الشیعه فی العصرین : الأُمویّ والعباسیّ

0

لا نأتی بجدید إذا ذهبنا إلى القول بأنّ الهجمه الشرسه التی کانت تستهدف استئصال الشیعه والقضاء علیهم قد أخذت أبعاداً خطیره ودامیه أبان الحکمین الأُموی و العباسی ، فما أن لبّى الإمام دعوه ربّه فی لیله الحادی و العشرین من رمضان على ید أشقی الأوّلین و الآخرین ، شقیق عاقر ناقه ثمود ، وهو یصلّـی فی محراب عبادته ، حتّى شرع أعداء الإمام وخصوم التشیّع إلى التعرّض الصریح بالقتل و التشرید لأنصار هذا المذهب و المنتسبین إلیه ، وإذا کان استشهاد الإمام علی یؤلّف فی حدّ ذاته ضربه قاصمه فی هیکلیه البناء الإسلامی ، إلاّ أنّ هذا لم یمنع البعض ممّن وقفوا موقفاً باطلا ومنحرفاً من الإمام علیّ فی حیاته من التعبیر عن سرورهم من هذا الأمر الجلل ، کما نقل ذلک ابن الأثیر عن عائشه زوجه رسول الله _ صلى الله علیه وآله وسلم _ حیث قالت عندما وصلها النبأ :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى * کما قرّ عیناً بالإیـاب المسافـرُ
ثمّ قالت : من قتله ، فقیل : رجل من مراد ، فقالت :
فإن یک نائیاً فلقد نعاهُ * نعیُّ لیس فی فیه الترابُ
(۲۳)
فقالت زینب بنت أبی سلمه : أتقولین هذا لعلیّ؟ فقالت : إنّی أنسى ، فإذا نسیت فذکّرونی . . .!!(۱) .
الشیعه فی العصر الأُموی
أمّا معاویه فلا مناص من القول بأنّه أکثر المستبشرین بهذا الأمر ، حیث
إنّه قال لمّا بلغه : إنّ الأسد الذی کان یفترش ذراعیه فی الحرب قد قضى نحبه .
ثمّ أنشد :
قل للأرانب ترعى أینما سرّحت * وللظباء بلا خوف و لا وجلِ(۲)
فی الجانب الآخر نرى أنّ الإمام الحسن الابن الأکبر للإمام علیّ ووارثه ینعى أباه بقوله فی مسجد الکوفه : «ألا إنّه قد مضی فی هذه اللیله ، رجل لم یدرکه الأوّلون ، ولن یری مثله الآخرون . من کان یقاتل وجبرئیل عن یمینه ومیکائیل عن شماله . والله لقد توفّی فی هذه اللیله التی قبض فیها موسى بن عمران ، ورفع فیها عیسى بن مریم ، وأُنزل القرآن . ألا وإنّه ما خلّف صفراء ولا بیضاء إلاّ سبعمائه درهم فضلت من عطائه ، أراد أن یبتاع بها خادماً لأهله»(3) .
ثمّ بویع الحسن فی نهایه خطبته ، وکان أوّل من بایعه قیس بن سعد الأنصاری ، ثم تتابع الناس على بیعته ، وکان أمیر المؤمنین قد بایعه أربعون
(۱) الکامل لابن الأثیر ۳ : ۳۹۴ ط دار صادر .
(۲) ناسخ التواریخ ، القسم المختص بحیاه الإمام : ۶۹۲ .
(۳) تاریخ الیعقوبی ۲ : ۲۱۳ .
(۲۴)
ألفاً من عسکره على الموت . فبینما هو یتجهّز للمسیر قُتل _ علیه السلام _ . فبایع هؤلاء ولده الحسن ، فلمّا بلغهم مسیر معاویه فی أهل الشام إلیه ، تجهّز هو و الجیش الذین کانوا قد بایعوا علیّاً . وسار عن الکوفه إلى لقاء معاویه(۱) .
بید إنّ الأُمور لم تستقم للإمام الحسن لجمله من الأسباب المعروفه ، أهمّها تخاذل أهل العراق أوّلا ، وکون الشیوخ الذین بایعوا علیّاً و التفّوا حوله کانوا من عبده الغنائم و المناصب ، ولم یکن لهؤلاء نصیب فی خلافه الحسن إلاّ ما کان لهم عند أبیه من قبل ثانیاً . وإنّ عدداً غیر قلیل ممّن بایع الحسن کانوا من المنافقین ، یراسلون معاویه بالسمع والطاعه ثالثاً . کما أنّ قسماً من جیشه کانوا من الخوارج أو أبنائهم رابعاً . إلى غیر ذلک من الأسباب التی دفعت الإمام إلى قبول الصلح مع معاویه تحت شروط خاصّه تضمن لشیعه علیّ الأمن والأمان ، إلاّ أنّ معاویه وبعد أن وقّع على صلحه مع الإمام الحسن لم یتردد من الإعلان عن سریرته بکل صراحه ووضوح على منبر الکوفه : إنّی والله ما قاتلتکم لتصلّوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجّوا ولا لتزکّوا ـ وإنّکم لتفعلون ذلک ـ ولکن قاتلتکم لأتأمّر علیکم ، وقد أعطانی الله ذلک وأنتم له کارهون ، ألا وإنّی قد کنت منَّیتُ الحسن أشیاء ، وجمیعها تحت قدمی لا أفی بشىء منها له(۲) .
وکان ذلک التصریح الخطیر ، والمنافی لأبسط مبادئ الشریعه الإسلامیه ،
یمثل الإعلان الرسمی لبدء الحمله الشرسه والمعلنه لاستئصال شیعه علی و أنصاره تحت کلّ حجر ومدر . وتوالت المجازر تترى بعد معاویه إلى آخر
(۱) الکامل ۳ : ۴۰۴
(۲) الإرشاد للشیخ المفید : ۱۹۱ .
(۲۵)
عهد الدوله الأُمویّه ، فلم یکن للشیعه فی تلک الأیّام نصیب سوى القتل والنفی والحرمان . وهذا هو الذی نستعرضه فی هذا الفصل على وجه الإجمال ، حتّى یقف القارئ على أنّ بقاء التشیّع فی هذه العصور المظلمه کان معجزه من معاجز الله سبحانه ، کما یتوضّح له مدى الدور الخطیر الذی لعبه الشیعه فی الصمود والکفاح والردّ على الظلمه وأعوانهم منذ عصر الإمام إلى یومنا هذا . وإلیک بعض الوثائق من جرائم معاویه .
۱ ـ رساله الإمام الحسین إلى معاویه :
«أمّا بعد فقد جاءنی کتابک تذکر فیه أنّه انتهت إلیک عنّی أُمور لم تکن تظنّنی بها رغبه بی عنها ، وأنّ الحسنات لا یهدی لها ولا یسدّد إلیها إلاّ الله تعالى ، وأمّا ما ذکرت أنّه رمی إلیک عنّی ، فإنّما رقّاه الملاّقون المشّاؤون بالنمیمه ، المفرّقون بین الجمع ، وکذب الغاوون المارقون ، ما أُرید لک حرباً ولا خلافاً ، وإنّی لأخشى الله فی ترک ذلک منک ومن حزبک القاسطین حزب الظلمه وأعوان الشیطان الرجیم . ألست قاتل حجر وأصحابه العابدین ـ إلى أن قال ـ أو لست قاتل الحضرمی الذی کتب إلیک فی زیاد أنّه على دین علیّ کرّم الله وجهه ، ودین علیّ هو دین ابن عمّه _ صلى الله علیه وآله وسلم _ الذی أجلسک مجلسک الذی أنت فیه ، ولولا ذلک کان أفضل شرفک وشرف آبائک تجشّم الرحلتین : رحله الشتاء والصیف ، فوضعها الله عنکم بنا منّه علیکم ، وقلت فیما قلت : لا تردنّ هذه الأُمّه فی فتنه وإنّی لا أعلم لها فتنه أعظم من إمارتک علیها ، وقلت فیما قلت : انظر لنفسک ولدینک ولأُمّه محمّد . وإنّی والله ما أعرف فضلا من جهادک ، فإن أفعل فإنّه قربه إلى ربّی ، وإن لم أفعله فأستغفر
(۲۶)
الله لدینی . وأسأله التوفیق لما یحب ویرضى ، وقلت فیما قلت : متى تکدنی أکدک ، فکدنی یا معاویه ما بدا لک ، فلعمری لقدیماً یکاد الصالحون وإنّی لأرجو أن لا تضرّ إلاّ نفسک ولا تمحق إلاّ عملک
فکدنی ما بدا لک ، واتّق الله یا معاویه ، واعلم أنّ لله کتاباً لا یغادر صغیره ولا کبیره إلاّ أحصاها ، واعلم أنّ الله لیس بناس لک قتلک بالظنّه ، وأخذک بالتهمه ، وإمارتک صبیّاً یشرب الشراب ویلعب بالکلاب ، ما أراک إلاّ قد أوبقت نفسک ، وأهلکت دینک ، وأضعت الرعیّه و السلام»(1) .
ولعلّ المتأمل فی جوانب هذه الرساله والمتدبّر لمفرداتها یدرک وبوضوح مدى الدور المنحرف الذی وقفه الأُمویّون وعلى رأسهم معاویه فی محاربه أنصار مذهب التشیّع وروّاده ، کما تتوضح له الصوره عن حجم المحنه التی مرّ بها الشیعه إبّان تلک الحقبه الزمنیه .
ولکی تتوضّح الصوره فی ذهن القارئ الکریم ندعوه إلى قراءه رساله الإمام محمّد بن علیّ الباقر _ علیه السلام _ لأحد أصحابه ، حیث قال :
«إنّ رسول الله _ صلى الله علیه وآله وسلم _ قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علینا قریش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا . ثمّ تداولتها قریش ، واحد بعد واحد ، حتّى رجعت إلینا ، فنکثت بیعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم یزل صاحب الأمر فی صعود کؤود حتّى قتل ، فبویع الحسن ابنه وعوهد ثمّ غدر به وأُسلم
(۱) الإمامه والسیاسه ۱ : ۱۶۴ ، جمهره الرسائل ۲ : ۶۷ ، ورواه الکشی فی رجاله ۴۸ ـ ۵۱ والمجلسی فی البحار ۴۴ : ۲۱۲ـ۲۱۴ .
(۲۷)
ووثب علیه أهل العراق حتّى طعن بخنجر فی جنبه ، ونهبت عسکره ، وعولجت خلاخیل أُمّهات أولاده ، فوادع معاویه وحقن دمه ودماء
أهل بیته ، وهم قلیل حقّ قلیل . ثم بایع الحسین من أهل العراق عشرون ألفاً ، ثمّ غدروا به ، وخرجوا علیه ، وبیعته فی أعناقهم وقتلوه .
ثمّ لم نزل ـ أهل البیت ـ نستذلّ ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أولیائنا ، ووجد الکاذبون الجاحدون لکذبهم وجحودهم موضعاً یتقرّبون به إلى أولیائهم وقضاه السوء وعمّال السوء فی کل بلده ، فحدّثوهم بالأحادیث الموضوعه المکذوبه ، ورووا عنّا ما لم نقله ولم نفعله ، لیبغّضونا إلى الناس ، وکان عظم ذلک وکبره زمن معاویه بعد موت الحسن _ علیه السلام _ ، فقتلت شیعتنا بکلّ بلده ، وقطعت الأیدی والأرجل على الظنّه ، وکان من یذکر بحبّنا والانقطاع إلینا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ، ثمّ لم یزل البلاء یشتدّ ویزداد إلى زمان عبیدالله بن زیاد قاتل الحسین _ علیه السلام _ ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم کلّ قتله ، وأخذهم بکل ظنّه وتهمه ، حتّى أنّ الرجل لیقال له : زندیق أو کافر ، أحبّ إلیه من أن یقال : شیعه علیّ ، وحتّى صار الرجل الذی یذکر بالخیر ـ ولعلّه یکون ورعاً صدوقاً ـ یحدّث بأحادیث عظیمه عجیبه ، من تفضیل بعض من قد سلف من الولاه ولم یخلق الله تعالى شیئاً منها ، ولا کانت ولا وقعت وهو یحسب أنّها حقّ لکثره من قد رواها ممّن لم یعرف بکذب ولا بقلّه ورع»(1) .
بل وإلیک ما أورده ابن أبی الحدید المعتزلی فی شرحه لنهج البلاغه :
(۱) شرح نهج البلاغه ۱۱ : ۴۳ ـ ۴۴ .
(۲۸)
کان سعد بن سرح مولى حبیب بن عبد شمس من شیعه علیّ بن أبی طالب ، فلمّا قدم زیاد الکوفه والیاً علیها أخافه فطلبه زیاد ، فأتى الحسن بن علیّ ، فوثب زیاد على أخیه وولده وامرأته ، فحبسهم وأخذ ماله وهدم داره ، فکتب الحسن إلى زیاد : «من الحسن بن علیّ إلى زیاد ، أمّا بعد : فإنّک عمدت إلى رجل من المسلمین له ما لهم ، وعلیه ما علیهم ، فهدمت داره وأخذت ماله وعیاله فحبستهم ، فإذا أتاک کتابی هذا ، فابن له داره ، واردد علیه عیاله وماله ، فانّی قد أجرته فشفّعنی فیه» .
فکتب إلیه زیاد : من زیاد بن أبی سفیان إلى الحسن بن فاطمه ، أمّا بعد : فقد أتانی کتابک تبدأ فیه بنفسک قبلی وأنت طالب حاجه ، وأنا سلطان وأنت سوقه ، وتأمرنی فیه بأمر المطاع المسلط على رعیّته کتبت إلیّ فی فاسق آویته إقامه منک على سوء الرأی و رضاً منک بذلک ، وأیم الله لا تسبقنی به ولو کان بین جلدک ولحمک ، وإن نلت بعضک فغیر رفیق بک ولا مرع علیک ، فإنّ أحبّ لحم علىَّ أن آکله اللّحم الذی أنت منه ، فسلّمه بجریرته إلى من هو أولى به منک ، فإن عفوت عنه لم أکن شفّعتک فیه ، وإن قتلته لم أقتله إلاّ لحبّه أباک الفاسق ، والسلام»(1) .
«کان زیاد جمع الناس بالکوفه بباب قصره یحرّضهم على لعن علیّ أو البراءه منه ، فملأ منهم المسجد والرحبه ، فمن أبى ذلک عرضه على السیف»(2) .
وعن المنتظم لابن الجوزی : أنّ زیاداً لمّا حصبه أهل الکوفه وهو یخطب على المنبر قطع أیدی ثمانین منهم ، وهمّ أن یخرب دورهم ویحرق نخلهم ، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد والرحبه یعرضهم على البراءه من
(۱) شرح بن أبی الحدید ۱۶ : ۱۹۴ .
(۲) مروج الذهب ۳ : ۲۶ .
(۲۹)
علیّ ، وعلم أنّهم سیمتنعون ، فیحتجّ بذلک على استئصالهم وإخراب بلدهم(۱) .
بیان معاویه إلى عماله :
روى أبو الحسن علیّ بن محمّد بن أبی سیف المدائنی فی کتاب «الأحداث» قال : کتب معاویه نسخه واحده إلى عمّاله بعد عام الجماعه!! : «أن برأت الذمه ممّن روى شیئاً من فضل أبی تراب وأهل بیته» فقامت الخطباء فی کلّ کوره ، وعلى کلّ منبر ، یلعنون علیّاً ویبرأون منه ، ویقعون فیه وفی أهل بیته ، وکان أشدّ الناس بلاءً حینئذ أهل الکوفه ، لکثره من بها من شیعه علیّ _ علیه السلام _ فاستعمل علیها زیاد بن سمیّه ، وضمّ إلیه البصره ، فکان یتبع الشیعه وهو بهم عارف ، لأنّه کان منهم أیّام علیّ _ علیه السلام _ ، فقتلهم تحت کلّ حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأیدی والأرجل ، وسمل العیون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم یبق بها معروف منهم .
وکتب معاویه إلى عماله فی جمیع الآفاق : ألاّ یجیزوا لأحد من شیعه علیّ وأهل بیته شهاده . وکتب إلیهم : أن انظروا من قبلکم من شیعه عثمان ومحبّیه وأهل ولایته ، والذین یروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأکرموهم ، واکتبوا لی بکلّ ما یروی کلّ رجل منهم ، واسمه واسم أبیه وعشیرته .
ففعلوا ذلک ، حتّى أکثروا فی فضائل عثمان ومناقبه ، لما کان یبعثه إلیهم معاویه من الصلات والکساء و الحباء و القطائع ، ویفیضه فی العرب منهم والموالی ، فکثر ذلک فی کلّ مصر ، وتنافسوا فی المنازل و الدنیا ، فلیس
(۱) المنتظم ۵ : ۲۶۳ ط بیروت .
(۳۰)
یجیء أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاویه ، فیروی فی عثمان فضیله أو منقبه إلاّ کتب اسمه وقرّبه وشفّعه . فلبثوا بذلک حیناً .
ثمّ کتب إلى عمّاله : إنّ الحدیث فی عثمان قد کثر وفشا فی کلّ مصر وفی کلّ وجه وناحیه ، فإذا جاءکم کتابی هذا فادعوا الناس إلى الروایه فی فضائل الصحابه والخلفاء الأوّلین ، ولا تترکوا خبراً یرویه أحد من المسلمین فی أبی تراب إلاّ وتأتونی بمناقض له فی الصحابه; فإنّ هذا أحبّ إلىّ وأقرّ لعینی ، وأدحض لحجّه أبی تراب و شیعته ، وأشدّ إلیهم من مناقب عثمان وفضله!!
فقرأت کتبه على الناس ، فرویت أخبار کثیره فی مناقب الصحابه مفتعله لاحقیقه لها ، وجدّ الناس فی روایه ما یجری هذا المجرى حتّى أشادوا بذکر ذلک على المنابر ، وأُلقی إلى معلّمی الکتاتیب ، فعلّموا صبیانهم و غلمانهم من ذلک الکثیر الواسع حتّى رووه وتعلّموه کما یتعلّمون القرآن ، وحتّى علّموه بناتهم و نساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلک ما شاء الله .
ثمّ کتب إلى عمّاله نسخه واحده إلى جمیع البلدان : انظروا من قامت علیه البیّنه أنّه یحبّ علیّاً وأهل بیته ، فامحوه من الدیوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه . وشفع ذلک بنسخه أُخرى : من اتّهمتموه بموالاه هؤلاء القوم ، فنکّلوا به ، واهدموا داره .
فلم یکن بلد أشدّ بلاءً من العراق ، ولا سیّما الکوفه ، حتّى أنّ الرجل من شیعه علیّ _ علیه السلام _ لیأتیه من یثق به ، فیدخل بیته فیلقی إلیه سرّه ، ویخاف من خادمه ومملوکه ، ولا یحدّثه حتّى یأخذ علیه الأیمان الغلیظه لیکتمنّ علیه . فظهر حدیث کثیر موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلک الفقهاء والقضاه والولاه ، وکان أعظم الناس فی ذلک بلیّه القرّاء والمراؤون
(۳۱)
والمستضعفون الذین یظهرون الخشوع والنسک فیفتعلون الأحادیث لیحظوا بذلک عند ولاتهم ، ویتقرّبوا من مجالسهم ، ویصیبوا الأموال والضیاع والمنازل ، حتّى انتقلت تلک الأخبار والأحادیث إلى أیدی الدیّانین الذین لا یستحلّون الکذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم یظنّون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطله لما رووها ، ولا تدیّنوا بها .
وقال ابن أبی الحدید : فلم یزل الأمر کذلک حتّى مات الحسن بن علیّ _ علیه السلام _ فازداد البلاء والفتنه ، فلم یبق أحد من هذا القبیل إلاّ وهو خائف على دمه ، أو طرید فی الأرض .
ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسین _ علیه السلام _ وولّـی عبد الملک بن مروان ، فاشتدّ على الشیعه ، وولّی علیهم الحجّاج بن یوسف ، فتقرّب إلیه أهل النسک والصلاح والدین ببغض علیّ وموالاه أعدائه ، وموالاه من یدّعی من الناس أنّهم أیضاً أعداؤه ، فأکثروا فی الروایه فی فضلهم وسوابقهم ومناقبهم ،وأکثروا من الغضّ من علیّ _ علیه السلام _ وعیبه ، والطعن فیه ، والشنآن له ، حتى أنّ إنساناً وقف للحجّاج ـ ویقال إنّه جدّ الأصمعی عبد الملک بن قریب ـ فصاح به : أیّها الأمیر انّ أهلی عقّونی فسمّونی علیاً ، وانّی فقیر بائس ، وأنا إلى صله الأمیر محتاج . فتضاحک له الحجّاج ، وقال : للطف ما توسّلت به ، قد ولّیتک موضع کذا .
وقد روى ابن عرفه المعروف بنفطویه ـ وهو من أکابر المحدّثین وأعلامهم ـ فی تأریخه ما یناسب هذا الخبر ، قال : إنّ أکثر الأحادیث الموضوعه فی فضائل الصحابه افتعلت فی أیّام بنی أُمیّه تقرّباً إلیهم بما
(۳۲)
یظنّون أنّهم یرغمون به أُنوف بنی هاشم(۱) .
ضحایا الغدر الأُموی
لعلّ المرء یصاب بالذهول وهو یتأمّل أسماء الصحابه والتابعین ذوی
المنازل الرفیعه والمکانه السامیه و الدور الجلیل فی خدمه الإسلام وأهله ،
کیف سقطوا صرعى بسیف الأُمویّین لا لشیء إلاّ لأنّهم شیعه علیّ _ علیه السلام _ ، ومن هؤلاء :
۱ ـ حجر بن عدیّ : الذی قبض علیه زیاد بعد هلاک المغیره سنه (۵۱هـ ) وبعثه مع أصحابه إلى الشام بشهاده مزوّره ، وفریه ظالمه ، کان یراد منها قتله وتوجیه ضربه قویه لشیعه علیّ وتصفیتهم .
یقول المسعودی :
«فی سنه ثلاث وخمسین قتل معاویه حجر بن عدیّ الکندی ـ وهو أوّل من قتل صبراً فی الإسلام ـ وحمله زیاد من الکوفه ومعه تسعه نفر من أصحابه من أهل الکوفه وأربعه من غیرها ، فلمّـا صار على أمیال من الکوفه یراد به دمشق أنشأت ابنته تقول ـ ولا عقب له من غیرها ـ :
ترفّع أیّها القمر المنیر * لعلّک أن ترى حجراً یسیر
یسیر إلى معاویه بن حرب * لیقتله ، کذا زعم الأمیر
ویصلبه على بابی دمشق * وتأکل من محاسنه النسور
ثمّ قتله مع أصحابه فی مرج عذراء(۲) بصوره بشعه یندى لها الجبین ، وهی مذکوره فی جمیع کتب التأریخ ، فراجع .
(۱) شرح نهج البلاغه ۱۱ : ۴۶ .
(۲) مروج الذهب ۳ : ۳ـ۴ ، سیر أعلام النبلاء ۳ : ۴۶۲ـ۴۶۶ / ۹۵ .
(۳۳)
۲ ـ عمرو بن الحمق : ذلک الصحابی العظیم الذی وصفه الإمام الحسین سیّد الشهداء بأنّه : «أبلت وجهه العباده» . قتله معاویه بعدما أعطاه الأمان(۱) .
۳ ـ مالک الأشتر : ملک العرب ، وأحد أشرف رجالاتها وأبطالها ، کان شهماً مطاعاً وکان قائد القوات العلویه . قتله معاویه بالسمّ فی مسیره إلى مصر بید أحد عمـّاله(۲) .
۴ ـ رشید الهجری : کان من تلامیذ الإمام وخواصّه ، عرض علیه زیاد البراءه واللعن فأبى ، فقطع یدیه ورجلیه ولسانه ، وصلبه خنقاً فی عنقه(۳) .
۵ ـ جویریه بن مسهر العبدیّ : أخذه زیاد وقطع یدیه ورجلیه وصلبه على جذع نخله(۴) .
۶ ـ قنبر مولى أمیر المؤمنین : روی أن الحجّاج قال لبعض جلاوزته : أُحبّ أن أُصیب رجلا من أصحاب أبی تراب فقالوا : ما نعلم أحداً کان أطول صحبه له من
مولاه قنبر . فبعث فی طلبه ، فقال له : أنت قنبر؟ قال : نعم ، قال له : ابرأ من دین علیّ ، فقال له : هل تدلّنی على دین أفضل من دینه؟ قال : إنّی قاتلک فاختر أیّ قتله أحبّ إلیک ، قال : أخبرنی أمیر المؤمنین : أنّ میتتی تکون ذبحاً بغیر حقّ . فأمر به فذبح کما تذبح الشاه(۵) .
۷ ـ کمیل بن زیاد : وهو من خیار الشیعه وخاصّه أمیر المؤمنین ، طلبه الحجّاج فهرب منه ، فحرم قومه عطاءهم ، فلمّـا رأى کمیل ذلک قال : أنا
(۱) سیر أعلام النبلاء ۴ : ۳۴ـ۳۵ / ۶ .
(۲) شذرات الذهب ۱ : ۹۱ .
(۳) شرح نهج البلاغه ۲ : ۲۹۴ ـ ۲۹۵ .
(۴) شرح نهج البلاغه ۲ : ۲۹۰ ـ ۲۹۱ .
(۵) رجال الکشی : ۶۸ـ۶۹ / ۲۱ ، الشیعه والحاکمون : ۹۵ .
(۳۴)
شیخ کبیر وقد نفد عمری ولا ینبغی أن أکون سبباً فی حرمان قومی . فاستسلم للحجّاج ، فلمّـا رآه قال له : کنت أحبُّ أن أجد علیک سبیلا ، فقال له کمیل :
لا تبرق ولا ترعد ، فوالله ما بقی من عمری إلاّ مثل الغبار ، فاقض فإنّ الموعد الله
عزّ وجلّ ، وبعد القتل الحساب . وقد أخبرنی أمیر المؤمنین أنّک قاتلی ، فقال الحجّاج : الحجّه علیک إذن ، فقال : ذلک إن کان القضاء لک ، قال : بلى ، اضربوا عنقه(۱) .
۸ ـ سعید بن جبیر : التابعی المعروف بالعفّه والزهد والعباده ، وکان یصلّـی خلف الإمام زین العابدین ، فلمّـا رآه الحجّاج قال له : أنت شقی ابن کسیر ، فقال : أُمّی أعرف باسمی منک . ثم بعد أخذ وردّ أمر الحجاج بقتله ، فقال سعید : (وجّهتُ وَجْهِی لِلَّذِی فَطَرَ السمّواتِ وَالأرضَ حنیفاً ـ مسلماً ـ وما أنا مِنَ المشرکین)(۲) . فقال الحجّاج : شدّوه إلى غیر القبله ، فقال : (أینما تولّوا فثمَّ وَجهُ الله)(۳) ، فقال : کبّوه على وجهه ، قال : (مِنْها خَلَقناکُمْ وَفِیها نُعِیدُکُم وَمِنْها نُخْرِجُکُم تارَه أُخرى) (۴) . ثم ضربت عنقه(۵) .
وسیوافیک ما جرى على زید بن علیّ من الصلب أیّام خلافه هشام بن
(۱) شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید ۱۷ : ۱۴۹ ، الشیعه والحاکمون : ۹۶ .
(۲) الأنعام : ۷۹ .
(۳) البقره : ۱۱۵
(۴) طه : ۵۵
(۵) سیر أعلام النبلاء ۴ : ۳۲۱ـ۳۲۸ ، الجرح والتعدیل ۴ : ۹ / ۲۹ .
(۳۵)
عبدالملک عام (۱۲۲هـ ) عند الکلام عن فرقه الزیدیه إن شاء الله تعالى .
هذا غیض من فیض وقلیل من کثیر ممّا جناه الأُمویّون فی حقّ الشیعه طوال فتره حکمهم وتولّیهم لدفّه الأُمور وزمام الحکم ، وتالله إنّ المرء لیصاب بالغثیان وهو یتأمّل هذه الصفحات السوداء التی لا تمحى من ذاکره التاریخ وکیف لطّخت بالدماء الطاهره المقدسه والتی أُریقت ظلماً وعدواناً وتجنّیاً على الحقّ وأهله .
الشیعه فی العصر العباسی
دار الزمان على بنی أُمیّه ، وقامت ثورات عنیفه ضدّهم أثناء خلافتهم ، إلى أن قضت على آخر ملوکهم (مروان الحمار) : (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِینَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله رَبّ العالَمِینَ)(۱) وامتطى ناصیه الخلافه بعدهم العباسیون ، والذین تسربلوا بشعار مظلومیه أهل البیت للوصول إلى سدّه الخلافه وإزاحه خصومهم الأُمویین عنها ، بید أنّهم ما أن استقر بهم المقام وثبتت لهم أرکانه حتّى انقلبوا کالوحوش الکاسره فی محاربتهم للشیعه وتشریدهم وتقتیلهم ، فکانوا أسوأ من أسلافهم الأُمویین وأشدّ إجراماً ، ولله درّ الشاعر حین قال :
والله مـا فعلـت أُمیّـه فیهـم * معشار ما فعلت بنو العباسِ
۱ ـ کان أوّل من تولّى منهم أبو العباس السفّاح ، بویع سنه (۱۳۲هـ ) ومات سنه (۱۳۶هـ ) ، قضى وقته فی تتبّع الأُمویّین والقضاء علیهم ، وهو وإن لم
(۱) الأنعام : ۴۵ .
(۳۶)
یتعرّض
للعلوّیین ، لکنّه تنکّر لهم و لشیعتهم ، بل وأوعز إلى الشعراء أن یتعرّضوا لأولاد علیّ وأهل بیته فی محاوله مدروسه للنیل من منزلتهم وتسفیه الدعوه المطالبه بإیکال أمر الخلافه الإسلامیه إلیهم . هذا محمّد أحمد براق یقول فی کتابه «أبو العباس السفاح» : «إنّ أصل الدعوه کان لآل علیّ ; لأنّ أهل خراسان کان هواهم فی آل علیّ لا آل العباس ، لذلک کان السفّاح ومن جاء بعده مفتّحه عینوهم لأهل خراسان حتّى لا یتفشّى فیهم التشیّع لآل علیّ . . . وکانوا یستجلبون الشعراء لیمدحوهم ، فیقدّمون لهم الجوائز ، وکان الشعراء یعرّضون بأبناء علیّ وینفون عنهم حقّ الخلافه ; لأنّهم ینتسبون إلى النبیّ عن طریق ابنته فاطمه ، أمّا بنو العباس فإنّهم أبناء عمومه»(1) .
۲ ـ ثمّ جاء بعده أبو جعفر المنصور ، وبالرغم ممّا أُثیر حوله من منزله ومکانه وذکاء ، إلاّ أنّ فی ذلک مجافاه عظیمه للحقّ وابتعاداً کبیراً عن جادّه الصواب ، نعم حقّاً إنّ هذا الرجل قد ثبّت أرکان دولته وأقام لها أُسساً قویه صلبه ، إلاّ أنّه أسرف کثیراً فی الظلم والقسوه والإجرام بشکل ملفت للأنظار ، ویکفی للإلمام بجرائمه وقسوته ما کتبه ابن عبد ربّه فی العقد الفرید عن ذلک حیث قال :
إنّ المنصور کان یجلس ویُجلس إلى جانبه واعظاً ، ثمّ تأتی الجلاوزه فی أیدیهم السیوف یضربون أعناق الناس ، فإذا جرت الدماء حتّى تصل إلى ثیابه ، یلتفت إلى الواعظ ویقول : عظنی فإذا ذکّره الواعظ بالله ، أطرق المنصور کالمنکسر ثمّ یعود الجلاوزه إلى ضرب الأعناق ، فإذا ما أصابت
(۱) أبو العباس السفّاح : ۴۸ ، کما فی الشیعه والحاکمون : ۱۳۹ .
(۳۷)
الدماء ثیاب المنصور ثانیاً قال لواعظه : عظنی!!(۱) .
فماذا یا ترى یرید المنصور من قوله للواعظ : عظنی ، وماذا یعنی بإطراقه بعد ذلک وسکوته ، هل یرید الاستهزاء بالدین الذی نهى عن قتل النفس وسفک الدماء ، أو یرید شیئاً آخر؟! ولیت شعری أین کان المؤرّخون وأصحاب الکلمات الصادقه المنصفه من هذه المواقف المخزیه التی تقشعر لها الأبدان ، وهم یتحدّثون عن هذا الرجل الذی ما آلوا یشیدون بذکره ویمجّدون بأعماله ، وهلاّ تأمّل القرّاء فی سیره هذا الرجل لیدرکوا ذلک الخطأ الکبیر .
بلى إنّ هذا الرجل أسرف فی القتل کثیراً ، وکان للعلویین النصیب الأکبر ، وحصّه الأسد من هذا الظلم الکبیر .
یقول المسعودی : جمع المنصور أبناء الحسن ، وأمر بجعل القیود والسلاسل فی أرجلهم وأعناقهم ، وحملهم فی محامل مکشوفه وبغیر وطاء ، تماماً کما فعل یزید بن معاویه بعیال الحسین . ثمّ أودعهم مکاناً تحت الأرض لا یعرفون فیه اللیل من النهار ، وأُشکلت أوقات الصلاه علیهم ، فجزَّأوا القرآن خمسه أجزاء ، فکانوا یصلّون على فراغ کلّ واحد من حزبه ، وکانوا یقضون الحاجه الضروریه فی مواضعهم ، فاشتدّت علیهم الرائحه ، وتورّمت أجسادهم ، ولا یزال الورم یصعد من القدم حتّى یبلغ الفؤاد ، فیموت صاحبه مرضاً وعطشاً وجوعاً(۲) .
وقال ابن الأثیر : دعا المنصور محمّد بن عبد الله العثمانی ، وکان أخاً لأبناء الحسن من أُمّهم ، فأمر بشقّ ثیابه حتّى بانت عورته ، ثمّ ضرب مائه وخمسون سوطاً ، فأصاب سوط منها وجهه فقال : ویحک اکفف عن
(۱) العقد الفرید ۱ : ۴۱ .
(۲) مروج الذهب ۳ : ۳۱۰ ط سنه ۱۹۴۸ م .
(۳۸)
وجهی ، فقال المنصور للجلاّد : الرأس الرأس ، فضربه على رأسه ثلاثین سوطاً ، وأصاب إحدى عینیه
فسالت على وجهه ، ثمّ قتله ـ ثمّ ذکر ـ : وأحضر المنصور محمّد بن إبراهیم بن الحسن ، وکان أحس الناس صوره ، فقال له : أنت الدیباج الأصفر ، لأقتلنّک قتله لم أقتلها أحداً ، ثمّ أمر به ، فبنی علیه أُسطوانه وهو حیّ ، فمات فیها(۱) .
۳ ـ ثمّ ولی بعده المهدی ولد المنصور ، وبقی فی الحکم من سنه (۱۵۸هـ ) إلى سنه (۱۶۹هـ ) وکفى فی الإشاره إلى ظلمه للعلویّین ، أنّه أخذ علی بن العبّاس بن الحسن ابن علیّ بن أبی طالب ، فسجنه فدّس إلیه السمّ فتفسّخ لحمه وتباینت أعضاؤه .
۴ ـ ولمّا هلک المهدی بویع ولده الهادی ، وکانت خلافته سنه وثلاثه أشهر ، سار فیها على سیره من سبقه فی ظلم العلویین والتضییق علیهم ، وکفى فی الإشاره إلى ذلک ما ذکره أبو الفرج الإصبهانی فی مقاتل الطالبیین حیث قال :
إنّ أُمّ الحسین صاحب فخ هی زینب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علی بن أبی طالب ، قتل المنصور أباها وأُخوتها وعمومتها وزوجها علیّ بن الحسن ، ثمّ قتل الهادی حفید المنصور ابنها الحسین ، وکانت تلبس المسوح على جسدها ، لا تجعل بینها وبینه شیئاً حتّى لحقت بالله عزّ وجلّ(۲) .
۵ ـ ثمّ تولّى بعده الرشید سنه (۱۷۰هـ ) ومات (۱۹۳هـ ) وکان له سجّل
(۱) الکامل ۴ : ۳۷۵ .
(۲) مقاتل الطالبیین : ۲۸۵ ط النجف .
(۳۹)
أسود فی تعامله مع الشیعه تبلورت أوضح صوره فیما لاقاه منه الإمام موسى بن جعفر الکاظم _ علیه السلام _ ، وهو ما سنذکره لاحقاً إن شاء الله تعالى ، وإلیک واحده من تلک الأفعال الدامیه التی سجّلها له التأریخ ورواها الإصبهانی عن إبراهیم بن رباح ، قال : إنّ الرشید حین ظفر بیحیى بن عبد الله بن الحسن ، بنى علیه أُسطوانه وهو حیّ ، وکان هذا العمل الإجرامی موروثاً من جدّه المنصور(۱) .
۶ ـ ثمّ جاء بعده ابنه الأمین ، فتولّى الحکم أربع سنین وأشهراً ، یقول أبوالفرج : کانت سیره الأمین فی أمر آل أبی طالب خلاف من تقدّم لتشاغله بما کان فیه من اللهو ثمّ الحرب بینه وبین المأمون ، حتّى قتل فلم یحدث على أحد منهم فی أیّامه حدث .
۷ ـ وتولّى الحکم بعده المأمون ، و کان من أقوى الحکّام العباسیّین بعد أبیه الرشید . فلمّا رأى المأمون إقبال الناس على العلویّین وعلى رأسهم الإمام الرضا ، ألقى علیه القبض بحیله الدعوه إلى بلاطه ، ثمّ دسّ الیه السمّ فقتله .
۸ ـ مات المأمون سنه (۲۱۰هـ ) وجاء إلى الحکم ابنه المعتصم فسجن محمّد بن القاسم بن علیّ بن عمر بن علیّ بن الحسین بن علیّ بن أبی طالب إلاّ أنّه استطاع الفرار من سجنه .
۹ ـ ثمّ تولى الحکم بعده الواثق الذی قام بسجن الإمام محمّد بن علیّ الجواد _ علیه السلام _ ودسّ له السمّ بید زوجته الأثیمه أُمّ الفضل بنت المأمون .
۱۰ ـ وولی الحکم بعد الواثق المتوکّل ، وإلیک نموذجاً من حقده على آل البیت وهو ما ذکره أبو الفرج قال : کان المتوکّل شدید الوطأه على آل أبی طالب ، غلیظاً فی جماعتهم ، شدید الغیظ والحقد علیهم ، وسوء الظنّ
(۱) مقاتل الطالبیین : ۳۲۰ ، وروی فی مقتله أمر آخر .
(۴۰)
والتهمه لهم . واتّفق له أنّ عبید الله بن یحیى بن خاقان وزیره یسیء الرأی فیهم ، فحسَّن له القبیح فی معاملتهم ، فبلغ فیهم ما لم یبلغه أحد من خلفاء بنی العباس قبله ، وکان من ذلک أن کرب(۱) قبر الحسین وعفّى آثاره ، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا یجدون أحداً زاره إلاّ أتوه به وقتله أو أنهکه عقوبه .
وقال : بعث برجل من أصحابه (یقال له الدیزج وکان یهودیاً فأسلم) إلى قبر الحسین وأمره بکرب قبره ومحوه وإخراب ما حوله ، فمضی ذلک فخرّب ما حوله ، وهدم البناء وکرب ما حوله مائتی جریب ، فلمّـا بلغ إلى قبره لم یتقدّم إلیه أحد ، فأحضر قوماً من الیهود فکربوه ، وأجرى الماء حوله ، ووکل به مسالحَ ، بین کلّ مسلحتین میل ، لا یزوره زائر إلاّ أخذوه ووجّهوا به إلیه .
وقال أیضاً : حدّثنی محمّد بن الحسین الأشنانی : بَعُدَ عهدی بالزیاره فی تلک الأیّام ، ثمّ عملت على المخاطره بنفسی فیها ، وساعدنی رجل من العطّارین على ذلک ، فخرجنا زائرین نکمن النهار ونسیر اللیل ، حتى أتینا نواحی الغاضریّه ، وخرجنا نصف اللیل ، فصرنا بین مسلحتین ، وقد ناموا ، حتى أتینا القبر فخفی علینا ، فجعلنا نشمّه (نتسمه خ ل) ونتحرّى جهته حتّى أتیناه ، وقد قلع الصندوق الذی کان حوالیه ، وأُحرق وأُجری الماء علیه ، فانخسف موضع اللبن وصار کالخندق ، فزرناه وأکببنا علیه ـ إلى أن قال : ـ فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات فی عدّه مواضع ، فلمّـا قتل المتوکّل اجتمعنا مع جماعه من الطالبیین والشیعه حتّى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلک العلامات وأعدناه إلى ما کان علیه .
(۱) الکرب : إثاره الأرض للزرع .
(۴۱)
وقال أیضاً : واستعمل على المدینه ومکّه عمر بن الفرج ، فمنع آل أبی طالب من التعرّض لمسأله الناس ومنع الناس من البرّ بهم ، وکان لا یبلغه أنّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشیء وإن قلّ إلاّ أنهکه عقوبه ، وأثقله غرماً ، حتّى کان القمیص یکون بین جماعه من العلویات یصلّین فیه واحده بعد واحده ، ثمّ یرقعنه ویجلسن على مغازلهن عواری حواسر ، إلى أن قتل المتوکّل فعطف المنتصر علیهم وأحسن إلیهم بمال فرّقه بینهم ، وکان یؤثر مخالفه أبیه فی جمیع أحواله ومضادّه مذهبه(۱) .
۱۱ ـ وولّی بعده المنتصر ابنه ، وظهر منه المیل إلى أهل البیت وخالف أباه ـ کما عرفت ـ فلم یجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مکروه فیما بلغنا .
وأوّل ما أحدثه انّه لمّا ولّـی الخلافه عزل صالح بن علیّ عن المدینه ، وبعث علیّ بن الحسین مکانه فقال له ـ عند الموادعه ـ : یا علیّ إنّی أُوجّهک إلى لحمی ودمی فانظر کیف تکون للقوم ، وکیف تعاملهم ـ یعنی آل أبی طالب ـ فقلت : أرجو أن أمتـثل رأی أمیر المؤمنین ـ أیّده الله ـ فیهم ، إن شاء الله . قال : إذاً تسعد بذلک عندی(۲) .
۱۲ ـ وقام بعده المستعین بالأمر ، فنقض کلّما غزله المنتصر من البرّ والإحسان ، ومن جرائمه أنّه قتل یحیى بن عمر بن الحسین ، قال أبو الفرج :
وکان ـ رضی الله عنه ـ رجلا فارساً شجاعاً ، شدید البدن ، مجتمع القلب ، بعیداً من رهق الشباب وما یعاب به مثله ، ولمّا أُدخل رأسه إلى بغداد جعل أهلها یصیحون من ذلک إنکاراً له ، ودخل أبو هاشم على محمّد بن
(۱) مقاتل الطالبیین : ۵۹۷ ـ ۵۹۹ .
(۲) مقاتل الطالبیین : ۶۳۹ .
(۴۲)
عبد الله بن طاهر ، فقال : أیّها الأمیر ، قد جئتک مهنّئاً بما لو کان رسول الله حیّاً یُعزّى به .
وأُدخل الأُسارى من أصحاب یحیى إلى بغداد ولم یکن فیما رؤی قبل ذلک من الأُسارى أحد لحقه ما لحقهم من العسف وسوء الحال ، وکانوا یساقون وهم حفاه سوقاً عنیفاً ، فمن تأخّر ضربت عنقه .
قال أبوالفرج : وما بلغنی أنّ أحداً ممّن قتل فی الدوله العباسیّه من آل أبی طالب رثی بأکثر ممّا رثی به یحیى ، ولا قیل فیه الشعر بأکثر ممّا قیل فیه .
أقول : إنّ العباسیین قد أتوا من الجرائم التی یندى لها الجبین وتقشعرّ منها الجلود فی حقّ الشیعه بحیث تغصّ بذکرها المجلّدات الکبیره الواسعه ، بل وفاقوا بأفعالهم المنکره ما فعله الأُمویّون من قبل ، ولله درّ الشاعر حیث قال :
تالله إن کانت أُمیّه قد أتت * قتل ابن بنت نبیّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبیه بمثلها * هذا لعمرک قبره مهدوما
أسفوا على أن لا یکونوا شارکوا * فی قتله فتتبّعوه رمیما
ومن أراد أن یقف على سجلّ جرائم الدولتین (الأُمویه والعباسیه) وملفّ مظالمهم فعلیه قراءه القصائد الثلاث التی نظمها رجال مؤمنون مخلصون ، عرّضوا أنفسهم للمخاوف والأخطار طلباً لرضى الحقّ :
۱ ـ تائیه دعبل الخزاعی الشهید عام (۲۴۶هـ ) ، فإنّها وثیقه تأریخیه خالده تعرب عن سیاسه الدولتین تجاه أهل البیت ـ علیهم السلام ـ ، وقد أنشدها الشاعر للإمام الرضا ، فبکى وبکت معه النسوه .
أخرج الحموی عن أحمد بن زیاد عن دعبل الخزاعی قال : أنشدت
(۴۳)
قصیده لمولای علیّ الرضا ـ رضی الله عنه ـ :
مدارس آیات خلت من تلاوه * ومنزل وحی مقفر العرصاتِ
قال دعبل : ثمّ قرأت باقی القصیده ، فلمّا انتهیت إلى قولی :
خروج إمام لا محاله واقع * یقوم على اسم الله والبرکاتِ
فبکى الرضا بکاءً شدیداً .
ومن هذه القصیده قوله :
هُمُ نقضوا عهد الکتاب وفرضه * ومحکمه بالزور والشبهاتِ
تراث بلا قربى ، وملک بلا هدى * وحکم بلا شورى ، بغیر هداهِ
وفیها أیضاً قوله :
لآل رسول الله بالخیف من منى * وبالبیت والتعریف والجمراتِ
دیار علیّ والحسین وجعفر * وحمزه والسجّاد ذی الثفناتِ
دیار عفاها کلّ جون مبادر * ولم تعف للأیّام والسنواتِ
منازل کانت للصلاه وللتقى * وللصوم والتطهیر والحسناتِ
منازل وحی الله معدن علمه * سبیل رشاد واضح الطرقاتِ
منازل وحی الله ینزل حولها * على أحمد الروحاتِ والغدواتِ
إلى أن قال :
دیار رسول الله أصبحن بلقعا * ودار زیاد أصبحت عمراتِ
وآل رسول الله غُلَّتْ رقابهم * وآل زیاد غُلّظُ القصراتِ
(۴۴)
وآل رسول الله تُدْمى نحورهم * وآل زیاد زیّنوا الحجلاتِ
وفیها أیضاً :
أفاطم لو خلت الحسین مجدّلا * وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ
إذاً للطمتِ الخدّ فاطم عنده * وأجریت دمع العین فی الوجناتِ
أفاطم قومی یا ابنه الخیر واندبی * نجوم سماوات بأرض فلاتِ(۱)
۲ ـ میمیّه الأمیر أبی فراس الحمدانی (۳۲۰ ـ ۳۵۷هـ ) ، و هذه القصیده تعرف بالشافیه ، وهی من القصائد الخالده ، وعلیها مسحه البلاغه ، ورونق الجزاله ، وجوده السرد ، وقوّه الحجّه ، وفخامه المعنى ، أنشدها ناظمها لمّا وقف على قصیده ابن سکره العبّاسی التی مستهلّها :
بنی علیّ دعوا مقالتکم * لا یُنقص الدُّرَّ وضع من وضعه
قال الأمیر فی جوابه میمیّته المعروفه وهی :
الحقّ مهتضمٌ والدین مخترم * وفیء آل رسول الله مقتسمُ
إلى أن قال :
یا للرجال أما لله منتصرٌ * من الطغاه؟ أما لله منتقمُ؟
بنو علی رعایا فی دیارهم * والأمر تملکه النسوان والخدم!(۲)
۳ ـ جیمیّه ابن الرومی التی رثى بها یحیى بن عمر بن الحسین بن زید ،
(۱) لاحظ للوقوف على هذه القصیده : المناقب لابن شهر آشوب ۲ : ۳۹۴ ، وروضه الواعظین للفتّال النیسابوری : ۱۹۴ ، وکشف الغمّه للإربلیّ ۳ : ۱۱۲ ـ ۱۱۷ ، وقد ذکرها أکثر المؤرّخین .
(۲) نقلها فی الغدیر برمتها وأخرج مصادرها ، لاحظ ۳ : ۳۹۹ ـ ۴۰۲ .
(۴۵)
ومنها :
أمامک فانظر أیّ نهجیک تنهج * طریقان شتّى مستقیم وأعوج
ألا أی هذا الناس طال ضریرکم * بآل رسول الله فاخشوا أو ارتَجُوا
أکلّ أوان للنبیّ محمّد * قتیل زکیّ بالدماء مضرّج(۱)
وکم من الانصاف فیما کتبه الأصبهانی عن مدى العبء الذی تحمله أهل البیت وشیعتهم من أجل کلمه الحق ، وموقف الصدق ، وما ترتّب على ذلک من تکالب لا یعرف الرحمه من قبل الحکومات الجائره المتلاحقه للقضاء على هذا الوجود المقدّس واجتثاثه من أصله ، حیث ذکر :
«ولا یعرف التأریخ أُسره کأُسره أبی طالب بلغت الغایه من شرف الأرومه ، وطیب النجار ، ضلّ عنها حقّها ، وجاهدت فی سبیل الله حقّ الجهاد من الأعصار ، ثمّ لم تظفر من جهادها المریر إلاّ بالحسرات ، ولم تعقب من جهادها إلاّ العبرات ، على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم فی ساحه الوغى ، راضیه قلوبهم مطمئنه ضمائرهم ، وصافحوا الموت فی بساله فائقه ، وتلقّوه فی صبر جمیل یثیر فی النفس الإعجاب والإکبار ، ویشیع فیها ألوان التقدیر والإعظام .
وقد أسرف خصوم هذه الأُسره الطاهره فی محاربتها ، وأذاقوها ضروب النکال ، وصبّوا علیها صنوف العذاب ، ولم یرقبوا فیها إلاّ ولا ذمّهً ، ولم یرعوا لها
حقّاً ولا حرمه ، وأفرغوا بأسهم الشدید على النساء والأطفال ، والرجال جمیعاً ، فی عنف لا یشوبه لین ، وقسوه لا تمازجها رحمه ، حتّى غدت
(۱) مقاتل الطالبیین : ۶۳۹ ـ ۶۴۶ .
(۴۶)
مصائب أهل البیت مضرب الأمثال ، فی فـظاعه النکال ، وقد فجّرت هذه القسوه البالغه ینابیع الرحمه والمودّه فی قلوب الناس ، وأشاعت الأسف الممض فی ضمائرهم ، وملأت علیهم أقطار نفوسهم شجناً ، وصارت مصارع هؤلاء الشهداء حدیثاً یروى ، وخبراً یتناقل ، وقصصاً تقص ، یجد فیها الناس إرضاء عواطفهم وإرواء مشاعرهم ، فتطلّبوه وحرصوا علیه»(1) .
نعم ، لقد اقترن تأریخ الشیعه بأنواع الظلم والنکال ، والقتل والتشرید ، بحیث لم تشهده أیّ طائفه أُخرى من طوائف الم

Leave A Reply

Your email address will not be published.