرقندی بإسناد رفعه إلى الإمام أبی عبد الله جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام )، سئل عن السعی بین الصفا والمروه ، فریضه هو أو سنّه ؟ فقال 🙁 فریضه فقیل له : ألیس یقول الله تعالى : ( فَلا جُنَاحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ بِهِمَا)؟ قال : کان ذلک فی عمره القضاء ، وذلک أنّ رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) کان شرط علیهم أن یرفعوا الأصنام ، فتشاغل بعض أصحابه حتى أعیدت ، فجأوا إلى النبیّ ( صلى الله علیه وآله ) یسألونه الحال …فنزلت الآیه .. (۱۴) أی لا حرج بذلک ، لأنّ السعی إنما یقع لله ، والأعمال بالنیات ، فلا منافاه بین وجود الأصنام ووقوع السعی لله عزّ و جلّ .. ، والصفا والمروه من شعائر الله ،لا یتلوثان بوضع الأصنام علیهما… و قوله تعالى : ( وَمَنْ تَطَوَّعَ خَیْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاکِرٌ عَلِیمٌ). یعنی : أنّ الله ینظر إلى قلوبکم و نیاتکم فی ضمائرکم ، فإن کان العمل الذی یقوم به العامل خیراً و کان قاصداً به الله ، فالله یشکره علیه ، وهو أعلم بما فی الصدور . (إِنْ یَعْلَمِ اللَّهُ فِی قُلُوبِکُمْ خَیْرًا یُؤْتِکُمْ خَیْرًا) (۱۵) .
(وَاللَّهُ یَعْلَمُ مَا فِی قُلُوبِکُمْ وَکَانَ اللَّهُ عَلِیمًا حَلِیمًا ) (۱۶) .
فمعنى تطوّع خیراً :القیام بالطاعه عن نیه صادقه لله تعالى ، وهذا المعنى لا یستدعی أن یکون العمل الذی یتطوع به العامل مندوبا إلیه فقط، بل الواجب أیضاً کذلک ، فهو من الخیر الذی ینبغی الأداء به عن تطوّع ، أی عن رغبه فی الخیر ، واستسلام لله عزّ وجلّ …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) التفسیر الکبیر ۴: ۱۵۹٫
(۲) تفسیر الطبری ۲: ۲۹٫
(۳) جامع الترمذی ۵: ، کتاب التفسیر ۴۸: ۲۰۸ ۲۰۹ / ۲۹۶۵٫
(۴) تفسیر القرطبی ۲: ۱۷۸٫
(۵) تفسیر القرطبی ۲: ۱۸۲٫
(۶) تفسیر الطبری ۲: ۳۰٫
(۷) القرطبی ۲: ۱۸۲٫
(۸) تفسیر القرطبی ۲: ۱۸۳٫
(۹) تفسیر البیضاوی ۱ : ۲۰۲ ، وهکذا قال محمد رشید رضا: روی عن أحمد أنّه مندوب (المنار ۲: ۴۵).
(۱۰) المغنی لأبن قدامه ۳: ۴۰۷ ۴۰۸٫
(۱۱) التفسیر الکبیر ۴: ۱۶۰٫
(۱۲) الخلاف ۱: ۴۴۹، م ۱۴۰ من کتاب الحج .
(۱۳) وسمیت عمره القضاء، لأنها وقعت شرطاً فی عقد الصلح الذی ابتداء بلفظ : هذا ما قاضى به …
(۱۴) تفسیر العیاشی ۱: ۷۰/۱۳۳٫ و راجع : التبیان للشیخ أبی جعفر الطوسی ۲:۴۴ ، ومجمع البیان للطبرسی ۱:۲۴۰ ، والمیزان للعلامه الطباطبائی ۱: ۳۹۱ ، والصافی للفیض الکاشانی ۱:۱۵۴ ، وکنز الدقائق للمشهدی ۱: ۳۸۴ ، وتفسیر أبی الفتوح الرازی ۱:۳۹۱٫
(۱۵) الأنفال ۸: ۷۰٫
(۱۶) الأحزاب ۳۳: ۵۱٫