المهدی المنتظر (عجّل الله تعالى فَرَجه)
وهذا هو مقتضی فکره العدل الإلهی الذی نعتبره من أصول دیننا الأساسیه. وقد مارست الإنسانیه عبر الزمن الطویل التجربه النفسیه لهذا الشعور عبر کافه الأفکار والأدیان ، فکل البشر عبر التاریخ اعتقدوا بقدوم (المخلّص) . أو (المنقذ) الذی یحرّرهم من العبودیه والظلم ویحقق العداله فی جمیع جوانب الحیاه من خلال قیام دوله عادله فی یوم موعود من الله .
وإذا کانت فکره المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) أقدم من الإسلام وأوسع منه ، فإن الإسلام قد حدّد معالمها التفصیلیه وحوَّل الفکره من غیبٍ إلى واقع ، ومن التطلع والأمل بوجود المنقذ إلى الإیمان به فعلاً، کواقعٍ موجود یعیش بیننا ویشارکنا أحزاننا وأفراحنا، وینتظر بلهفه اللحظه التی یتاح له فیها أن یمدّ یده إلى کل مظلوم ومحروم وبائس، ویقطع دابر الظالمین.
وتجمع الفرق والمذاهب الإسلامیه على حتمیه انتصار قوى الحق والعداله فی صراعها مع قوى الباطل والظلم فی نهایه المطاف، وتؤمن بغدٍ یشع فیه نور الإسلام وتسود فیه القیم الإنسانیه ویتحقق ظهور المجتمع الأمثل. ویجمع المسلمون على أنّ هذه الآمال الإنسانیه الکبیره ستتحقق على ید شخصیه مقدسه هی شخصیه الإمام المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه).
الاعتقاد بالمهدی والإصلاح العالمی فی القرآن والکتب السماویه:
یسرد القرآن وقائع التاریخ البشری منذ بدایه الخلیفه ، على أنها صراعٌ مستمر بین قوى الحق وقوى الباطل، بین مجموعه من أمثال إبراهیم وموسى و عیسى و محمّد (علیهم وعلى نبینا أفضل الصلاه والسلام) وأتباعهم المؤمنین ، ومجموعه أُخرى من أمثال نمرود وفرعون وجبابره الیهود وأبی سفیان وأمثالهم (لعنه الله علیهم) . فلکل فرعونٍ موسى …
وفی خضم هذا الصراع المستمر ینتصر الحق حیناً والباطل حیناً آخر. والمهم ها هنا أن القرآن یؤکد على العوامل الأخلاقیه فی مسیره التاریخ من خلال السنن الإلهیه فی التغییر، فحرکه التاریخ لها ضوابطها وموازینها وقواعدها، وإراده الإنسان تلعب دوراً أساسیاً فی تعیین مسار حرکه التاریخ.
قال تعالى: ( فَهَلْ یَنظُرُونَ إِلّا سُنّتَ الْأَوّلِینَ فَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَبْدِیلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِیلاً ) فاطر / ۴۳٫
وقال تعالى أیضاً: ( إِنّ اللّهَ لاَ یُغَیّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى یُغَیّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الرعد / ۱۱ .
وقد وعد القرآن الکریم الأمه بیوم یستلم فیه رجال الحق أزمّه القیاده فی الأرض ویعمّ دین الإسلام الأرض.
وهذه الآیات تستند إلیها الروایات فی مسأله ظهور الإمام المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) على أنه تجسید لآمال المؤمنین العاملین ومظهر لحتمیه انتصارهم: ( وَلَقَدْ کَتَبْنَا فِی الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّکْرِ أَنّ الْأَرْضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ الصّالِحُونَ ) الأنبیاء / ۱۰۵٫
( وَعَدَ اللّهُ الّذِینَ آمَنُوا مِنکُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَیُمَکّنَنّ لَهُمْ دِینَهُمُ الّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدّلَنّهُم مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً یَعْبُدُونَنِی لاَ یُشْرِکُونَ بِی شَیْئاً ) النور / ۵۵٫
هکذا یتوضح من هذه الآیات أنَّ العالم سیصل حتماً إلى الیوم الذی تستلم فیه القیاده الرشیده اللائقه أزمه الأُمور فیه فیکون أولیاء الله قاده الأرض ویعلو الإسلام على سائر العقائد والآیات.
المهدی فی مصادر أهل السنه:
روى علماء أهل السنه فی هذا المجال روایات کثیره من طریق رواه یوثقونهم عن النبی الأکرم (صلّى الله علیه وآله وسلّم )وتؤکد هذه الروایات على أنّ الأئمه إثنا عشر إماماً وأنهم کلهم من قریش وأن المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) من أهل بیته (صلّى الله علیه وآله وسلم) ومن أبناء علی وفاطمه (علیهما السلام). وقد صرَّح الکثیر منها أنه من نسل الإمام الحسین (علیه السلام) وقد رووا فی هذا المجال المئات من الأحادیث والتی جاءت فی أکثر من سبعین مصدراً معتبراً کمسند أحمد بن حنبل ، صحیح البخاری، صحیح مسلم، سنن أبی داود، صحیح الترمذی، وهؤلاء کلهم توفوا إمَّا قبل ولاده الإمام المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) ـ سنه ۲۵۵ هـ ـ أو بعد ولادته بقلیل .
وثمه مصادر أُخرى مثل کتب مصابیح السّنه للبغوی ، جامع الأُصول لابن الأثیر، الفتوحات المکیه لابن عربی، تذکره الخواص لابن الجوزی، فرائد السمطین للحموی، الصواعق لابن حجر الهیثمی وینابیع الموده للشیخ سلیمان القندوزی.
وقد ألف عدد من علماء السنه کتباً مستقله حول الإمام المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) ومنها:
۱- (البیان فی أخبار صاحب الزمان) للعلامه الکنجی الشافعی.
۲- (عقد الدرر فی أخبار الإمام المنتظر) للشیخ جمال الدین یوسف الدمشقی.
۳- (مهدی آل الرسول) لعلی بن سلطان محمّد الهروی الحنفی.
۴- (کتاب المهدی) تألیف أبی داود.
۵- (علامات المهدی) جلال الدین السیوطی.
۶- (مناقب المهدی) الحافظ أبونعیم الأصفهانی.
۷- (القول المختصر فی علامات المهدی المنتظر) لابن حجر.
۸- (البرهان فی علامات مهدی آخر الزمان) للملا علی المتقی.
۹- (أربعون حدیثاً فی المهدی) لأبی العلاء الهمدانی وغیرها.
المهدی فی مصادر الشیعه الإمامیه:
هناک أکثر من ثلاثه آلاف حدیث عن النبی (صلّى الله علیه وآله وسلم) والأئمه الأطهار(علیهم السلام) حول الإمام المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) ،
ویستفاد منها أنَّ الإمام المهدی هو التاسع من ولد الحسین (علیه السلام) وأنَّ أباه هو الإمام الحسن العسکری (علیه السلام) وأنَّ أمه هی (نرجس خاتون) واسمه اسم نبی آخر الزمان (صلى الله علیه وآله وسلم) وکنیته کنیته ولقبه المهدی وأنه ولد فی حیاه أبیه فی مدینه سامراء ، وفقد أباه فی طفولته وهو حی إلى الیوم وسیبقى إلى ما شاء الله وأنه سیظهر فی یوم من الأیام ویملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً وأنه غائب عن الناس لحکمه فی ذلک. وأنَّه ما أن یظهر بطلعته المبارکه حتى یتکئ على جدار الکعبه ویعلن ذلک ویدعو أتباعه وعددهم (۳۱۳) شخصاً وهم عده أهل بدر فیلبون نداءه ویحیطون به وینزل روح الله عیسى من السماء ویصلی جماعه خلفه وأنه سینشر أحکام الإسلام فی أرجاء العالم وتصیر الأرض کالفردوس.
والروایات الوارده فی هذا المجال قد تجاوزت حد التواتر بلا شک وأنَّه یقلّ ورود مثل هذا العدد من الروایات فی موضوع إسلامی آخر ، وعلى هذا فیجب على کل مؤمنٍ بالإسلام والنبی الأکرم أن یؤمن إیماناً راسخاً بوجود المهدی الموعود الذی یعیش الآن بین الناس ، بالرغم من أنه غائب عن أبصارهم.
طول عمر الإمام (عجّل الله تعالى فَرَجه):
إنَّ طول عمر الإنسان لیس من الأُمور المستحیله وذلک لأنَّنا نقرأ فی القرآن الکریم أنَّ نوحاً (علیه السلام) قد عمَّر طویلاً ولبث فی قومه ۹۵۰ سنه یدعوهم إلى الإیمان بالله.
وکذلک فالقرآن یخبرنا بأنَّ عیسى (علیه السلام) لم یمت فهو لا یزال حیّاً إلى الآن. وعلى أساس من التحقیقات العلمیه، فقد ثبت إمکان أن یعمر الإنسان طویلاً.
ویقول الأستاذ (دیمندوبرل) من أساتذه جامعه جونس هبکنس : ( إن کل الأجزاء الخلویه الرئیسیه من جسم الإنسان قد ثبت أن خلودها بالقوه صار أمراً مثبتاً بالامتحان أو مرجحاً ترجیحاً تامّاً لطول ما عاشه حتى الآن ).
وإذا کنا نستسیغ ذلک الوضع الفرید تاریخیاً على الرغم من أنه لا یوجد وضع مناظر له فی تاریخ الإنسان فلماذا لا نستسیغ ذلک العمر الذی لا نجد عمراً مناظراً له فی حیاتنا المألوفه.
غیبه الإمام المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه):
لسنا هنا فی وارد ذکر تفاصیل الغیبتین الصغرى والکبرى وحیثیاتهما، وإن کانت الغیبه الصغرى تعد دلیلاً علمیاً موضوعیاً عند من یعتقد بولاده الإمام (عجّل الله تعالى فَرَجه) ووجوده وتحدید شخصیته. أمّا لماذا کانت الغیبه الکبرى وما ضرورتها مع علمنا بأن الله تعالى لا تخلو له من حجه على الناس فی الأرض لأسباب عدیده:
منها رفع الاختلاف بین الناس ، تفسیر وتوضیح القوانین الإلهیه والهدایه المعنویه والباطنیه وغیر ذلک. والسؤال ها هنا أنَّه لو لم تکن هناک موانع فإن علیه أن یظهر للناس لکی یستفیدوا منه، وإذا کان الأمر کذلک فلماذا کان غائباً منذ بدء حیاته؟ والجواب أنَّ الاعتقاد بحکمه الله تعالى یجعل من غیر اللازم أساساً أن نعرف فلسفه الغیبه بعد أن تبتت ثبوتاً قاطعاً لا شک فیه عن طریق الروایات الصحیحه والبراهین القویه، لکن هناک بعض المصالح التی استدعت عن أن یبقى وراء ستار الغیبه ویبدو من بعض الروایات أن السبب الأصلی للغیبه سیعرف بعد ظهوره (عجّل الله تعالى فَرَجه)، وتقول الروایه الشریفه: (( أنَّ لصاحب هذا الأمر غیبه لابد منها یرتاب فیها کل مبطل فقلت له: ولم جعلت فداک؟ قال: لأمرٍ لم یؤذن لنا فی کشفه لکم، قلت: فما وجه الحکمه فی غیبته، قال: وجه الحکمه فی غیبته وجه الحکمه فی غیاب من تقدّم من حجج الله تعالى ذکره، إنَّ وجه الحکمه فی ذلک لا ینکشف إلا بعد ظهوره کما لم ینکشف وجه الحکمه فیما أتاه الخضر (علیه السلام) لموسى (علیه السلام) إلاّ بعد افتراقهما، یا بن الفضل إن هذا الأمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله وغیب من غیب الله ومتى علمنا أن الله (عزَّ وجلَّ) حکیم صدَّقنا بأنَّ أفعاله کلها حکمه وإن کان وجهها غیر منکشف )) (۱).
وبالرغم من ذلک نستطیع أن نتبین للغیبه بعض الفوائد التی قد تکون بعض الأخبار قد أشارت إلیها.
۱- امتحان الأمه:
إنَّ إحدى فوائد غیبه صاحب الزمان هی امتحان الناس لیظهروا على واقعهم فتنکشف الفئه التی استبطنت السوء وعدم الإیمان ویمحص الله الناس وتفوز الفئه التی تمکن الإیمان من أعماق قلوبها وراح یزداد ویتعمق بانتظارها للفرج وصبرها فی الشدائد واعتقادها بالغیب فیرتفع قدرها وتحصل على درجات عالیه من الثواب.
یقول الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام): (( إذا فقد الخامس من ولد السابع من الأئمه فالله فی أدیانکم لا یزیلنَّکم عنها أحد، یا بنی إنَّه لابد لصاحب هذا الأمر من غیبه حتى یرجع عن هذا الأمر من کان یقول به إنما هی محنه من الله امتحن الله بها خلقه )) (۲).
۲- حفظه (عجّل الله تعالى فَرَجه) من القتل:
إن ملاحظه تاریخ الأئمه (علیهم السلام) والجور الذی تعرضوا له من قبل بنی أمیه وبنی العباس ترشدنا إلى أنَّ الإمام الثانی عشر (عجّل الله تعالى فَرَجه) لو کان ظاهراً فإنه سیقتل لا محاله کما قتل آباؤه من قبل جمیعاً إمَّا بالسیف وإمَّا بالسم ، وذلک لأن السلطه الجائره آنذاک کان قد انتهى إلى سمعها أنَّه سیظهر شخص من أهل بیت النبی (صلّى الله علیه وآله وسلم) ومن ولد علی وفاطمه (علیهما السلام) یحطم عروش الظالمین المستبدین وأنه ابن الإمام العسکری (علیه السلام) لذا فإن العباسیین لم یدخروا وسعاً فی تقصی أخبار هذا الإمام ولکن الله تعالى سلّمه من کیدهم وخیب آمالهم . وفی روایه ینقل زراره عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنَّه قال: (( إنَّ للقائم غیبه قبل ظهوره قلت : لم ؟ قال: یخاف القتل )) (3) .
۳- لئلا تکون فی عنقه بیعه لأحد:
تؤکد بعض الروایات أن غیبته (عجّل الله تعالى فَرَجه) حفظته من بیعه الظالمین والحکام الغاصبین وأنه سیظهر ولیس لأحد بیعه فی عنقه فیظهر الحق ویقرّ حکم الله فی الأرض . عن الإمام الصادق (علیه السلام): (( یقوم القائم ولیس لأحد فی عنقه بیعه )) (۴) .
فوائد وجود الإمام الغائب (عجّل الله تعالى فَرَجه):
لا تنحصر فوائد وجود الإمام بالإرشادات والهدایه الظاهریه بل هناک فوائد أُُخرى من حیث التکوین والتشریع تترتب على وجوده وإن کان غائباً عن الناس . وأهم فوائد وجوده طبقاً للأدله التی أقامها العلماء ووفقاً للأحادیث الکثیره الوارده فی مجال الإمامه ، کونه الرابطه بین العالم والخالق، هذه الرابطه التی تنقطع بعدم وجود الإمام طبقاً للحدیث الشهیر: (( لو بقیت الأرض بغیر إمام لساخت ))(۵). فالإمام هو قلب عالم الوجود وقائد البشریه ومربیها.
وقد سئل الإمام الصادق (علیه السلام) عن کیفیه استفاده الناس من الإمام الغائب (عجّل الله تعالى فَرَجه) فقال: (( بأنهم ینتفعون منه کما ینتفعون بالشمس إذا سترها سحاب )) (۶) .
فائده الغیبه الطویله:
فی نهایه المطاف ثمه سؤال یُسأل: ما هی فائده هذه الغیبه الطویله وما المبرر لها؟
وها هنا لا نحاول أن نعطی دلیلاً نقلیاً من الروایات التی تواترت عن طرق أهل السنه والشیعه حتى أحصی فی مجموع الأخبار الوارده فی هذا الشأن أکثر من سته آلاف روایه ، وهذا رقم إحصائی کبیر لا یتوفر نظیره فی کثیر من قضایا الإسلام البدیهیه التی لا یشک فیها مسلم عاده. وإنما نحاول أن نوضح الظروف الموضوعیه التی یجب توافرها طبقاً للسنه الإلهیه العظیمه : ( إِنّ اللّهَ لاَ یُغَیّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى یُغَیّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) لأجل إعداد شخصیه الإمام الموعود والتمهید لظهوره (عجّل الله تعالى فَرَجه) وکما نعلم فإن عملیه التغییر العالمیه التی سیکلف الله بها صاحب الزمان تتطلب وضعاً نفسیاً فریداً فی هذا القائد، ومضمون هذا الوضع النفسی، الشعور بالتفوق والإحساس بضآله الکیانات الشامخه الظالمه. کما أن رساله الیوم الموعود هی عباره عن تغییر عالم ملیء بالظلم والجور، فمن الطبیعی إذاً التفتیش عن شخص یکون فی شعوره النفسی أکبر من ذلک العالم کله. وهذا کله لا یتحقق إلا بالغیبه والعمر الطویلین حیث یستطیع هذا القائد أن یشهد الحضارات وهی فی أول نشوئها ویشهد زوالها بعد عشرات السنین فلا یرهب أی قوه مهما کانت عظیمه ویرى فیها نقاط القوه والضعف من خلال التجربه التاریخیه والاجتماعیه التی یکتسبها الإمام الحجه (عجّل الله تعالى فَرَجه).
أضف إلى ذلک أن عملیه بناء شخصیه الإمام صاحب العصر (عجّل الله تعالى فَرَجه) تتطلب أن یکون قریباً فی شخصیته من منابع الإسلام الأُولى فلا یتأثر بحضاره أُخرى أو یحمل رواسبها وهذا ما حتّم ولادته منذ أکثر من ألف عام.
وإذا نظرنا فی کتاب الله المجید نرى أعظم الأمثله التی ضربها الله سبحانه وتعالى لنا فی هذا الشأن. فهل قرأت سوره الکهف وماذا صنع الله تعالى بأهل الکهف وهم فتیه آمنوا بربهم وزادهم هدى ، بعد أن کبر علیهم طغیان الباطل وامتداده لقد أنامهم ثلاثمائه وتسع سنین فی ذلک الکهف ثم بعثهم من نومهم ودفع بهم إلى مسرح الحیاه بعد أن کان ذلک الکیان الذی قهرهم بقوته وظلمه قد تداعى وسقط وأصبح تاریخاً بائداً لا یرعب أحداً. کل ذلک لکی یشهد هؤلاء الفتیه، مصرع ذلک الباطل ویرون نهایته بأعینهم وهذا هو فائده طول الغیبه حیث سیتاح للقائد المنتظر أن یشهد العملاق وهو قزم والشجره الباسقه وهی بذره والإعصار هو مجرد نسمه ویشهد نهایتهم جمیعاً.
الانتظار والأمل:
قضیه الإمام المهدی ، صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فَرَجه) ، هی قصه الأمل بانتصار الحق على الباطل، والتطلع لقیام دوله الحق والعدل على ید الحجه القائم (عجّل الله تعالى فَرَجه) وأنصاره الأبرار الأخیار. لکن ثمه خلاف فی مسأله انتظار ظهور الإمام یجعلنا نعتبر أن هناک نوعین من الانتظار:
أ ـ الانتظار الهدَّام: یتصور بعض المؤمنین بظهور المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) أن نهضته هی عباره عن طفره مفاجئه فی تاریخ المجتمع البشری دون أی حاله تطوریه تسبقها على صعید المسلمین ووضعهم الفکری والجهادی. وهؤلاء یعتقدون أن مسیره البشر تتجه نحو الفساد وانعدام العدل حتى إذا استفحل أمر الباطل امتدت به ید الغیب لإنقاذ الحقیقه ، ولیس لإنقاذ أنصار الحقیقه، إذ لن یبقى للحقیقه أنصار آنذاک.
وهذا التصور یجرنا إلى مذهب الذرائع الذی یقول بأن الغایه تبرر الوسیله. وأصحاب هذا التصور ینظرون إلى الذنوب وأصحاب المعاصی نظره تفاؤل واستبشار ویعتبرونها عاملاً مساعداً على ظهور المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) ، وینظرون إلى المصلحین الآمرین بالمعروف والناهین عن المنکر نظره ارتیاب لأنهم یعملون على تأخیر ظهور المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه)!.
هذا اللون من الفهم لمسأله ظهور المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه)، وهذا النوع من الانتظار للفرج لا یرتبط على الإطلاق بالموازین الإسلامیه والقرآنیه إذ أنه یؤدی إلى التعمّد فی تعطیل الحدود والأحکام الإسلامیه وإلى نشر الإباحیه.
ب ـ الانتظار البنَّاء: تتجه الآیات القرآنیه التی تشکل أرضیه التفکیر حول ظهور الإمام الحجه (عجّل الله تعالى فَرَجه) والتی ذکرناها آنفاً فی هذا الموضوع إلى جهه معاکسه للنظره السابقه ، فهی تعتبر أن ظهور المهدی هو آخر حلقات النضال بین أهل الحق وأهل الباطل ، فظهور الإمام المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) تجسید لآمال المؤمنین العاملین ومظهر لحتمیه انتصار فریق المجاهدین ، وهو تحقیق لمنه الله على المستضعفین ووسیله لاستخلافهم فی الأرض ووراثتهم ، وهو وعد من الله للمؤمنین الصالحین المتقین فی الکتب السماویه المقدسه.
وثمه حدیث معروف فی هذا المجال یذکر أن المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه): (( یملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاًً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً )) ,
وهذا الحدیث شاهد على ما ذهبنا إلیه فی مسأله الظهور لا على إدعاء أرباب الانتظار السلبی.
وتتحدث الروایات أیضاً عن سلسله من النهضات یقوم بها أنصار الحق قبل ظهور المهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) منها نهضه الیمانی ، کما تتحدث عن قیام دول لأهل الحق وکل هذه النهضات أو الدول لا یمکن أن تظهر دون أرضیه مسبقه.
وهکذا نلخص أن ظهور الإمام المهدی المنتظر (عجّل الله تعالى فَرَجه) لیس أمراً فجائیاً دون مقدمات وجهاد ، بل آخر حلقه من حلقات الصراع الطویل بین أنصار الحق وأنصار الباطل منذ بدء الخلق .
فالمهدی (عجّل الله تعالى فَرَجه) باختصار, تجسید لأهداف الأنبیاء والصالحین والمجاهدین على طریق الحق: (وَلَیَنصُرَنّ اللّهُ مَن یَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِیٌ عَزِیزٌ) صدق الله العلی العظیم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) إثبات الهداه / ج۶ / ص ۴۳۸٫
(۲) بحار الأنوار / م ۵۲ / ص۱۱۳٫
(۳) منتخب الأثر / ص ۲۶۹٫
(۴) إثبات الهداه / ج۶ / ص ۴۳۶٫
(۵) أصول الکافی / ج۱ / ص ۱۷۸٫
(۶) منتخب الأثر / ص۲۷۱٫