بین الروایه والواقعیه…

0

من الأصول الفکریه لمعطیات الإیمان أن یکون للحوادث مبررات منطقیه وردود مثبته عقلیاً، قریبه من الواقع والتقبل الذهنی العام. لا أن تکون الحقائق مبهمه وحکراً لأهل النمط الرفیع بالعقل والتفکیر والأفق الواسع (وأعنی بهم المؤمنین العارفین)، سیما کون المسأله عقیده إلهیه تناشدُ بأسلوبها تعدیل منهجیه عموم المسلمین بلا استثناء بعیداً عن الریبه والشک کقضیه الإمام الحجه بن الحسن الغائب المنتظر (عج)، الذی یکتنف أمره الغموض وجانب عظیم من القدسیه فی نفس الوقت. فمداخلات وجوده ومبررات غیابه والأدله على ثبوتهما تعتبر موضوع جدل ونقاش أکثر باحثی ومتطلعی الأمه، لأنه یهدف بالبشریه المحدوده لیطال الجوهر الإنسانی والمآل الوجدانی، ویحرر الإنسان من الفتک بأخیه الإنسان ویقلب موازین الظلم والمظلمه إلى العدل والحریه والمساواه فکانت دراستنا بطریقه من طرق الاستفهام والإجابه علیها فکانت کما یلی:
 
السؤال الأول: کیف حصل بقاء الإمام المهدی علیه السلام إلى عمر یناهز ۱۱۷۰ عام وما الحکمه فی ذلک على ضوء العقل والمنطق؟
الجواب:
۱ ـ لا یوجد أی تضاد لهذا التفسیر عند المختصین فی المجالات العلمیه لا سیما الطبیه والمختبریه منها کما هو شائع ومعروف من قدره التقنیه والعلوم الحدیثه أن تبقی بعض خلایا جسم الإنسان ضمن زیادات مسموحه ترفل بالحیاه والنشاط، عندها یستخدمون نظام حمیه مشدده واتباع نظام خاص بعلم منافع الأعضاء وبرعایه قواعد الحفاظ على الصحه بترتیب تناول نظام غذائی معین. وقد أثبتت التجارب المختبریه ذلک. ومثل هذا التقدم هو حصیله العلوم المادیه، واستطاع العقل البشری القاصر البسیط التحکم فی محدودیه العمر. فکیف بالخالق البدیع الذی کان وراء الخلقه الآدمیه، ألا یکون باستطاعته أن یجعلها تعیش لأکثر من المدد المقرره لعلل وأغراض. بل یجعلها لوشاء مخلده بدون أدنى تأثیر على جوانبها الجسدیه والنفسیه وغیرها.
۲ ـ له نظائر بطول العمر ذکرهم القرآن الکریم والسنه المطهره والتأریخ أیضاً وأصحاب السیر قصصهم مشتهره ومعروفه بطول الأعمار، کالخضر وإلیاس علیهما السلام من أولیاء الله یعیشان حیین لحد الآن وعیسى علیه السلام فی السماء حیاً بعد رفعه إلیها ومن أعداء الله إبلیس اللعین والأعور الدجال وقد ثبت بقاء کل هؤلاء بالکتاب والسنه(۱).
ونوه التأریخ لغیرهم من الناس بمثل هذه الحالات الاستثنائیه، فعندما تقتضی المشیئه الإلهیه فیوجد سبحانه من یشاء لما یشاء.
۳ ـ قضیه إلهیه کلفه بها الجلیل على لسان رسوله محمد (صلى الله علیه وآله وسلم) والأوصیاء الأحد عشر من آبائه علیهما السلام، لتکمله نشر الدعوه الإسلامیه وتعمیمها لشعوب أهل الأرض فی الأزمات اللاحقه لأن بها کما یُعلم تنحسر شرائع الدین ویعم الظلم والجور والفوضى والفساد فی کل مرافق الأقطار والأمصار. فأستوجب الإبقاء على الإمام بعمر ممتد کعمره الشریف لیعید القیم والمفاهیم إلى نصابها الصحیح من القسط والعدل کما قال تعالى (وعد الله الذین أمنوا منکم وعملوا الصالحات لیستخلفنهم فی الأرض ولیمکنن لهم دینهم الذی أرتضى لهم ولیبدلنهم من بعد خوفهم أمناً یعبدوننی لا یشرکون بی شیئاً) قال الإمام الصادق علیه السلام هذه الآیه نزلت فی القائم وأصحابه(۲).
۴ ـ طول الفتره الزمنیه تکون کفیله بإکمال تربیه الأجیال بکل النواحی الفکریه والعقائدیه والسعی بها نحو التقدم والرقی والصلاح، لتتعاطف مع فکره الإمام الملحمیه اللاحقه، وتستوعب معطیاته المبدئیه عند ظهوره، لأن من جرائها یتکون منهم اکبر عدد ممکن من الأنصار والمؤیدین المخلصین.
 
السؤال الثانی: تقولون إن غیاب المهدی حصل نتیجه الخوف علیه من القتل فلماذا لم یمنع عنه الله تعالى ذلک بدل الغیبه والاختفاء سیما وانه مکلف من قبله سبحانه؟.
الجواب:
فعلاً حصل ذلک ومنع عنه القتل سبحانه لمرات عدیده، إذ حفظه فی بطن أمه ولم یبن لها حمل وعند ولادته أعمى عنه عیون السلطه العباسیه وجعل وقت ولادته بعد منتصف اللیل فی وقت السحر زیاده فی احتیاطات الأمان وبعدها أمره بالاستتار عن عامه الناس. ویستطیع جل وعلا أن یمنع عنه ذلک، بل ویجعل سیوف وقلوب العالمین وجمیع میول مشاعر الناس وتعاطفهم معه وطوع أمره فأین المصلحه الاعتباریه وجریان الأمور بالمسببات؟ فتلک مفسده واضحه لا یحسن أن تصدر منه سبحانه لأنها تنافی العلل والأغراض المبدئیه فی الأرض ومع ذلک لو علم العلی الخبیر تحقق المصلحتین العامه والخاصه جراء إظهار المعجزه لما تأخر إطلاقا أن یمنع عنه القتل بمشیئته لأجل تحقق الهدف المراد.
 
السؤال الثالث: إذا کان سبب الخوف علیه من الأعداء ظهوره علناً فی المجتمع، فلماذا لم یظهر لعموم شیعته فقط سراً لتکون المنفعه منه أعم؟.
الجواب:
یظهر أن غیاب الإمام علیه السلام بهذا الشکل عن عامه الناس وعن أکثر الأولیاء والمقربین یکون مستحسنا قطعاً، لأنه تحسب لمنع إفشاء سر الغیاب، ولو حصل لهذه الفئه أو لتلک الالتقاء به سراً، لکان احتمال إشاعه نبأ الاجتماع به کبیراً بسبب التحدث فیما بین الأفراد عنه غبطهً وسروراً، فلا یجوز عندئذٍ ضمان عدم تسرب الوشایه به إلى الأعداء. بالإضافه إلى أن الإمام استعمل تلک التقیه لیس فقط للخوف على نفسه بل وعلى شیعته أیضاً، إذ لو ظهر إلیهم وشوهد من بعض أعدائه أو علم به أحدهم لطولب أولیائه به، فأن فاتهم طلبته لتعرضت شیعته وموالیه لأفدح المکاره والأضرار بسببه وهذا ما لا یرضاه رئیس لأتباعه. وما الأخبار التی تحرم ذکر اسمه والمکان الذی یقطنه على الشیعه إلا من هذا القبیل.
 
السؤال الرابع: هل صحیح أن الإمام یظهر لبعض الناس؟ ولماذا یترک المعاینه للباقین وهو إمامهم؟
الجواب:
لقد حال الأعداء بین الإمام وبین ظهوره لعامه المسلمین، وحرموا الأمه من فیض علمه ومعرفته وحسن تدبیره لشؤونهم ومباشرته لأعمالهم، فبالرغم من أنه نأى بشخصه عن الأنظار فلن ینقطع منه المدد والفائده، فقد قیل فی الحدیث الشریف منفعته المستحصله فی غیبته کمنفعه دخول ضوء الشمس لأهل الأرض عندما یغیبها السحاب(۳). کما نص علیه خبر المعصومین علیهم السلام.
ونحن لا نقطع أنه علیه السلام لا یظهر لجمیع أولیائه، لأن أحدنا لا یعلم إلا حال نفسه، فیحتمل منه ذلک لأغلب المخلصین.
نعم کل فرد من حقه أن یعاین الإمام المهدی لأنه إمام کل الأمه ویطلب منه النصح ویستمد منه المعونه. إلا أن المعاینه تلک ترتضخ لضوابط وموازین تطبیق المنهجیه الإلهیه، لیکون المسلم من الناحیتین الدینیه والأخلاقیه ناجحاً بصفاتهما الکمالیه، وحتمیه المداومه علیهما. فقط عندئذٍ یکون العاملون على طریق الاستقامه والاستحقاق للتوجیه والتبرک بالمشاهده والالتقاء وإن لم یحصل التعارف فی کثیر من الأحیان، فهی مستویات متفاوته تخضع لموازین الورع والتقوى وقبول الأعمال والطاعات.
والباقون إذا حصل منهم التقرب استحقوا مثل ذلک بارتفاع الممنوعیه عنهم.
إذن فمانع التعرف على الإمام والتشرف بلقاءه، انما هو نحن، وحواجز المظلمه، وأمراض النفوس والتقصیر والانحراف، إزاء کل الفروض والوظائف والمستحبات التی یجب القیام بها. ویدعم مقولتنا هذه حدیث الإمام الشریف الذی ورد من ناحیته المقدسه بإملائه وخط أحد ثقاته إلى الشیخ المفید (قدس) قال فیه (ولو ان أشیاعنا وفقهم الله لطاعته على الاجتماع من القلوب فی الوفاء بالعهد علیهم لما تأخر عنهم الیمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعاده بمشاهدتنا على حق المعرفه، وصدقها منهم بنا، فما یحبسنا عنهم إلا ما یتصل بنا مما نکرهه ولا نؤثره منهم والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوکیل وصلاته على سیدنا البشیر النذیر محمد وآله الطاهرین وسلم)(۴).
 
السؤال الخامس: هل الروایه وحدها کافیه لاثبات وجود الإمام المهدی علیه السلام؟
الجواب:
تواتر الأخبار وتظافرها من العامه والخاصه وتنوع جهاتها وتباین طرقها مع وحده السند فی کثیر من الأحیان، وتباعد فترات رواتها الذین عاشوا خلال الحقب والعصور المتعاقبه من زمن دعوه النبی صلى الله علیه وآله) لها ولحد هذه اللحظه. کانت من الکثره ما لا یمکن معها الارتیاب
والشک.
وأحصی أکثر من سته آلاف حدیث جاءت فقط عن أئمه الهدى علیهم السلام فقط ورد فیها ونحوه أن الإمام الحجه بن الحسن هو المهدی والثانی عشر من ذریه فاطمه بنت رسول الله صلى الله علیه وآله وعلی بن أبی طالب وهو التاسع من صلب الحسین بن علی علیه السلام، سوف یغیب ویظهر وإلى آخره من هذه البینات رغم تحفظهم علیه فی حینه (کما نوهنا). وقد ورد فقط عن طریق أهل السنه والجماعه أربعمائه حدیث، وأن معتمدهم البخاری کان معاصراً للإمام الجواد علــــیه السلام والإمامین الهـــادی والعســـکری علیهما السلام، ودّون ما ذکروه فی صحاحه. فقـــال عن رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) أن المهدی حق وهو من ولد فاطمه(۵). وأخرج أحادیث کثیره مثل هذا ونحوه فی کتابه فصل الخطاب.
إذن أصبح معلوماً بأننا کما نستدل على کثیر من القضایا التشریعیه والأحکام المهمه التی ترد عن طریق الأخبار المأثوره کتفاصیل الصلاه والصیام والحج والزکاه، فکذلک نستدل منها أیضاً على صحه ما جاء بخصوص الإمام المهدی علیه السلام بنفس الطریقه والکیفیه.
 
السؤال السادس: ألا یحتمل أن المهدی یولد فی آخر الزمان وتکون شخصیته من موالید آخر الزمان؟
الجواب:
هذا مستحیل لأن الله تبارک وتعالى لم یخل الأرض منذ خلق آدم (علیه السلام) لن یخیلها إلى أن تقوم الساعه من حجه لله على خلقه، به یدفع البـــلاء عن أهل الأرض وبــــه ینزل الغیث وبـــه یخرج برکات الأرض وبه ….وبه(۶).
وقال الإمام أبو عبد الله علیه السلام لو بقیت الأرض بغیر إمام لساخت(۷). راجع مضمون النصوص بهذا المعنى. فهی بالعشرات عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ومن الفریقین السنه والشیعه. فهو خلیفه لله تعالى فی أرضه على خلقه یهدیهم ویعلمهم ویرشدهم لئلا تبطل حججه وبیناته علیهم، لأنها لا تقوم إلا بإمام من عنده سبحانه موجود بکل الأوقات یعرفهم الحق من الباطل.
أنظر أبن حجر الهیثمی من علماء أهل السنه فقد أشار فی صواعقه المحرقه عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) إلى وجود ذلک المضمون فی أهل بیته، وإنهم أمان لأهل الأرض کما کان هو (صلى الله علیه وآله وسلم) أماناً لهم(۸).
 
السؤال السابع: ما هی المصلحه العامه من الغیبه، وما عله وقوعها؟
الجواب:
إذا آمنا أن تدبیر الله جلت قدرته محض خیر ولطف محض وإن لجمیع أفعاله فی البشر مصلحه خالصه لبنی الإنسان ولا یصدر منه سبحانه إلا ما هو صواب، علمنا أن صاحب الأمر (علیه السلام) لم یختف إلا لمتطلبات ظاهرها وباطنها حکمه باهره بالغه فی الأهمیه والخطوره، فیها عموم الفائده والمنفعه وإن کانت حقیقه وجه الغیبه غیر ماثله لنا ولم نعلم عنها إلا فی حدود بعض الظواهر.
وأفضل ما نختم به مقالتنا هذه، سنسرد حدیث للحجه المهدی (عج) یفی بغرض عله وقوع الغیبه، عندما ورد من ناحیته المقدسه توقیعا موجهاً إلى إسحاق بن یعقوب قال فیه (علیه السلام): وأما عله ما وقع من الغیبه فأن الله عز وجل یقول ( یا أیها الذین آمنوا لا تسألوا عن أشیاء إن تبد لکم تسؤکم) إنه لم یکن أحد من آبائی إلا وقعت فی عنقه بیعه لطاغیه زمانه وإنی أخرج حین اخرج ولا بیعه لأحد من الطواغیت فی عنقی..، وأما وجه الانتفاع بی فی غیبتی فکلاتنفاع بالشمس إذا غیبها عن الأبصار السحاب، وأنی لأمان لأهل الأرض کما أن النجوم أمان لأهل السماء فأغلقوا أبواب السؤال عما لا یعنیکم ولا تتکلفوا على ما قد کفیتم واکثروا الدعاء بتعجیل الفرج فأن ذلک فرجکم والسلام علیک یا إسحاق بن یعقوب وعلى من أتبع الهدى(۹).
__________________________________
۱ ـ البیان (للحافظ محمد بن یوسف الکنجی الشافعی) ص۱۰۲ .
۲ ـ المجالس السنیه، ص۴۵۳٫
۳ ـ اعلام الورى، ص۴۵۲٫
۴ ـ الاحتجاج ج۲، ص۳۲۴٫
۵ ـ التأریخ الکبیر ج۲، ص۳۱۴٫
۶ ـ منتخب الأثر ص۲۲۸٫
۷ ـ أصول الکافی ص۱۷۹ وفی علل الشرائع ص۱۹۶ بنفس السند.
۸ ـ الصواعق المحرقه ص۲۳۳ وص۲۳۴٫
۹ ـ أعلام الورى ص۴۵۲٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.