هل مات النبی محمد (ص). . . ؟
نعم ! کان رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم قد خرج فی آخر فجر من حیاته إلى الصلاه ، فصلى بالمسلمین الغداه . وکان هذا آخر عهدهم برؤیه تلک الطلعه المحبوبه وذلک النور الإلهی .
ولم تزل شمس السماء إلا وقد آذنت شمس الأرض بالمغیب من أفقها إلى أفق الحق الدائم ، وها هو ذا النبی مسجى بین أهله ینتدبون فیه حظهم ، والباب مغلق دون الناس . أنه یوم . . . ! وأی یوم هو على أهل المدینه والمسلمین ! . فقدوا . . . ؟ وأیه نعمه فقدوا . . ؟ فقدوا الرحمه والإنسانیه . فقدوا الأخلاق الإلهیه . فقدوا
– ص ۱۱۰ –
حیاتهم وعزهم ومجدهم . فقدوا طریق الحق اللاحب وصراط الله المستقیم ونوره المشرق بآیاته الباهره . . ! فقدوا نبیهم العظیم وأباهم الکریم . . ! فأعظم بیومه یوما ! وأعظم به فقیدا ! أنه یوم کان للمسلمین مضرب المثل فإذا بالغوا فی یوم مصیبه قالوا : " أنه کیوم مات فیه رسول الله " .
وما تنتظر من المسلمین ساعه یسمعون الواعیه والباب مغلق على من فیه ، إلا أن یهرعوا فیجتمعوا فی مسجدهم والطرقات ، نکسا أبصارهم مطأطئی رؤسهم . ولم تبق عین لم تدمع ، ولا قلب لم یجزع ، ولا نفس لم یتقطع . وما ینتظرون هم . . ؟
لا شک لیس هناک ما یدعوهم إلى تکذیب النعاه . وإذ علموا آنئذ أن مجرى حیاتهم قد تبدل راحوا – ولا شک – یتطلعون إلى ما یظهر لهم على مسرح العالم الإسلامی من حوادث ومفاجآت ، فتطیش لذلک عقولهم ، ویقوى حسهم بمستقبل هذا الدین الجدید
الذی أخذ بأطراف الجزیره ، والمنافقون یتحینون به الفرص ، فتنهد عزائمهم ، ویستشرفون – على الأکثر – على خلیفه النبی الذی سیقود الأمه لینقذ الموقف ، فیضربون أخماسا فی أسداس . کل هذه الأفکار وأکثر منها – بغیر شک – کانت تمر على
– ص ۱۱۱ –
رؤس ذلک الجمع الحاشد الطائش اللب الحائر الفکر ، الذی یحوم حول دار النبوه والوحی ، یرقب منها – على عادته – أن تبعث له بما یطمن خاطره ویهدئ روعه ویعرفه مستقبل أمره ، حتى أصبح الناس کالغنم المطیره فی اللیله الشاتیه ( کما فی الحدیث ) .
ولکن . . ولکن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله ذلک الرجل الحدیدی أبى على الناس تصدیقهم بموت نبیهم ، إذ طلع صارخا مهددا " وقد قطع علیهم تفکیرهم وهواجسهم " وراح یهتف بهم : " ما مات رسول الله ولا یموت حتى یظهر دینه
على الدین کله . ولیرجعن فلیقطعن أیدی رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته . لا أسمع رجلا یقول مات رسول الله إلا ضربته بسیفی " . أتراک " لو خلوت بنفسک وأنت هادئ الأفکار " تقتنع بوحی هذه الفکره من هذا الذی لا یقعقع له بالشنان ،
وأنت لا تدری لماذا رسول الله یقطع أیدی وأرجل من أرجف بموته ، أو بالأصح من قال بموته ؟
ولأی ذنب یستحق الضرب بالسیف هذا القائل ؟
ومن أین علم أن رسول الله لا یموت حتى یظهر دینه على الدین کله ؟
وما هذا الرجوع ؟
أرجوع بعد الموت أو بعد غیبه " کغیبه موسى بن عمران کما یدعیها عمر بن الخطاب فی بعض الحدیث " ولکنها أیه غیبه هذه وهو مسجى بین أهله لا حراک فیه ؟
إلا أنی أعتقد أنک لو کنت ممن ضمه هذا الاجتماع
– ص ۱۱۲ –
لذهبت بتیاره ولتأثرت بهذا القول إلى أبعد حد کسائر من معک ما دام الاجتماع بتلک الحال التی وصفناها ، والخطیب هو عمر بن الخطاب ، وقد جاء بتلک الدعوه الثائره ، فی صرامه إراده ورأی بلغا أقصى درجات الصرامه ، وقد استعمل المغریات
الخلابه للجماعات : فمن أمل بحیاه الرسول وبإظهار دینه على الدین کله – إلى توعید بقطع رسول الله أیدی وأرجل المرجفین بموته ، وتهدید منه ( أعنی عمر ) بقتل من یقول مات رسول الله .
إنهما الخوف والأمل إذا اجتمعا مع هذا الرأی القاطع والإراده الصارمه لهما التأثیر العظیم الذی لا یوصف على أفکار الجماعه الاجتماعیه وأی تخدیر بهما لأعصاب المجتمعین .
ومن وراء ذلک أن شأن المحبین یتعللون فی موت حبیبهم إذا نعی بالأوهام ولا یرضون لأنفسهم التصدیق بموته لا سیما مثل فقیدهم هذا العظیم الذی یجوز علیه ما لا یجوز على البشر .
ولا شک أن ممیزات الجماعه المقصوده لعلماء الاجتماع کانت متوفره فی الاجتماع الفجائی المضطرب الأفکار المتأثر بهذا الحدث العظیم المتحفز للحوادث المجهوله والمفاجآت المنتظره .
ومن البدیهی أن الاجتماع الذی یتألف على هذا النحو تتکون منه روح واحده مشترکه حساسه تتغلب على نفسیات أفراده الشخصیه ، وتکون هذه الروح خاضعه
– ص ۱۱۳ –
لمؤثرات لا حکم لها غالبا على روحیه الفرد لو کان خارج الاجتماع . وأهم خواص هذه الروح أنها تکون عرضه للتقلبات والانقلابات الفجائیه ویبطل فیها حکم العقل وسلطانه ویقوى سلطان المحاکاه والتقلید الأعمى .
ولذلک لا تفکر الجماعات إلا بأحط فکره فیها ، وتقبل أیضا کل فکره تعرض علیها إذا اقترنت بالمؤثرات الخلابه وإن خرجت عن حدود المعقول . ومن أقوى المؤثرات شخصیه الخطیب وصرامه رأیه .
فلا نستغرب قناعه المسلمین یومئذ برأی عمر بقدر ما نستغرب منه نفسه هذا الرأی وإن لم ینقل لنا صریحا قبولهم له ، کما لم ینقل فی الوقت نفسه اعتراض أحد علیه سوى أبی بکر وقد جاء متأخرا .
وإذا أبیت فعلى الأقل شککهم فی موت النبی وألهاهم عن التفکیر فیما یجب أن یکون بعده وفیما سیحدث من حوادث منتظره ، لأنهم – لا شک – التفوا حوله عجبین مستغربین وهو مستمر یبرق ویرعد مهددا حتى ( أزبد شدقاه ) .
ولکلمه ( الارجاف ) هنا التأثیر البلیغ فی إقلاع أفکار الجماعات عن الدعوى التی یدعونها لأنها من الألفاظ الخلابه التی تتضمن التهجین الشنیع للدعوى والاشمئزاز منها إلى أبعد حد ، إذ تشعر هنا أن مدعیها من المنافقین الذی لهم غرض مع النبی والإسلام ، فقال : " . . . ممن أرجف بموته "
– ص ۱۱۴ –
ولم یقل ممن ادعى أو قال . وهذا کاف للتأثیر على الجماعات وتکوین الشعور بکراهیه دعواها .
ویشهد لتأثیر کلامه على سامعیه التجاء أبی بکر لما جاء من السنح ( ۱ ) أن یکشف عن وجه النبی لیتحقق موته ، ثم یخرج إلى الناس مفندا مزاعم عمر ، وعمر مستمر یحلف أنه لم یمت . وطلب إلیه أن یجلس – فلم یجلس – ثلاث مرات ، فقال له :
" أیها الحالف على رسلک " . . ثم قام خطیبا فی ناحیه أخرى وقد اجتمع حوله الناس فتشهد وقال – وعمر مستمر وقد ترکه الناس – : " من کان یعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن کان یعبد الله فإن الله حی لا یموت . . . " . ثم تلا هذه الآیه الکریمه : " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابکم . . . " .
و ( شاهد ثان ) : أن الناس لما سمعوا کلام أبی بکر أصبحوا کأنما أخرجوا من مأزق أو أطلقوا من عقال ، فإنهم تلقوا الآیه وکلهم وراحوا یلهجون بها " فما تسمع بشرا من الناس إلا یتلوها " .
أما عمر فقد صعق إلى الأرض وصدق
__________________________________
( ۱ ) وهو یبعد عن المسجد بمیل واحد " وفی الروایه عن عائشه " وکذا فی معجم البلدان ولعله اعتمد على هذه الروایه . ولکن السنح هو عالیه من عوالی المدینه وأدنى العوالی – بتقدیر نفس المعجم – یبعد أربعه أمیال أو ثلاثه .
– ص ۱۱۵ –
حینئذ بموت النبی بعد أن تحقق إن الآیه من القرآن ، کما یقول . * * *
لله أبوک یا بن الخطاب ! ما أدهشنی بک ، وأنت أنت ، إذ تقف ذلک الموقف الرهیب حالفا مهددا ، لتنکر أمرا واضحا ، ألم یعلمک الإسلام حقیقه محمد فتنکر أنه یموت ؟ ثم تسمی مدعی موته ( مرجفا ) ؟ – لا ؟ – لا ؟ ولکنک تحاول أن تقنع الناس
أنه غاب موسى بن عمران ، فیرجع لیقطع الأیدی والأرجل . إلا أنه – بالله علیک – أیه غیبه هذه ؟
وأنت أعجب وأعجب حین تسرع مصدقا وتنقاد طائعا لقول قاله أبو بکر لا یکذبک ولا یصدقک ، بعد ذلک التوعید والتهدید . أو لست أنت کنت تعترف أنه یموت بعد أن یظهر دینه على الدین کله ؟
فأی دلیل کان فی الآیه ناقض قولک فأقنعک حتى صعقت إلى الأرض . والآیه لا تدل على أنه یموت یوم مات ! . . . ؟
وأعجب من ذلک وقوفک بعد یوم معتذرا فتقول : " فإنی قلت بالأمس مقاله ما کانت إلا عن رأیی وما وجدتها فی کتاب الله ولا کانت عهدا عهده إلی رسول الله . ولکن کنت
– ص ۱۱۶ –
أرجو أن یعیش رسول الله فیدبرنا ویکون آخرنا موتا " ( 1 ) .
فأین هذا الرجاء الفاتر من تلک الصرخه المعلنه وذلک الحلف والتهدید وطعن القائل بموته بالإرجاف ؟
وأین هذا الاعتذار الهادئ من تلک الدعوى الثائره ؟
إن لک لسرا عظیما ! یبدو لی أن عمر کان أبعد من أن یظهر بهذه السهوله لقارئی هذه الحادثه . ومن البعید جدا وفوق البعد أن یعتقد مثله أن النبی لا یموت یوم مات ، وهو الذی قال فی مرضه – کما سبق – بکل رباطه جأش : " إن النبی قد غلبه الوجع . . . حسبنا کتاب الله " .
فأی معنى تراه لقوله " حسبنا " لرد الکتاب الذی أراده النبی لأمته بعد موته ، لو لم یکن معتقدا أنه سیموت وأن کتاب الله یغنی عن أی شئ آخر یرید أن یقرنه النبی به وهل تراه قال ما قال دهشه بالمصیبه ؟
فما باله لم یعتذر بذلک بعد یوم وقد سمعت اعتذاره ! بل ما باله لم یزد دهشه
* هامش *
( ۱ ) اقتبسنا مجموع هذه العباره من کنز العمال ( ۳ : ۱۲۹ و ۴ : ۵۳ ) ومن تاریخی الطبری وابن الأثیر والبخاری ( ۴ : ۱۵۲ )
والسیره الدخلانیه ( ۲ : ۳۴۷ ) ولفظ ( کنت أرجو أن یعیش . . . ) فی الصحیح والسیره . والمروی فی هذه الکتب وغیرها بألفاظ متقاربه جدا وتختلف بما لا یضر بالمعنى .
– ص ۱۱۷ –
لما تحقق أنه قد مات ! هیهات أن یکون قد دهش فیخفی علیه موت النبی وهو هو من نعرف .
وبعض الناس قد جهلوا عمر بهذا وأبعدوا ، فقالوا : من یجهل مثل هذا الأمر الواضح المعلوم بالاضطرار جدیر بألا یکون إماما راعیا للأمه . . . والتجأ بعضهم الآخر أن یعتذر عنه بأن ذلک من فرط دهشته .
وفیما عندی أن الطرفین لم یعرفاه حق عرفانه ولم یصلا إلى غوره وتدبیره فی هذا الحادث المدهش . فإن من یعتقد أن النبی قد غاب فیحلف لا یقنعه مثل حجه أبی بکر فیرتدع . ومن خبل بالمصیبه فهو عند الیقین بها أدهش وأدهش . * * *
ویکفی المتدبر فی مجموع نقاط هذه الحادثه أن یفهم هذا الذی لا یختل بالحرش ، فیعرف أن وراء الأکمه ما وراءها ، ولا یضعه حیث وضعه الناس .
ألا تعتقد معی إنه کان یخشى أن یحدث القوم ما لا یرید ، وقد اشرأبت الأعناق – بطبیعه الحال – إلى من سیخلف النبی ، وهذه ساعه طائشه ، وأبو بکر بالسنح غائب ، وهو خدنه وساعده ، وهما أینما کانا هما .
ولعلهما
– ص ۱۱۸ –
وحدهما وقد تفاهما فی هذا الأمر . . . فأراد أن یصرف القوم عما هم فیه ، ویحول تفکیرهم إلى ناحیه أخرى ، إن لم یجعلهم یعتقدون غیاب النبی . حتى لا یحدثوا بیعه لأحد من الناس قبل وصول صاحبه .
ولیس هناک من تحوم حوله الأفکار إلا علیا للنص علیه کما نعتقد أو لأنه أولى الناس ، ما شئت فقل " حتى کان عامه المهاجرین وجل الأنصار لا یشکون أن علیا هو صاحب الأمر بعد رسول الله " ( 1 ) .
وکانوا یلاحظون فی علی بن أبی طالب صغر سنه ( ۲ ) وحسد العرب وقریش خاصه إیاه ، وتمالؤها علیه ، ولا تعصب الدماء التی أراقها الإسلام إلا به ، لأنه الأمثل ، فی عشیره الرسول على عاده العرب وبسیفه قتل أکثر أبطالهم .
ویلاحظون " رابعا " کراهه قریش لاجتماع النبوه والخلافه فی بنی هاشم فیبجحون على قومهم بجحا بجحا کما یراه عمر فیما سبق فی الفصل الثانی من محاورته مع ابن عباس .
ویلاحظون " خامسا " أنه سیحملهم إذا ولی الأمر على الحق الأبلج والمحجه البیضاء وإن کرهوا " على حد تعبیر عمر نفسه " ، والحق مر فی الأذواق .
ویظهر أن عمر کان بطل المعارضه فی إماره علی کما
______________________________________
( ۱ ) شرح النهج لابن أبی الحدید ( ۲ : ۸ ) .
( ۲ ) راجع الإمامه والسیاسه . ( * )
– ص ۱۱۹ –
شاهدنا موقفه فی قصه الکتاب الذی أراد أن یکتبه النبی وفی مواقفه التی أشرنا إلیها فی الفصل الثانی ، فلا نعجب إذا رأیناه یقف هذا الموقف لیلهی الناس عما یخشاه من استباق أحد إلى بیعه علی قبل مجئ أبی بکر .
أما إنه هل کان یدری کیف سیخرج من هذا المأزق الذی أدخل نفسه فیه فأغلب الظن أنه غامر بنفسه لیقف الناس عند حدهم . وعلى صاحبه إذا جاء أن یدبر الأمر حینئذ .
وأقوى الشواهد على هذا التعلیل ما قلناه من سرعه قناعته بقول صاحبه أبی بکر، وهو لا یمس دعواه تکذیبا . . . ولیس إلا أن جاء أبو بکر ووقف خطیبا والتف حوله الناس وهو یعلم من أبو بکر فقد انتهت مهمته وانقلب الدور ، ولم یبق إلا أن یخرج
من موقفه الحرج بلباقه ، لئلا یحسوا بهذا التدبیر فینتقض الغرض ، فصعق إلى الأرض کأنما تحقق موت النبی من جدید مظهرا القناعه بقول صاحبه . ثم لم یلبث أن راح یشتد معه لعملهما کأنما نشط من عقال ولم یقل ما قال ، ولم یظهر ما أظهر
من الدهشه والاضطراب ، حتى رمی بالخبل وهو عنه بعید ، فقد ذهب بعد ذلک إلى السقیفه مع أبی بکر حینما علما باجتماع الأنصار السری ووقفا ذلک الموقف العجیب . وسنحدثک :