الشیعه و العدل

0

اتّفق المسلمون على أنّه سبحانه عادل لا یجور، غیر انّ الشیعه اعتمدت فی حکمها هذا على البرهان العقلی کما سیوافیک بیانه، واعتمدت السنّهُ فی وصفه بالعدل على السمع، حیث یصفه القرآن الکریم بکونه قائماً بالقسط، قال سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ والمَلائِکَهُ وأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ) (۱)
والاختلاف فی مصدر عدله نابع عن الاختلاف فی مسأله أُخرى وهی مسأله التحسین والتقبیح العقلیین أو الشرعیین، فذهبت الشیعه الاِمامیه إلى أنّ العقل قادر على أن یدرک حسنَ الاَفعال وقبحها، ویستقلَّ بالبعث إلى الفعل الحسن، والزجرِ عن الفعل القبیح، کالعدل والظلم فکل إنسان إذا جرّد نفسه عن کل شیء یرى فی صمیم ذاته حسنَ الاَول وقبحَ الثانی، ومثله مجازاه الاِحسان بالاِحسان أو بالسوء، والعمل بالمیثاق ونقضه فیستقلّ بحسن الاَولیین وقبح الاَخیریین ولاَجله قالوا بأنّ التحسین والتقبیح عقلیان لا شرعیان.
ولو حکم الشارع بحسن شیء أو قبحه فقد حکم العقل به قبله، لاَنّه رسول باطنی، وحکم الشرع موَکّد لحکم العقل ولیس حکماً تأسیسیاً.
هذا هو موقف الشیعه فی مسأله التحسین والتقبیح العقلیین وعلى ذلک بنت أُصولاً کلامیه لا تقبل النقاش، وإلیک تلک الا َُصول:
__________________
۱٫ آل عمران: ۱۸٫
(۲۷)
۱ـ لا جبر ولا تفویض:
طرحت مسأله الجبر والتفویض فی أواسط القرن الاَوّل بین المسلمین فصاروا إلى أقوال وأوجدت فجوه سحیقه بین المسلمین ولم تزل آثارها إلى یومنا هذا.
فمن قائل بالجبر وانّه سبحانه هو الخالق لفعل الاِنسان والموجد له ولیس للاِنسان أیّ دور فی أفعاله وأعماله، وإنّما هو ظرف لظهور إرادته سبحانه فی أعماله وأفعاله.
وإنّما ذهب القائل إلى هذا القول لاَجل أنّه فسّـر التوحید بالخالقیه بالمعنى الباطل وزعم أنّ معناه سلب الاَثر عن العلل والعوامل الطبیعیه، وعند ذاک یتجلّـى الاِنسان فی مجال الاَفعال کالظرف لیس له دور ولا تأثیر فی أفعاله وأعماله.
ولا شک أنّ تفسیر التوحید بالخالقیه بهذا المعنى باطل، لما عرفت من تصریح الذکر الحکیم بدور العلل الطبیعیه فی نمو الاَزهار والاَشجار ـ مضافاً إلى أنّ القول بالجبر ینافی عدله سبحانه ـ فکیف یکون هو الخالق لعمل الاِنسان ولا یکون له دور فیه، لکن هو المسوَول عن العمل؟!
إنّ للقول بالجبر سبباً آخر وهو تفسیر القضاء والقدر ـ الذی لا غبار فی صحتهما ـ بالمعنى السالب للاختیار عن الاِنسان، وسیوافیک أنّ القضاء والقدر حقّ ولکنّهما لا یسلبان الاختیار عن الاِنسان.
فهذا وذاک صارا سببین لنشوء القول بالجبر بین کثیر من المسلمین حیث صیّـرهم مکتوفی الاَیدی أمام الحوادث والطوارىَ.
فکما أنّ الجبر یخالف عدله سبحانه فکذلک التفویض ینافی توحیده، لاَنّ
(۲۸)
معنى القول بالتفویض کون الاِنسان مستقلاً فی فعله وعمله عن اللّه سبحانه، وبذلک یصبح العمل إلهاً ثانیاً لاستغنائه عن اللّه، مضافاً إلى أنّه کیف یمکن الجمع بین فقر الاِنسان فی ذاته، وغناه فی فعله عنه مع أنّ الفعل أثر الذات، والفعل متوقّف على ذات الفاعل وهو الواجب مفیض الوجود، فیکون الفعل ـ بالتالی ـ متوقفاً على الواجب؟
والصحیح أنّه لا جبر ولا تفویض بل أمر بین أمرین، ومعناه أنّ الاِنسان فی فعله یعتمد على قدرته سبحانه ومواهبه فبذلک یکون للواجب دور فی عمله، وبما أنّه إنسان موجود مختار فی أعمال القدره والسلطنه فی أیّ جانب من جوانب حیاته، یکون هو المسوَول عن عمله لا غیره فالعمل نتاج المواهب الاِلهیه وإعمال السلطنه من ناحیه العبد. ولتقریب ذلک المعنى أمثله کثیره مسطوره فی الکتب الکلامیه.
۲ـ التکلیف بما لا یُطاق أمر غیر جائز:
إذا قلنا بأنّه سبحانه عادل لا یجور فلا یصحّ على الحکیم تکلیف العبد فوق قدرته، و قولنا إنّه لا یصحّ للّه سبحانه ذلک النوع من التکلیف لا یعنی تحکیم فکرتنا وإرادتنا على اللّه سبحانه بل معناه إنّا نستکشف من التدبر فی صفاته سبحانه وهو کونه حکیماً لا یعبث، وعادلاً لا یجور، إنّه لا یکلّف إنساناً إلاّ بما فی وسعه وقدرته، قال سبحانه: (لا یُکلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها) (۱)
۳ـ أفعاله سبحانه معلّله بالاَغراض:
اتفقت الشیعه ـ بما أنّه سبحانه حکیـم لا یعبث ـ على أنّ أفعاله معلّلـه بالاَغراض، ومعنى ذلک أنّ فعله لا ینفکّ عن الغرض، ولیس الغرض غرضاً
______________
۱٫ البقره: ۲۸۶٫
(۲۹)
للفاعل وإنّما هو غرض لنفس الفعل، وکم فرق بین کون الغرض عائداً إلى الفاعل، وبین کون الفعل غیر خال عن الغرض، ومقتضى الحکمه هو الثانی، أی عدم خلو فعله عن الغرض، ومقتضى غناه وکماله المطلق عدم عود الغرض إلى الفاعل.
وأظنّ أنّ النزاع بین الشیعه وأهل السنّه لفظیّ، فإنّ أهل السنّه ینفون أن یکون له سبحانه غرض فی فعله یستکمل به ذاته والشیعه أیضاً یوافقونهم على ذلک ویقولون بأنّه سبحانه هو فوق الکمال ومن هو بهذه المکانه أسمى من أن یطلب غرضاً یستکمل به.
ولکنّ الشیعه تعتقد أنّ الغرض لا ینحصر بالغرض العائد إلى الفاعل بل هناک قسم آخر یخرج به الفعل عن العبثیه ویضفی علیه وصف الحکمه ویکون غرضه سبحانه عائداً إلى المکلّفین، وهذا ما یتراءى من الذکر الحکیم فی موارد مختلفه ویقول: (سَخَّرَ لَکُمْ ما فی السَّمواتِ وما فی الاَرض) (۱)
فإنّ خلق السماوات والاَرض لم یکن عبثاً، قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقناکُمْ عَبَثاً وأنَّکُمْ إلَینا لا تُرجَعُونَ) (۲)
وقال سبحانه: (وما خَلَقْنا السَّمواتِ والاَرْضَ وما بَیْنَهُما لاعِبِینَ) (۳)
۴ـ القضاء والقدر لا یسلبان الاختیار :
إنّ القضاء والقدر من المفاهیم الاِسلامیه الوارده فی الکتاب والسنّه، قال سبحانه: (ما أصابَ مِنْ مُصِیبَهٍ فی الاَرضِ ولا فی أنْفُسِکُمْ إلاّ فی کِتابٍ مِنْ قَبلِ أن
_____________________
۱٫ لقمان: ۲۰٫
۲٫ الموَمنون: ۱۱۵٫
۳٫ الدخان: ۳۸٫
(۳۰)
نَبْـرأَها إنّ ذلکَ على اللّهِ یَسیرٌ ) (۱)
وفی السنّه النبویه وأحادیث العتره الطاهره تصریحات بالقضاء والقدر ، وهذا ممّا اتّفق علیه المسلمون وإنّما الکلام فی تفسیرهما.
إنّ الیهود ممّن غالت فی التقدیر حتى جعلته إلهاً ثانیاً إلى حدٍّ لیس للّه سبحانه تغییر قضائه وقدره، یقول سبحانه حاکیاً عنهم: (وقالَتِ الیَهودُ یَدُ اللّهِ مَغلولَهٌ غُلَّتْ أَیْدِیهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالوا بَلْ یَداهُ مَبْسُوطَتانِ یُنْفِقُ کَیفَ یَشاءُ …) (۲)
فَمن أراد تفسیر القضاء والقدر على نحو یسلبان الاختیار عن الاِنسان فقد وقع فی متاهات الجبر فالاِیمان بالقضاء والقدر یجب أن یکون بنحوٍ لا یسلب عن الاِنسان اختیاره قال سبحانه: (وقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّکُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْیُوَْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْیَکْفُرْ ) (۳) وقال سبحانه: (إنّا هَدَیناهُ السَّبیلَ إمّا شاکِراً وإمّا کَفُوراً) (۴)
إنّ تقدیره وقضاءه سبحانه یختلف حسب اختلاف الفاعل، فلو کان الفاعل فاعلاً موجَباً کالنار بالنسبه إلى الحراره، وسقوط الحجر على الاَرض فقد قدَّر وقضى بصدور الفعل عن الفاعل عن جبر و اضطرار، وأمّا إذا کان الفاعل فاعلاً مختاراً ومسوَولاً أمام اللّه فقد قدَّر وقضى على صدور فعله منه عن إراده واختیار.
فالتقدیر والقضاء عند الشیعه یخالفان الجبر ویوَیدان الاختیار قال سبحانه: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِینَهٍ أو تَرکْتُموها قائِمهً على أُصُولِها فَبإِذنِ اللّهِ وَلِیُخْزِیَ الفاسِقِینَ)(۵).
_____________________
۱٫ الحدید: ۲۲٫
۲٫ المائده: ۶۴٫
۳٫ الکهف: ۲۹٫
۴٫ الاِنسان: ۳٫
۵٫ الحشر: ۵٫
(۳۱)
۵ ـ تعذیب البریء مخالف لعدله:
اتّفقت الشیعه على أنّه لا یجوز سبحانه أن یعذّب أطفال الکفّار یوم القیامه، وذلک أنّ تعذیبهم بغیر جرم اقترفوه مخالف لعدله وحکمته.
وقد أشرنا أنّ قولنا «لا یجوز» أو «یجوز» لا یعنی تحکیم إرادتنا وفکرتنا على اللّه سبحانه حتى یکون الواجب محکوماً بحکم البشر فإنّ ذلک باطل لا مریه فیه، ولکن المراد هو استکشاف حال الواجب من خلال أوصافه من کونه حکیماً عادلاً فنستکشف من هذین الوصفین أنّه لا یعذّب طفلاً بریئاً سواء أکان طفلاً لمسلم أم لکافر.
۶ـ وجوب المعرفه:
اتّفقت الشیعه على لزوم معرفه اللّه سبحانه لزوماً عقلیاً بمعنى أنّ العقل یحکم بحسن المعرفه وقبح ترکها، لما فی المعرفه من أداء شکر المنعم وهو حسن، وفی ترکها احتمال الوقوع فی الضرر وهو قبیح.
نعم غیر الشیعه لم تلتزم بلزوم معرفه اللّه إلاّ سمعاً ونقلاً، ولکن لم یتبیّـن لنا کنه مرادهم فإنّ المفروض أنّ الشریعه بعد لم تثبت فکیف یثبت وجوب المعرفه بحکم الشریعه؟
۷ـ لزوم تکلیف العباد:
إذا کان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث یستقل العقل بالحکم بلزوم إیصال کلّ مکلّف إلى الغایه التی خلق لها، وذلک یتحقق فی مورد الانسان بالتکلیف.
(۳۲)
۸ ـ لزوم بعث الاَنبیاء:
إذا کان الاِنسان لم یُخلق سدى بل خلق لغایه، والغایه ممّا لا یدرکها البشر بعقله العادی، ففی ذمّته سبحانه إرسال الرسل لهدایه الناس إلى الغایات المنشوده وإلاّ یلزم أن یکون خلق الاِنسان سُدى وعبث.
۹ـ قاعده اللطف:
إنّ قاعده اللطف لها دور فی الکلام الشیعی وتترتّب علیها قواعد وأحکام، وحاصلها أنّه إذا کان الغرض المترتب على التکلیف لا یحصل إلاّ بفعل یقرّب العبد من الطاعه ویبعّده عن المعصیه، کان على اللّه سبحانه القیام بذلک.
وبعباره أُخرى کل ما هو دخیل فی تحقق الرغبه إلى الطاعه والابتعاد عن التمرد والمعصیه فی نفوس الاَکثریه الساحقه من البشر یجب على اللّه سبحانه القیام به صوناً للتکلیف عن اللغو یقول سبحانه: (وبَلَوناهُمْ بالحَسَناتِ والسَّیِّئاتِ لَعلَّهُمْ یَرجِعُونَ) (۱) وقال تعالى: (وما أرْسَلْنا فی قَریَهٍ مِنْ نَبىٍّ إلاّ أخَذْنا أهلَها بالبأْساءِ والضَّرَّاءِ لَعلَّهُمْ یَضَّرَّعُونَ) (۲)
فإنّ تعلیل ابتلاء الناس بالسراء والضراء لرجاء رجوعهم للطاعه دلیل على أنّ کل ما یکون سبباً للجوء الناس للطاعه کان علیه سبحانه أن یقوم به لاَنّه مقتضى حکمته. والعقل یستقلّ بحسن ذلک.
۱۰ـ لزوم النظر فی برهان مدّعی النبوّه:
یجب النظر فی برهان المدعی إذا ادّعى مسأله تمتّ إلى الدین بصله على وجه یعاقب الاِنسان لو لم یعتقد بها أو اعتقد بالخلاف.
۱٫ الاَعراف: ۱۶۸٫
۲٫ الاَعراف: ۹۴٫
(۳۳)
إنّ للتحسین والتقبیح العقلیین دوراً عظیماً فی المسائل الکلامیه اقتصرنا على هذه النتائج القلیله ومن أراد التفصیل فعلیه مراجعه الکتب الکلامیه المطوّله(۱)
_________________________________
۱٫ راجع الاِلهیات: ۱|۲۵۷ ـ ۲۶۲ بقلم الموَلف.

Leave A Reply

Your email address will not be published.