أحادیث فی العلاقه بین القرآن والإنسان
بسم الله الرحمن الرحیم
۱ – کیف یجب أن تکون التلاوه:
شهر رمضان الکریم ، الذی یمثل (ربیع القرآن) ، حیث جرت العاده الإسلامیه النبیله فی الحرص على تلاوه القرآن وتدبره … امتثالاً للتوجیهات الربانیه والنبویه فی زیاده الاهتمام بالقرآن على الصعیدین معاً ، ولعلّ ثمه ارتباطاً تکوینیاًّ غیبیاًّ بین القرآن وشهر رمضان ، دعت اللطیف الخبیر إلى إنزاله فیه أولاً: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِی أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَیِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) ، وإلى الأمر بتلاوته وتدبره ثانیاً، على لسان نبیه الذی وصفه ربه تعالى بأنّه: (رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِکُمْ عَزِیزٌ عَلَیْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِیصٌ عَلَیْکُمْ بِالْمُؤْمِنِینَ رَؤُوفٌ رَحِیمٌ).
وإذا ما عدنا إلى القرآن الکریم لتلمس السبب الکامن وراء هذا الاهتمام ، لوجدناه یتلخص فی طبیعه القرآن الکریم الذی هو فی ذاته (أَحْسَنَ الْحَدِیثِ) من جهه ، ویحمل فی جنباته القدره على التأثیر فی الإنسان الطالب للّحوق بمستوى: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِینَ یَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) شعوراً منهم بالتفاعل من جهه ثانیه ، وبثقل المسؤولیه من جهه ثالثه ، لینتهی بهم المطاف إلى التسلیم بین یدی الله: (ثُمّ تَلِینُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِکْرِ اللَّهِ) من جهه رابعه ، حیث تحطّ سفن قلقهم على سواحل اطمئنانه بعد طواف ممتد فـ(ذَلِکَ هُدَى اللَّهِ) من جهه خامسه .
إذن ، نحن بین طرفین تحکمهما علاقه تفاعلیه ، أو هکذا یجب أن تکون ، یمثل القرآن فیها (الرساله) ، والقارئ یمثل (المتلقی) یفید من الرساله بقدر (التفاعل) ، الذی یمر بمراحل تتلخص فی : التلاوه ، ثُمّ التدبر ، انتهاء بالتطبیق ، ولنتوقف عند نصین اثنین نتبین منهما (موسمیه شهر رمضان للقرآن) تلاوه وتدبراً :
النصّ الأول :
فالنصّ یشیر إلى أنّ الزمن لیس له قیمه واحده لکلّ شیء ، بل إنها تتفاوت من فتره إلى أخرى ، فکما أنّ فتره الشباب تعدّ ذهبیه فی العمر البشری ، لیست کالکهوله والشیخوخه ، وبطبیعه الحال لیست کالطفوله ، کذلک إنّ شهر رمضان ، بما یحیط به من هاله روحیه فی ذاته ، ونفسیه لدى القارئ ، وبما یکتنفه من أجواء اجتماعیه ترق فیه النفوس والأرواح ، علاوه على العلاقه التکوینیه آنفه الذکر ، کلّ ذلک یجعل الإنسان ، وهو القارئ للقرآن ، أقرب إلى التفاعل مع القرآن على مستوى تلاوته وتدبره ، وتطبیق مضامینه على مختلف جوانب حیاته .
النصّ الثانی :
والنصّ ، لوضوحه ، لا یحتاج إلى تعلیق ، إلاّ أننا نقف عند تأکید الإمام الرضا (علیه السلام) على (تلاوه القرآن) کمحطه لا ینبغی للمسلم ، وهو الحریص دائماً على مصلحته الحقیقیه ، أن یهملها . ولعلّ السرّ یکمن فی : أنّ تلاوه القرآن تعدّ باباً من أبواب المنّه الإلهیه التی فتحت لنیل الخشیه والخشوع وللحصول على الاطمئنان والاستقرار المنشود للذات الإنسانیه .
هذان النصان الشریفان ، وغیرهما کثیرٌ ، یؤکدان على أن (موسمیه شهر رمضان) للقرآن الکریم أمر لا یقبل الإنکار .
ماذا تعنی التلاوه ؟
الشائع عند الناس أنّ التلاوه تعنی (القراءه) مجرّدهً ، على تفاوتٍ بین الناس فی تحسین القراءه (التلاوه) وتجویدها ، حسب ما تلقاه هذا وذاک من فنّ التجوید والتلاوه المعهوده ، وحسب اهتمام هذا القارئ وذاک ، إلاّ أننا إذا تتبعنا الاستعمال القرآنی لماده (التلاوه) ، وکذلک المعنى اللغوی لها ، نجد بعداً خفی على کثیر من الناس ، نتناوله ضمن نقطتین :
۱- التلاوه فی اللغه:
التلاوه مشتقه من (تلا یتلو) بمعنى تبع ، قال تعالى: (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) أی تبعها . فـ(التلاوه) ، فی اللغه ، تعنی (الاتباع) . وإنما سمیت (القراءه) لآیات القرآن (تلاوه) لأنّ الحروف یتبع بعضها بعضاً ، أجل ؛ إن تطوّر هذا المعنى اللغوی فی المصطلح الشرعی ، لیختص بإتباع معین ، قال الراغب الأصفهانی فی المفردات : التلاوه فی عرف الشرع تختص بإتباع کتب الله المنزله : تاره بالقراءه ، وتاره بامتثال ما فیها من أمر ونهی ، وهی أعمّ من القراءه ، فکلّ قراءه تلاوه من غیر عکس .
۲- التلاوه فی القرآن:
إذا تتبعنا موادر استعمال ماده (التلاوه) فی القرآن سنجد :
أ – أنّ التلاوه من مهمات الأنبیاء (علیه السلام) المکلفین بإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، قال تعالى :(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآیاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَکَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور) ، وقال تعالى مبیّناً سنه من سننه التی لا تتخلف :(وَمَا کَانَ رَبُّکَ مُهْلِکَ الْقُرَى حَتَّى یَبْعَثَ فِی أُمِّهَا رَسُولاً یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِنَا وَمَا کُنَّا مُهْلِکِی الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) .
فنحن إذن أمام مهمه لا یتمکن من أدائها إلاّ المعصوم ، وهو النبیّ فی المقام ، الذی یباشر فعل (الهدایه) بأمر الله ، قال تعالى :(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَیَعْقُوبَ نَافِلَهً وَکُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِینَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَیْنَا إِلَیْهِمْ فِعْلَ الْخَیْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاهِ وَإِیتَاءَ الزَّکَاهِ وَکَانُوا لَنَا عَابِدِینَ). ولا یعقل أن تکون هذه المهمه الخطیره مجرد (قراءه) .
لذلک نقول : إنّها تعنی (الاتباع) فی الدرجه الأولى ، و(القراءه) فی الدرجه الثانیه ، وإن کانت هذه تتقدم على تلک فی الشکل ، أی إننا نقرأ أولاً لنتبع ثانیاً .
ب – أنّ (التلاوه) تعنی التطبیق تاره ، والطریق إلیه تاره أخرى ، قال تعالى على لسان خلیله إبراهیم (علیه السلام) :(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِکَ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَیُزَکِّیهِمْ إِنَّکَ أَنْتَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ) ، لیلحقه بامتنان منه تعالى بالمضمون نفسه فی السوره نفسها ، وسوره (آل عمران:۱۶۴) ، ومن المؤکد أنّ الرسول (صلى الله علیه وآله وسلّم) لم یکن دوره یقف عند حدود (قراءه آیات القرآن) وإنّما تجسید تلک الآیات فی ذاته على مستوى الرؤى والأفکار أوّلاً ، والمشاعر والعواطف ثانیاً ، والسلوک العملی ثالثاً. ولعلّ هذا المعنى یتأکد إذا قلنا إن قوله تعالى : (ویعلمهم الکتاب …) إنّما هو تفسیر لـ(یتلو) ، ولیست شیئاً آخر ، لتکون هذه الجمله بیاناً والواو للعطف البیانی .
ویمکن تدعیم هذا التفسیر لـ(التلاوه) بـ:
۱ – قوله تعالى : (رَسُولاً یَتْلُو عَلَیْکُمْ آیَاتِ اللَّهِ مُبَیِّنَاتٍ لِیُخْرِجَ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ یُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَیَعْمَلْ صَالِحاً یُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقا)، فالآیه الکریمه تحددّ دور النبی (صلى الله علیه وآله وسلّم) ، وتلاوته بإخراج المؤمنین والعاملین للصالحات من الظلمات إلى النور ، وواضح أنّ ذلک لا یکتفی فیه بمجرد (القراءه) التی یمکن ، نظریاًّ ، أن یتولاها غیر النبی (صلى الله علیه وآله وسلّم) ، وإن قلنا بأنّ لقراءته خصوصیات لا یشارکه فیها غیره .
۲ – قوله تعالى خطاباً لنساء النبی (صلى الله علیه وآله وسلّم) :(وَاذْکُرْنَ مَا یُتْلَى فِی بُیُوتِکُنَّ مِنْ آیَاتِ اللَّهِ وَالْحِکْمَهِ إِنَّ اللَّهَ کَانَ لَطِیفاً خَبِیراً) ، الذی یعنی أنّ الحجه علیهن ألزمهن باعتبارهن یعشن فی بیت (یتلى) فیه آیات الله ، وکلنا یعلم أنّ التلاوه بمعنى القراءه ، لیست من مختصات بیت النبی (صلى الله علیه وآله وسلّم) ، لأنّ بیوت المسلمین عاده یقرأ فیها القرآن ، ولذلک لا یکون الامتنان على نساء النبی (صلى الله علیه وآله وسلّم) وجیهاً ، إلاّ إذا حملنا (یتلى) هنا ، على (التطبیق والتجسید) الذی یصحّ القول إنّه بمعناه الشامل ، خاصٌّ ببیت النبی (صلى الله علیه وآله وسلّم) ، الذی هو بیت الطهاره والعصمه .
ومن ثُمّ جاز أن تکون العقوبه لمن حظی بمثل هذه الرعایه مضاعفه لو وقعت منه المعصیه ، قال تعالى :(یَا نِسَاءَ النَّبِیِّ مَنْ یَأْتِ مِنْکُنَّ بِفَاحِشَهٍ مُبَیِّنَهٍ یُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَیْنِ وَکَانَ ذَلِکَ عَلَى اللَّهِ یَسِیراً) ، ملحِقاً إیاه بقوله :(یَا نِسَاءَ النَّبِیِّ لَسْتُنَّ کَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ … ) مؤکِّداً على أنّ هذا التمیز لیس مطلقا،ً بل مشروطاً بـ(إِنِ اتَّقَیْتُنَّ) ، الذی یعنی التجسید تأسّیاً بالرسول (صلى الله علیه وآله وسلّم) من خلال التزام ما أمر الله ، وترک ما نهى عنه :(فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَیَطْمَعَ الَّذِی فِی قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً).
وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) : فی قوله :(الَّذِینَ آتَیْنَاهُمُ الْکِتَابَ یَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) ، قال : ( یرتلون آیاته ، ویتفقهون به ، ویعملون بأحکامه ، ویرجون وعده ، ویخافون وعیده ، ویعتبرون بقصصه، ویأتمرون بأوامره، وینتهون بنواهیه ، ما هو والله حفظ آیاته ، ودرس حروفه، وتلاوه سوره، ودرس أعشاره وأخماسه ، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنّما هو : تدبر آیاته والعمل بأحکامه ، قال الله تعالى : (کِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَیْکَ مُبَارَکٌ لِیَدَّبَّرُوا آیَاتِهِ) ،(صلى الله علیه وآله وسلّم).
وننتهی إلى القول إنّ (التلاوه) بمعنى (القراءه) ، استحبت شرعاً لتکون طریقاً إلى التفاعل مع أوامر القرآن ونواهیه ، لیحصل التکامل بین المرسل – الله ، والمتلقی- العبد ، من خلال الرساله – القرآن ، عبر النبی- الرسول ، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِیُبَیِّنَ لَهُمْ فَیُضِلُّ اللَّهُ مَنْ یَشَاءُ وَیَهْدِی مَنْ یَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ) ، ولیکون ذلک سبیلاً لتحقیق الإیمان أولاً، والعمل الصالح ثانیاً، لتکون النتیجه نیل : (جَنَّهٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِینَ) .
وفیما عدا ذلک یمکن أن یقال بأنّ القرآن أصبح (مهجوراً) ، بمعنى تعطیل دوره الذی أنزل من أجله ، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، حیث فُرِّغ من محتوى دوره الوظیفی ، الذی یبینه ربیب القرآن أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) بقوله 🙁 کتاب الله تبصرون به ، وتنطقون به ، وتسمعون به ، وینطق بعضه ببعض ، ویشهد بعضه على بعض ، ولا یختلف فی الله ، ولا یخالف بصاحبه عن الله) وهو تفصیل لقول الله تعالى :(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ یَهْدِی لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ وَیُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِینَ الَّذِینَ یَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً کَبِیراً) ، والهجران لا یتنافى ، مع ما یمکن أن یحصل من مبالغه فی الاهتمام الشکلی بـ(التلاوه) فی حدود القراءه المجرده ، إذ :(ربّ تالٍ للقرآن والقرآن یلعنه) ، لأنّهم قد یقرؤونه دون أن (یتجاوز تراقیهم) ، وإذا تحقق معنى الهجر ، فسیکون القرآن خصماً یشکو له رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلّم) قائلاً: (یَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِی اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً).
عن عبد السلام بن صالح الهروی قال : دخلت على أبی الحسن علی بن موسى الرضا (علیه السلام) ، فی آخر جمعه من شعبان ، فقال لی : (یا أبا الصلت إنّ شعبان قد مضى أکثره ، وهذا آخر جمعه منه ، فتدارک فیما بقی منه تقصیرک فیما مضى منه ، وعلیک بالإقبال على ما یعنیک وترک ما لا یعنیک ، وأکثِر من الدعاء والاستغفار وتلاوه القرآن ، وتب إلى الله من ذنوبک لیقبل شهر الله علیک وأنت مخلص لله عزّ وجلّ ، ولا تدعن أمانه فی عنقک إلاّ أدیتها ، ولا فی قلبک حقداً على مؤمن إلاّ نزعته ، ولا ذنباً أنت ترتکبه إلاّ أقلعت عنه ، واتق الله وتوکل علیه فی سرائرک وعلانیتک ، (وَمَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْءٍ قَدْراً) ، وأکثر من أن تقول فیما بقی من هذا الشهر : اللهم إن لم تکن غفرت لنا فیما مضى من شعبان، فاغفر لنا فیما بقی منه ، فإنّ الله تبارک وتعالى یعتق فی هذا الشهر رقاباً من النار لحرمه شهر رمضان .
وعن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) قال : (لکلّ شیء ربیع، وربیع القرآن شهر رمضان).