الإمام الصادق (علیه السلام) یشهر سیف العلم!
ورغم الاختلاف فی سنه ولادته بین سنه ثمانین أو ثلاث وثمانین للهجره فقد عاصر الإمام الصادق (علیه السلام) الدولتین فی هذه المده الطویله: (مع جده وأبیه اثنتی عشره سنه , ومع أبیه بعد جده تسع عشره سنه, وبعد أبیه أیام إمامته أربعا وثلاثین سنه, وکان فی أیام إمامته بقیه ملک هشام بن عبد الملک, وملک الولید بن یزید بن عبد الملک , وملک یزید بن الولید . . . الناقص , وملک إبراهیم بن الولید وملک مروان بن محمد الحمار, ثم صارت المسوده ( لاتخاذهم شعار السواد) مع أبی مسلم سنه اثنتین وثلاثین ومئه فملک أبو العباس . . . الملقب بالسفاح , ثم ملک أخوه أبو جعفر الملقب بالمنصور وتوفی الصادق بعد عشر سنین من ملکه) (۱). . . ومهما یکن من أمر فلا بد من التوقف عند الحاله السیاسیه والاجتماعیه لتلک المرحله التی عایشها صادق أهل البیت (علیهم السلام) قبل الانتقال لمعرفه الحاله الفکریه ودور الصادق (علیه السلام).
الحاله السیاسیه العامه:
لقد آلت الخلافه الأمویه إلى مُلْک عضوض بعید عن الإسلام وأحکامه منذ العهد المبکر لمعاویه بن أبی سفیان .
ولقد بلغ ـ وکما هو معروف ـ من أمر حکام تلک الدوله أن حولوا (الخلافه) من موقع یقود الأمه الإسلامیه إلى الله , حولوه إلى موقع یقود الأمه إلى خدمه أهوائهم ومصالحهم وسلطانهم بشتى الوسائل غیر الشرعیه , من قتل ونهب وسبی وظلم وترف واستبداد , وذلک تحت ظلال الشعارات الإسلامیه الکبیره ! حتى أضحى القتل سنه , وأضحى التلاعب بالرؤوس بدعه مستساغه, لم یقف الأمر عند رؤوس الناس الأبریاء ورؤوس الثائرین على النظام الأموی الحاکم حتى تعداه لیتلاعب الحکام الأمویین برؤوس أهلهم وإخوتهم وبنی عمومتهم من الأمویین أیضا طمعا بسلطان أو خوفا من ضیاعه . . ولقد تفاقم الأمر کثیرا فی السنوات الأخیره للحکم الأموی وبالتحدید بعد وفاه هشام بن عبد الملک واستیلاء الولید على الخلافه ثم مقتله وما حدث من فتن واضطرابات واهتزاز لأرکان الحکم الأموی ولحبل بنی مروان حتى حکم آخر ملوکهم (مروان الحمار) وانتصار الحرکه العباسیه علیهم فی خراسان والعراق(۲).
فآخر عهد بنی أمیه وبنی مروان إذا کان عهد فتن واضطرابات وثورات تضاف إلى حاله تهتک سیاسی وخلقی بلغ حدا من الاستهتار والسقوط تخجل منه صفحات التاریخ الإسلامی نفسها حتى بلغ الأمر بالطبری فی تاریخه إلى أن یقول: ( ترکت الأخبار الوارده عنه (الولید) بذلک کراهه إطاله الکتاب بذکرها ) وعبر أخوه عنه بعد قتله : (بعدا له ! أشهد أنه کان شروبا للخمر , ماجنا فاسقا . . .)(۳) .
ولم تکن بدایه دوله بنی العباس إلا مرحله أخرى من الحروب والاضطرابات والثورات والعملیات العسکریه المتنقله للقضاء على آخر ذیول الحکم البائد وتثبیت المواقع السیاسیه والعسکریه للعهد الجدید . ویلازم ذلک بالطبع ـ مع عدم قداسه الغایه ـ البطش بکل مکامن الخطر ورموز المحتملین على الدوله الفتیه فی المدیین القریب والبعید . وهو هنا الخطر الشیعی العلوی على الدوله التی قامت وانتصرت فی ظل شعار دغدع مشاعر الناس خصوصا الخراسانیین (الدعوه للرضا (أو للرضى) من أهل البیت) (۴).
ولذلک فقد کان یرى العباسیون أن المنافس الأساسی لهم بعد عدوهم المشترک (بنی أمیه) هم أبناء عمهم العلویون من أبناء الحسن والحسین وخصوصا فی شخصیه جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) ومحمد بن عبد الله بن الحسن المثنى الذی کان قد بایعه السفاح والمنصور فی عهد بنی أمیه (۵) و(یروی ذلک مرتین).
ومما لا شک فیه أن الوضع السیاسی والعسکری المضطرب والمتردی یترک أثره الخطیر على الجوانب الاجتماعیه والاقتصادیه والفکریه والدینیه أیضا , فعدم انسجام الناس الکلی مع حکامهم إلا بالترهیب والترغیب , وکثره الفتوحات الإسلامیه فی هذا القرن الهجری الأول, أدیا معا إلى اضطراب وتداخل فکری خطیر تناول الجوانب الفقهیه والعقلیه والروائیه والتفسیریه المفهومیه الإسلامیه وغیرها.
الحاله الفکریه والعلمیه:
لقد بقی الحکام الأمویون غیر منسجمین ولا مهتمین أصلا بالقضایا الفکریه العلمیه والأدبیه إلا بما یخدم سلطانهم ویثبت زعامتهم , ولذ خلا العقد الأموی فی غالبه من نمو وتطور للفکر والعلم الدینی وغیره, إلا أن الفتوحات الإسلامیه التی أدخلت عناصر جدیده غیر عربیه وغیر مسلمه إلى الإسلام أحوجت المسلمین الجدد والمترجمین إلى البدء بأعمال التدریس والتعلیم ,وبدأت حرکه الترجمه عن الیونانیه والفارسیه وغیرهما. . فانصرف الناس عن الحکام وانشغل الحکام الأمویون بأنفسهم وبسلطانهم فی آخر عهدهم کما أشرنا فبرزت بوادر نهضه فکریه وعلمیه وحرکه فلسفیه خطیره ولذا فإن: ( الحرکه العلمیه , والمذاهب الدینیه , والنظم الاجتماعیه فی آخر الدوله الأمویه أرقى من أولها . . . ) (۶) و ( قد ساعد على التحرک الفکری السریع فی مطلع الدوله العباسیه قیام الفتره مابین الدولتین التی حررت الفکر من رقابه الحکم وقیوده , بتأثیر انصراف الحکم لترمیم مواقعه فی محاوله لاستعاده السیطره الشامله . . . )(۷) .
ولقد تلخصت خطوات الحرکه الفکریه عامه فی تلک الحقبه الزمنیه بالأمور التالیه:
۱ـ بدء حرکه الترجمات المختلفه وإدخالها مواضیع جدیده وخطیره على المجتمع الإسلامی.
۲ـ إقبال المسلمین الجدد إلى التعرف على الإسلام والقرآن وتعلمه ومعرفه أسراره ومعانیه وبالتالی استدعاء ذلک لوجود علماء وقراء.
۳ـالبدء بمرحله تدوین الحدیث ,بعدما داخله التشویه والدس خصوصا فی العصر الأموی ومن ثم بُعد الشقّه عن مرحله الإسلام فی سنیه الأولى.
۴ـ کثره المحدثین والرواه حیث امتدت الحرکه العلمیه لتشمل سائر الحواضر الإسلامیه الکبرى فی انطلاقه فریده(۸).
۵ـ انتشار الفلسفه بمواضیعها وشخصیاتها ومفاهیمها ومصطلحاتها الجدیده: ( ولا مشاحه أن انتشار العلم فی ذلک الحین, قد ساعد على فک الفکر من عقاله , فأصبحت المناقشات الفلسفیه عامه فی کل حاضره من حواضر العالم الإسلامی . . . )(۹) ولا نغفل هنا عن أن الحکام العباسیین ـ بخلاف الحکام الأمویین ـ قد نشأوا فی بیت علمی عریق حیث یعود نسبهم إلى عبد الله بن عباس المشهور بأنه حبر هذه الأمه , ویعنی ذلک تشجیعهم لحرکه العلم والفکر الدینی بالأساس ولو کان ذلک لغایات فی نفوس العباسیین . . .
دور الإمام الصادق (علیه السلام):
أمام هاتین الحالتین الخطیرتین للأمه الإسلامیه فی المرحله التی عاشها صادق أهل البیت (علیهم السلام) کان لا بد من موقف واضح وحاسم وحازم یتخذه الصادق (علیه السلام) على الصعید الفکری والعملی . . .
أولا: موقفه من السلطه:
أدرک الإمام الصادق (علیه السلام) أن الظروف السیاسیه والعسکریه والاجتماعیه المحیطه به لم تکن لتساعده لقیام بأی ثوره أو انتفاضه عسکریه أو سیاسیه وهو قد رأى وعلم ما جرى لجده الحسین (علیه السلام) وقبله لأخیه الحسن (علیه السلام) ولأبیهما علی(علیه السلام) وما جرى بعد ذلک من تجدید للموقف العاطفی والانفعالی مع عمه زید بن علی (علیه السلام) حیث أیده المحبون لأهل البیت ثم خذلوه کما خذلوا أجداده , وأدرک أیضا أن أی ثوره قد تنتهی لا بفشل صاحبها فقط وإنما بضیاع الخط والرساله والمذاهب أیضا , ولذا فقد کان یعلم وهو وریث الأوصیاء , بفشل حرکه ابن عمه محمد بن عبد الله المحض, وأدرک کذلک أن المرحله تقتضی منه کما اقتضت من أبیه الباقر (علیه السلام) شق طریق العلم وسبر أغواره وتبیان خفایاه ورسم معالمه . ومن أجل ذلک أی لعدم توفر الظروف لثوره محتمه النصر والفوز, ولعدم وجود بدیل آخر إن هو قتل لیؤدی الدور العلمی الأساسی المطلوب فی تلک المرحله , وحیث إن السلطان والثوره وسائل لخدمه الدین فمع تعسرهما هناک الوسائل الأخرى المهیأه لخدمه دین الله , وهذا ما وجده وقام به الإمام الصادق (علیه السلام) خیر قیام . . . وهو ما سنشیر إلیه بعد قلیل .
ثانیاً: من مواقفه الجریئه:
وقبل الحدیث عن الجهاد العلمی والفکری للإمام الصادق (علیه السلام) لا بد من الإشاره والتوقف عند شجاعه وجرأه الإمام الصادق (علیه السلام) فی مواقف شهد له التاریخ بها . . . نشیر لبعضها حتى لا تذهبن المذاهب والأهواء بأفکار أحد , فمن ذلک:
أ) حکمه بسیطه واجه بها المنصور العباسی عندما تسلط علیه الذباب بشکل متکرر فتضایق المنصور وسأل الصادق: لأی شیء خلق الله الذباب؟ فکانت وبشکل غیر مباشر کلمه حق فی وجه سلطان جائر: (( لیذل به الجبارین )) (۱۰).
ب) موقفه من والی المنصور على المدینه شیبه بن غفال الذی مدح الخلیفه وأهل بیته وشتم علیا وأهل بیته (علیهم السلام) من على منبر مسجد النبی (صلى الله علیه وآله) فکان مما قاله الصادق (علیه السلام) : (( أما ما قلت من خیر فنحن أهله وما قلت من سوء فأنت وصاحبک (المنصور) به أولى , فاختبر یا من رکب غیر راحلته وأکل غیر زاده , ارجع مأزوراً )) (۱۱).
ت) کلامه للمنصور فی مجلسه بعد أن قصد إحراجه بکلمات فکان الرد الحاسم من الإمام الصادق (علیه السلام) : (( أنا فرع من فرع الزیتونه , وقندیل من قندیل بیت النبوه , وأدیب السفره وربیب الکرام البرره , ومصباح من مصابیح المشکاه التی فیها نور النور وصفوه الکلمه الباقیه فی عقب المصطفین إلى یوم الحشر )) وکان من جواب المنصور: ( . . . هذا الشجى المعترض فی حلوق الخلفاء . . . ) (۱۲).
ث) کان مما یُعلم به الامام الصادق (علیه السلام) أصحابه رفض الارتباط بالسلطان الظالم بأی نوع من أنواع الارتباط , ولم یرد عن الصادق(علیه السلام) حضوره عند حاکم إلا عندما کان یستدعیه هؤلاء بالقوه إلى قصورهم , کما فعل به السفاح المنصور حین استقدماه مرات عدیده من المدینه إلى العراق , وکان مما یقول لأصحابه :(( إن أعوان الظلمه یوم القیامه فی سرادق من نار حتى یحکم الله بین العباد. . .)) (۱۳). ورد على المنصور مره یقوله : ((. . . من أراد الدنیا لا ینصحک ومن أراد الآخره لا یصحبک . . .)) (۱۴).
ج) إن علاقه الامام الصادق (علیه السلام) بالحکام ـ العباسیین بالخصوص ـ کان علاقه الند للند , فلم یؤثر عنه مبایعته لأحد منهم , ولم یوجس منهم خیفه أبدا ولم یخضع لهم أو یهن أمامهم بل ظلت العلاقه سلبیه خصوصا من جانبهم خوفا من دوره وخطره علیهم ومعرفتهم بحقه وفضله ودوره بین الناس , ولذا لم یتجرأوا على قتله علنا بل دس له المنصور السم سرا حتى استشهد , ولقد هم المنصور بقتله غیر مره فکان إذا بعث إلیه ودعاه لیقتله نظر إلیه وهابه ولم یقتله (۱۵) , ولقی جعفر بن محمد أبا جعفر (المنصور) : فقال : ((. . . رد علی قطیعتی عین أبی زیاد آکل من سعفها )) , قال : إیای تکلم بهذا الکلام ! والله لأزهقن نفسک (۱۶) .
وقال مره للمنصور: (( إنه لم ینل أحد منا أهل البیت دما إلا سلبه الله ملکه, فغضب لذلک واستشاط . . . )) (۱۷) وهناک موقف أخرى کثره تدل على شجاعته وجرأته واستعداده للجهاد لو کانت هناک إمکانیه وظروف مهیأه.
ثالثاً: الدور العلمی الأساسی للصادق(علیه السلام):
قبل التطرق إلى الجوانب الأساسیه فی دور الإمام الصادق (علیه السلام) الفکری نقتطف بعض الأقوال والشواهد على أهمیه دوره وموقعه ونشاطه العلمی آنذاک .
لقد کان الإمام الصادق (علیه السلام) (یمثل العقیده الدینیه التی یقاس بفضائها عمل الحکام فی الإسلام . . . وهو بوجه خاص حجر الزاویه من صرح (أهل البیت) . . . وهو مقیم فی المدینه . . . یتخلق فیها المتفقهه , حول علماء الإسلام فی مسجد الرسول . . . )(۱۸) و( ینقل عن الصادق من العلوم ما لا ینقل عن أحد , وقد جمع أصحاب الحدیث أسماء الرواه من الثقاه (الذین حدّثوا عنه على اختلافهم فی الآراء والمقالات , وکانوا أربعه آلاف رجل )(۱۹) و( لا یفوتنا أن نشیر إلى أن الذی تزعم تلک الحرکه هو . . . المسمى بالإمام الصادق . . . وهو رجل رحب أفق الفکر, بعید أغوار العقل , ملم کل الإلمام بعلوم عصره , ویعتبر فی الواقع أنه أول من أسس المدارس الفقهیه المشهوره فی الإسلام , ولم یکن یحضر حلقته العلمیه أولئک الذین أصبحوا مؤسسی المذاهب الفقهیه فحسب , بل کان یحضرها طلاب الفلسفه والمتفلسفون من الأنحاء القاصیه )
(20) ولقد : ( أدرکت فی هذا المسجد ـ یعنی الکوفه ـ تسعمائه شیخ کل یقول : حدثنی جعفر بن محمد . . . ) (۲۱).
ولقد نقل عن ابن خلدون قوله: (ولو صح السند إلى جعفر الصادق لکان نعم المستند من نفسه أو من رجال قومه . فهم أهل الکرامات وقد صح أنه کان یحذر بعض قرابته بوقائع تکون لهم فتصبح کما یقول ) (۲۲) وعن تلامذه الصادق ینقل 🙁 کان تلامیذ الصادق مدونین کباراً . . . ومن بعد وفاه الصادق فی عام ۱۴۸دوّن أربعه آلاف من التلامیذ فی کل علومه ومن جملتها ما یسمى بالأصول الأربعمائه . . . وتلامیذ الصادق المشهورون . من کبار أهل السنه أشیاخ لفقهاء فی جمیع المذاهب . . . وشرفوا بالروایه عنه , ووقفت المذاهب الأربعه موقف الإجلال له . . . )(۲۳) .
وعن زمان الإمام الصادق (علیه السلام) ینقل : ( وقد ظهرت فجأه حرکه علمیه غیر عادیه والأرض تهیأت لأن یعرض کل إنسان ما یملک من أفکار ) و ( برزت . . . سوق لمعرکه عقائدیه حامیه ) و ( شرع فی البحوث حول تفسیر القرآن وقراءه آیاته ) و (. . . ظهرت طبقات منتشره . . . باسم الفقهاء ) و ( کل هؤلاء قد واجههم الإمام (علیه السلام) وصادفهم ) وقد ذکر الجاحظ عن الصادق (علیه السلام) : ( جعفر بن محمد الذی ملأ الدنیا علمه وفقهه ) (۲۴).
نکتفی عزیزی القارئ بما نقلنا عن مصادر مختلفه لنکشف أهمیه الدور الفکری والعلمی الریادی للصادق(علیه السلام).
ولا شک أن الخطوات التی سعى الصادق (علیه السلام) بها لتأدیه دوره الأساسی لم تقتصر على أسلوب واحد فی تبلیغ رساله جده (صلى الله علیه وآله) , بل لم یترک الصادق (علیه السلام) فرصه سائحه ولا وسیله , ممکنه أو مناسبه إلا واتبعها لتحقیق لک الغرض . ویکفینا دلیلا على ذلک مناظراته مع العلماء ومع المبتدعین من الزنادقه والملحدین والمشککین بدین الله , وجلساته الوعظیه والتبلیغیه من على منبر جده (صلى الله علیه وآله) لیعلم الناس علوم الإسلام والقرآن من فقه وروایه وحدیث وتفسیر وبیان وأخلاق وعرفان , وکل ما یحتاجه المسلم فی حیاته ,إلى إرشاداته العلمیه المحضه کالطب والکیمیاء وغیرهما مما علمه بعض تلامذته فبرع به واشتهر کهشام بن الحکم وجابر بن حیان وغیرهما کثیر. فیمکننا إذا مما تقدم من الأخبار وغیرها من الأحادیث التی تبدی الإعجاب , استنتاج النقاط التالیه عن الصادق (علیه السلام) دوره وعصره وشخصیته:
۱ـ شخصیه الصادق (علیه السلام) المرموقه عند کل المسلمین واحترامهم وتقدیرهم له.
۲ـ إن الصادق (علیه السلام) ما کان لیؤدی هذا الدور لکونه شخصیه عادیه ولا لکونه صاحب مذهب نسب إلیه . . . وإنما هو حلقه فی سلسله الأئمه الاثنی عشر المعصومین (علیهم السلام). ولو نسب له المذهب الجعفری فإن النسبه مجازیه لأنه أکمل دور آبائه وأجداده.
۳ـ إن الصادق (علیه السلام) بحر من العلوم بمختلف أنواعها, ولذا کانت الروایات المستفیضه عن تعلیمه ومناظراته ورسائله فی مختلف المجالات.
۴ـ لم یقتصر دور الصادق (علیه السلام) العلمی على تلامذته من أتباع مذهبه , وإنما کان همه إیصال الفکر الرسالی إلى الأمه جمعاء.
۵ـ إن فضله العلمی البارز لواضح من حاجه الکل إلیه واستغنائه عن الکل , فلم یتتلمذ الصادق عند أحد من علماء عصره سوى ما أخذه عن أبیه الباقر وجده زین العابدین(علیهم السلام).
۶ـ إن روایته کانت عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) مباشره دون أن یحتاج لأن یسأل عن السند لأن السند فی الروایات (إن احتاج إلى سند) هم آباؤه المعصومون , أبوه محمد عن جده زین العابدین عن الحسین عن علی أو الزهراء عن رسول الله (صلى الله علیه وآله).
۷ـ إن الصادق (علیه السلام) قد أمر بتدوین الحدیث فکان بحق أول من أمر بالتدوین (۲۵).
۸ـ لقد أعاد الصادق (علیه السلام) بدوره العلمی والفکری ـ وإکمالا لنهج أبیه الباقر ـ الاعتبار لموقعیه أئمه أهل البیت (علیهم السلام) ودورهم الطبیعی فی الحیاه الإسلامیه العامه بعد فتره من الظلم والاضطهاد والإجحاف والأبعاد والإلقاء امتدت طیله العقد الأموی (کما تجددت محاولات أخرى قام بها العباسیون لإلغاء دورهم لاحقاً).
وبالخلاصه: جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) علم آخر من أعلام الهدى , قاد سفینه النجاه فی بحر الفتن رغم تلاطم أمواج الظلم والاستبداد والانحراف عند الحکام والضیاع عند الأمه المسلمه . وقف صادحا بالحق من على منبر جده (صلى الله علیه وآله) مجاهدا بالکلمه شاهدا على الأمه والحکام , غیر بعید عن الجهاد , مُلقیا الحجه لیسقط شهیدا آخر مع قافله الشهداء الأولیاء بسم دسه إلیه المنصور ظنا منه أنه یخرس صوت الحق , ولکن المنصور رغم ذکائه غفل عن أن الحق لا یقتله السم . . . رحل الصادق (علیه السلام) إلى ربه بعد أن أدى الأمانه وقال بصدق: (( الحمد لله الذی لم یخرجنی من الدنیا حتى بینت للناس جمیع ما تحتاج إلیه )) (۲۶).
عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام):
(( لًوددتُ أن أصحابی ضربت رؤوسهم بالسیاط حتى یتفقهوا فی الحلال والحرام ))
(( لیس الإیمان بالتحلی ولا بالتمنی , ولکن الإیمان ما خلص فی القلوب , وصدقته الأعمال )).
(( حجه الله على العباد , النبی , والحجه فیما بن العباد وبین الله , العقل )).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ـ راجع بحار الأنوار/ العلامه المجلسی/ج۴۷/ ص۶/ ط مؤسسه الوفاء/ بیروت/۱۹۸۳م-۱۴۰۳هـ/ راجع کذلک الطبری/ تاریخ الأمم والملوک / محمد بن جریر / ط دار سویدان/ بیروت/ج۷/ص۲۳-۲۴/ دون ذکر تاریخ الطبعه ولا رقمها.
۲ـ راجع بالتحدید تاریخ الطبری بخصوص زوال الحکم الأموی بدءا بأحداث سنه ۱۲۶هـ وما بعده
۳ـ المصدر نفسه ص۲۳۰ و۲۵۱٫
۴ـ راجع المصدر نفسه فی الخبر عن دعاه بنی العباس والتقائهم بـ ((الشیعه )) فی خرا سان واستلام أموال الخمس والزکاه منهم ,والدعوات لثأر للمظلومین من أهل البیت کالإمام الحسین وزید ویحیى وغیرهم. . . ص۳۰-۴۹-۸۸-۱۰۷-۱۰۹-۱۴۱-۱۹۸-۳۲۹-۳۴۴-۳۵۳-۳۶۰-۳۶۶- وغیرها.
۵ـ راجع فی هذا الموضوع سیره الأمه الأطهار/ مرتضى مطهری/ ترجمه مالک س وهبی / ط دار الهادی/ بیروت ۱۹۹۱م/ ص۱۰۹٫
۶ـ ضحى الإسلام/ أحمد أمین/ ج۱ص۲-۳٫
۷ـ الإمام الصادق نفسه / خصائصه / ممیزاته/ محمد جواد فضل الله / ط ۱۹۸۱م/ دار الزهراء/ بیروت / ص۱۸۸٫
۸ـ المصدر نفسه/ ص۱۲۶٫
۹ـ مختصر تاریخ العرب / السید میر علی الهندی / ص۱۷۹٫
۱۰ـ راجع البحار/ مصدر سابق/ ص۱۶۶٫
۱۱ـ المصدر نفسه / ص۱۶۵وکذلک :مجالس الشیخ الطوسی / المجلس الثانی.
۱۲ـ المصدر نفسه/ ص۱۶۷٫
۱۳ـ راجع فی هذا الروایات کتاب الکافی للکلینی ج۵/ ص۱۰۶-۱۰۷
۱۴ـ البحار/ مصدر سابق / ص۱۸۴,
۱۵ـ المصدر نفسه / ص۱۸۰٫
۱۶ـ الطبری/ مصدر سابق/ ص۶۰۳٫
۱۷ـ الکافی للکلینی / کتاب الدعاء/ باب الدعاء للکرب والهم والحزن.
۱۸ـ الإمام جعفر الصادق/ المستشار عبد الحلیم الجندی / مطابع الأهرام التجاریه / القاهره/ ط۱۹۷۷م/ ص۶۳,
۱۹ـ البحار/مصدر سابق/ ص۲۸٫
۲۰ـ مختصر تاریخ العرب /الهندی/ص۱۷۹٫
۲۱ـ الإمام الصادق/ فضل الله / مصدر سابق/ ص۱۲۹٫
۲۲ـ الإمام جعفر الصادق/ الجندی/ مصدر سابق/ ص۲۰۶٫
۲۳ـ المصدر نفسه/ص۲۰۷-۲۴۴-۲۳۵۰۰٫
۲۴ـ سیره الأئمه الأطهار /المطهری/ص۱۰۹-۱۱۴-۱۲۰-۱۲۴-۱۲۵-۱۲۶٫
۲۵ـ الإمام جعفر الصادق/ الجندی / ص۲۰۶-۲۰۷٫
۲۶ـ المصدر نفسه/ ص۳۶۷