من الذنوب الکبیره الیأس

0

أنواع الیأس
من الذنوب الکبیره الیأس من روح الله تعالى، وهو ُیتصور على نحوین:
الأوّل: الیأس الأُخروی:
بمعنى أن ییأس الإنسان من رحمه الله وغفرانه، قال تعالى: ﴿قُلْ یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَهِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ﴾(الزمر:۵۳).
إذا طالعنا الحاله النفسیه عند الکثیر من المجرمین والعاصین بعد ارتکابهم للذنب الکبیر، نرى أن حاله من الألم والندم تصیبهم بحیث لا یتصورون بقاء طریق العوده مفتوحاً أمامهم، ویعتبرون أنفسهم ملوثین بشکل لا یمکن تطهیره، ویتساءلون: هل من الممکن أن تُغْفَرَ ذنوبنا؟ وهل أن الطریق إلى الله مفتوح أمامنا؟
هذه الآیه تعطی الأمل فی أنَّ طریق العوده والتوبه مفتوح أمامهم.
علاج الیأس الأخروی
هناک عدَّه أمور یمکن أن تکون علاجاً لحاله الیأس الأخروی:
۱- باب التوبه مفتوح:
من المشاکل التی تقف عائقاً فی طریق بعض المسائل التربویه هو احساس الإنسان بعقده الذنب من جرَّاء الأعمال القبیحه السابقه التی ارتکبها، خاصه إذا کانت هذه الذنوب کبیره، إذ أنَّ الذی یستحوذ على ذهن الإنسان إن أراد التوجه نحو الطَّهاره والتقوى والعوده إلى الله، کیف یتخلص من أعباء الذنوب الکبیره السّابقه؟
التعالیم الإسلامیه حلّت هذه المشکله، عندما أفصحت عن أن التوبه والإنابه یمکن أن تکون أداهً قاطعهً وحاسمهً للإنفصال عن الماضی وبدء حیاه جدیده، أو حتى یمکن أن تکون بمثابه ولاده جدیده للتائب، إذا تحققت بشرطها وشروطها.
ففی حدیث عن الباقر علیه السلام: "التائب من الذنب کمن لا ذنب له، والمقیم على الذنب وهو مستغفر منه کالمستهزئ"1. ومن البدیهی أنَّ هذه العوده لا یمکن أن تتم بدون قید أو شرط، وأن البارئ تعالى حکیم ولا یفعل شیئاً عبثاً، فإذا کانت أبواب رحمته مفتوحهً أمام عباده، ودعوته إیاهم للتوبه مستمره، فإن وجود الاستعداد عند العباد أمرٌ لا بدَّ منه.
ومن جهه أخرى، یجب أن تکون عوده الإنسان صادقه، وأن تحدث انقلاباً وتغیراً فی داخل ذاته.
من ناحیه ثانیه، یجب أن یبدأ الإنسان بعد توبته بإعمار وبناء أسس الإیمان والعقیده التی کانت قد دُمرت بعواصف الذنوب.
ومن ناحیه ثالثه، یجب أن یصلح الإنسان بالأعمال الصالحه عجزه الروحیَّ وسوء خلقه، فکلما کانت الذنوب السابقه کبیره، علیه أن یقوم بأعمال صالحه أکثر وأکبر.
وهذا ما بینه القرآن الکریم فی هذه الآیات: ﴿وَأَنِیبُوا إِلَى رَبِّکُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن یَأْتِیَکُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَیْکُم مِّن رَّبِّکُم مِّن قَبْلِ أَن یَأْتِیَکُمُ العَذَابُ بَغْتَهً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾(الزمر:۵۴-۵۵).
۲- مکافحه روح الیأس من أهم آثار الشفاعه فی نفس المعتقدین بها:
الإیمان بالشفاعه یفتح أمام الإنسان نافذه نحو النور، ویبعث فیه الأمل بالعفو والصفح، وهذا الأمل یجعله یسیطر على نفسه، ویعید النظر فی مسیره حیاته، بل ویشجعه على تلافی سیئات الماضی.
تحذیر: بین الخوف والرجاء
صحیح أنَّ الیأس من رحمه الله من الکبائر، إلَّا أنَّ الأمن من مکر الله وعذابه أیضاً من الکبائر، وهذا ما یدعونا إلى تحذیر الإنسان من کلا الأمرین، الیأس والأمن.
من هنا نرى القرآن الکریم یعتبر أن من صفات المؤمنین الخوف والرجاء من الله تعالى فلا یأمنون غضب الله تعالى، ولا ییأسون من رحمته، والتوازن بین الخوف والرجاء هو ضمان تکاملهم وسلوکهم فی الطریق إلى الله تعالى، والحاکم على وجودهم دائم لأن غلبه الخوف تجر الإنسان إلى الیأس والقنوط، وغلبه الرجاء تغری الإنسان فی الذنوب وتجعله فی غفله، وکلاهما عدوٌّ للإنسان فی سیره التکاملی إلى الله تعالى.
یقول تعالى: ﴿إِنَّمَا یُؤْمِنُ بِآیَاتِنَا الَّذِینَ إِذَا ذُکِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا یَسْتَکْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ﴾(السجده:۱۵-۱۶).
ومن هنا نرى القرآن الکریم یصف الله بالغفَّاریه والقهَّاریه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَیْنَهُمَا الْعَزِیزُ الْغَفَّارُ﴾(ص:۶۵-۶۶).
فالله سبحانه وتعالى کما أنه قهَّار شدید العقاب کذلک هو عزیز غفَّار رحیم، فکلمه قهَّار فی الآیه کی لا یغترَّ أحد بلطف الله ورحمته وغفَّاریته، ویظنَّ أنَّه یعیش فی مأمن من قهر الله وغضبه، ولکی لا یغرق فی مستنقع الذنوب.
کلمه غفَّار تعنی کثیر الغفران، بحیث أنَّ أبواب رحمته مفتوحه أمام المذنبین، إذاً على الإنسان أن لا ییأس ولا یأمن، وإلا کان متصفاً بصفات الخاسرین ﴿إِنَّهُ لاَ یَیْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْکَافِرُونَ﴾(یوسف:۷۸).
﴿أَفَأَمِنُواْ مَکْرَ اللّهِ فَلاَ یَأْمَنُ مَکْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾(الأعراف:۹۷).وینبغی الحذر أیضاً من الفهم الخاطئ للتوبه والشفاعه وإلا لم تنفعا.
الثانی: الیأس الدنیوی:
مرّ معنا الحدیث عن الیأس الأخروی، والآن نتحدث عن الیأس الدنیوی، ونعنی به أن ییأس الإنسان من الفرج الإلهی.
علاج الیأس الدنیوی
۱- التفاؤل:
فالتفاؤل یبعث على الأمل بینما التطیُّر یؤدِّی إلى الیأس والعجز، روی عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم:"الطَّیَرَه شرک"، "تفاءلوا بالخیر تجدوه".
۲- الدعاء:
نقرأ فی الروایه عن النبی صلى الله علیه وآله وسلم: "الدُّعاء سلاح المؤمن…"2.
وعن الإمام علی علیه السلام: "الدُّعاء مفاتیح النَّجاح ومقالید الفلاح…"3.
وهناک روایات کثیره تشیر إلى أهمِّیه الدُّعاء، ومن فوائده: أنَّ الإنسان تقع فی حیاته حوادث، فتغرقه فی الیأس من حیث الأسباب الظاهریه، فالدُّعاء یمکنه أن یکون شرفه على أمل الفوز، ووسیله مؤثِّره فی مواجهه الیأس.
۳- الأمل بالنصر (المدد الإلهی)
إذا راجعنا القرآن الکریم، نجده یبعث الأمل بالنَّصر فی نفوس المسلمین، وإلیک بعض الموارد.
أ- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِکَ فِی شِیَعِ الأَوَّلِینَ * وَمَا یَأْتِیهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ کَانُواْ بِهِ یَسْتَهْزِؤُونَ * کَذَلِکَ نَسْلُکُهُ فِی قُلُوبِ الْمُجْرِمِینَ * لاَ یُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّهُ الأَوَّلِینَ﴾(الحجر:۱۱-۱۳).
تفیدنا الآیه بأنَّ أسالیب أهل الضَّلال الرَّامیه لتخدیر، الناس ومحاوله تفریقهم وإبعادهم عن أولیاء الله، لا تختصُّ بزمان ومکان معینین، بل هی ممارسه موجوده منذ القدم، وباقیه ما بقی الصراع بین الحق والباطل على الأرض، ولهذا لا ینبغی أن نستوحش من ذلک ونتراجع أمام المشاکل والعراقیل التی یدبِّرها الأعداء.
ولا نسمح للیأس من أن یدخل إلى قلوبنا، ولا لأسالیب الأعداء من أن تُفقدنا الثِّقه بالله تعالى.
فذکر سنن الأولین فی القرآن، ما هی إلا مواساه وتسلیه مؤثِّره لقلوب دعاه الإیمان.
وإذا ما تصوَّرنا یوماً أنَّ نشر دعوه الحق، ورفع رایه العدل والهدایه، لا یواجهان بردِّ فعل الأعداء، فإننا فی خطأ کبیر، وأقلُّ ما فیه أننا سنصاب بحاله الیأس المهلکه، وما علینا إلَّا أن نستوعب مسیر الأنبیاء علیهم السلام فی مواجهتهم لأعداء الله.
ب- قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ * إِن یَمْسَسْکُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْکَ الأیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیْنَ النَّاسِ وَلِیَعْلَمَ اللّهُ الَّذِینَ آمَنُواْ وَیَتَّخِذَ مِنکُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ یُحِبُّ الظَّالِمِینَ﴾(آل عمران:۱۳۹-۱۴۰)، فی الآیه تحذیر للمسلمین من أن یعتریهم الیأس والفتور بسبب النکسه فی معرکه واحده، وأن یتملَّکهم الحزن والیأس من النصر النهائی.
فالرجال الواعون هم الذِّین یستفیدون الدروس من الهزائم، کما یستفیدونها من الانتصارات، وهم الذین یتعرفون فی ضوء النَّکسات على نقاط الضعْف فی أنفسهم أو مخطَّطاتهم، ویقفون على مصدر الهزیمه، ویسعون لتحقیق النصر النهائی بالقضاء على تلک الثغرات والنواقص.
۴- الانتظار ودوره فی معالجه الیأس
هناک أثر مهمٌّ لانتظار ظهور الإمام المهدی عجل الله فرجه الشریف، وهو عدم ذوبان المنتظرین فی المحیط الفاسد، وعدم الانقیاد وراء المغریات والتلوث بها.
وتوضیح ذلک: أنه حین یعمُّ الفساد المجتمع، أو تکون الأغلبیَّه الساحقه منه فاسده، فقد یقع الإنسان المؤمن فی مأزق نفسیِّ، أو بعباره أخرى: فی طریق مسدود "للیأس من الاصلاحات التی یتوخاها" وربما یتصَّور المنتظرون أنَّه لا مجال للاصلإح، وأنَّ السعی والجدَّ من أجل البقاء على النقاء والطهاره، کلُّ ذلک لا جدوى منه، فهذا الیأس أو الفشل قد یجرُّ الإنسان نحو الفساد والاصطباغ بصبغه المجتمع الفاسد، والَّذی ینعش الأمل فی نفوس المؤمنین ویدعوهم إلى المقاومه والصبر وعدم الذوبان والإنحلال فی المحیط الفاسد، هو رجاؤهم بالاصلاح النهائی، فهم فی هذه الحال لا یسأمون عن الجد والمثابره.
۵- التقوى والفرج
﴿… وَمَن یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَیَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لَا یَحْتَسِبُ وَمَن یَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ..﴾(الطلاق:۲-۳) إنَّ هذه الآیات تبعث الأمل فی النُّفوس، وتمنح القلب صفاءً خاصاً، وتمزِّق حجب الیأس والقنوط، وتنیر الأرواح بنور الأمل، إذ تعد المتقین بحل مشاکلهم وتسهیل أمورهم.
جاء فی حدیث عن أبی ذر الغفاری، أنَّ رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم قال: "إنیِّ أعلم آیهً لو أخذ بها النَّاس لکفتهم، ﴿وَمَن یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾، فما زال یقولها ویعیدها"4.
وفی حدیث عن الرسول صلى الله علیه وآله وسلم: "مَنْ أْکثر الإستغفار جعل الله له من کلِّ همٍّ فرجاً ومن کلِّ ضیق مخرجاً"5. المقصود من التوکُّل على الله، هو أن یسعى الإنسان لأن یجعل عاقبه عمله وکدحه على الله، ویوکلها إلیه ویدعوه لتسهیل أمره، فإنَّه لطیف بعباده، رحیم بهم، وعلى کل شی‏ء قدیر.
والشخص الذی یعیش حقیقه التوکُّل على الله، لا یجد إلیه منفذاً، ولا یدبُّ فی عزمه الضعف، ولا یشعر بالنقص والصغر أمام المشاکل مهما کبرت، ویبقى یقاوم ویواجه الأحداث بقوَّه وإیمان راسخین.
ومن جانب آخر تنهمر علیه الإمدادات الغیبیَّه والمساعدات التی وعده الله.
ففی حدیث عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم:" سألت جبرائیل: ما التوکل؟ قال:العلم بأنَّ المخلوق لا یضرُّ ولا ینفع، ولا یعطی ولا یمنع، واستعمال الیأس من الخلق، فإذا کان العبد کذلک، لم یعمل لأحد سوى الله، ولم یرجُ ولم یخف سوى الله، ولم یطمع فی أحد سوى الله فهذا هو التوکُّل"6.
۶- العلم بأن مع العسر یسراً
یقول تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ یُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ یُسْرًا﴾(الانشراح:۵-۶).
هذا الوعد الإلهیُّ یغمر القلب نوراً وصفاء، ویبعث فیه الأمل، ویزیل ظلمه الیأس عن روح الإنسان، وعن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم قال: "واعلم أنَّ مع العسر یسراً، وأنَّ مع الصبر النَّصر، وأنَّ الفرج مع الکرب"7.
قصه للعبره
النبّاش
یُروى أنه: دخل معاذ بن جبل على رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم باکیا،ً فسلَّم فردَّ علیه السَّلام ثمَّ قال: ما یبکیک یا معاذ؟ فقال یا رسول الله، إن بالباب شاباً طریَّ الجسد نقیَّ اللَّون حسن الصوره یبکی على شبابه بکاء الثکلى على ولدها یرید الدخول علیک.
فقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم: أَدْخِل علیّ الشاب یا معاذ، فأدخله علیه فسلَّم فردَّ علیه السلام قال: ما یبکیک یا شاب؟ قال: کیف لا أبکی وقد رکبت ذنوباً، إن أخذنی الله عزَّ وجلَّ ببعضها أدخلنی نار جهنَّم؟ ولا أرانی إلا سیأخذنی بها ولا یغفر لی أبداً.
فقال رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم: هل أشرکت بالله شیئاً؟ قال: أعوذ بالله أن أشرک بربی شیئاً.
قال: أقتلت النفس التی حرّم الله؟ قال: لا.
فقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم: یغفر الله ذنوبک وإن کانت مثل الجبال الرواسی.
فقال الشاب: فإنها أعظم من الجبال الرواسی. فقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم: یغفر الله لک ذنوبک وإن کانت مثل الأرضین السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فیها من الخلق.
قال: فإنها أعظم من الأرضین السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فیها من الخلق.
فقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم: یغفر الله ذنوبک وإن کانت مثل السموات ونجومها ومثل العرش والکرسی.
قال: فإنها أعظم من ذلک.
قال: فنظر النبی صلى الله علیه وآله وسلم إلیه کهیئه الغضبان ثم قال: ویحک یا شاب، ذنوبک أعظم أم ربُّک؟ فخر الشاب لوجهه وهو یقول: سبحان ربِّی، ما شی‏ء أعظم من ربِّی، ربِّی أعظم یا نبی الله من کلِّ عظیم.
فقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم: فهل یغفر الذنب العظیم إلا الربُّ العظیم. قال الشاب: لا والله یا رسول الله، ثم سکت الشاب فقال له النبی صلى الله علیه وآله وسلم: ویحک یا شاب ألا تخبرنی بذنب واحد من ذنوبک؟
قال: بلى، أخبرک: إنی کنت أنبش القبور سبع سنین، أخرج الأموات وأنزع الأکفان، فماتت جاریه من بعض بنات الأنصار، فلما حُمِلت إلى قبرها ودُفِنت وانصرف عنها أهلها وجنَّ علیهم اللیل، أتیت قبرها فنبشتها ثم استخرجتها ونزعت ما کان علیها من أکفانها، وترکتها متجرده على شفیر قبرها ومضیت منصرفاً، فأتانی الشیطان فأقبل یزیِّنها لی… ولم أملک نفسی حتى جامعتها وترکتها مکانها، فإذا أنا بصوت من ورائی یقول: یا شاب ویل لک من دیَّان یوم الدین.. فما أظنُّ أنی أشم رائحه الجنه أبداً فما ترى یا رسول الله؟
فقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم: تنحَّ عنی یا فاسق، إنی أخاف أن أحترق بنارک، فما أقربک من النار!
فذهب فأتى المدینه فتزود منها ثم أتى بعض جبالها متعبداً فیها، ولبس مسحاً وغلّ یدیه جمیعاً إلى عنقه، ونادى: یا رب هذا عبدک بهلول بین یدیک مغلول…
ثم قال اللهم ما فعلت فی حاجتی إن کنت استجبت دعائی وغفرت خطیئتی فأوحِ إلى نبیک،… فأنزل الله تبارک وتعالى على نبیه صلى الله علیه وآله وسلم: ﴿وَالَّذِینَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَهً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَکَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن یَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ یُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ یَعْلَمُونَ﴾(آل عمران:۱۳۵)۸٫
_____________________________
۱- أصول الکافی، ج‏2، ص‏216، باب التوبه، الحدیث ۱۰٫
۲- أصول الکافی، ج‏2، أبواب الدعاء، باب إن الدعاء سلاح المؤمن.
۳- م.ن.
۴- نور الثقلین، ج‏5، ص‏356، حدیث ۴۴٫
۵- ن.م، حدیث ۴۵٫
۶- بحار الأنوار، ج‏69، ص‏372، حدیث ۱۹٫
۷- تفسیر نور الثقلین، ج‏5، ص‏604، حدیث ۱۱٫
۸- بحار الأنوار، ج ۶، ص‏24.

Leave A Reply

Your email address will not be published.