مناقشه الروایات الدالّه على تحریف القرآن وردّها
قد وَرَدَت فی کتب الحدیث، والتفسیر، روایاتٌ یدل بعضُها على وُقوع التحریف فی القرآن الکریم، ولکن یجب أن ننتبه إلى النقاط التالیه:
أوّلاً: أنّ أکثر هذه الروایات نُقِلَتْ بواسطه أفراد غیر موثوق بهم وجاءت فی کتب لا قیمه لها. مثل کتاب «القراءات» لاَحمد بن محمد السیاری (المتوفّى ۲۸۶ هـ ق) الذی ضَعَّفَهُ علماءُ الرجال وضعَّفوا روایاته، واعتبروه فاسد المذهب(۱) أو کتاب علی بن أحمد الکوفی (المتوفّى ۳۵۲ هـ ق) الذی قال عنه علماء الرجال بأنّه صار غالیاً فی أُخریات حیاته.(۲)
ثانیاً: بعض هذه الروایات التی حُمِلَت على التحریف، لها جانبُ التفسیر، أی أنّها تفسّر الآیه، وتکون من قبیل تطبیق المفادِ الکلیّ للآیه على مصادیقه، أو أحد مصادیقه.
غیر أنّ البعضَ تصوّر أنّ ذلک التفسیر والتطبیق هو جزءٌ مِن القرآن الکریم، وقد حُذِفَ، أو سقطَ من القرآن الکریم.
فمثلاً فُسرت لفظهُ «الصِراط المُستَقیِم» فی سوره الحمد فی الروایات بـ «صراط النبی وأهل بیته» ومن الواضح جدّاً أنّ مثل هذا التفسیر هو نوع من أنواع التطبیق الکلیّ على المصداق الاَکمل(۳).
ولقد قَسَّمَ الاِمامُ الخمینیّ؛ الروایاتِ التی فُهِمَ منها وقوعُ التحریف فی القرآن الکریم إلى ثلاثه أقسام:
ألف : الروایات الضَعیفهُ التی لا یمکن الاِستفاده منها والاَخذ بها أبداً.
ب : الروایات المختلَقَه التی تلوح علیها علائم الوضع والاِختلاق.
ج : الروایات الصحیحه التی لو تأمَّلْنا فیها بدقّه لاتّضح أنّ المقصودَ منها لیس هو التحریف اللَفظیّ (أی الزیاده والنقصان اللفْظِیّ) بل هو تحریف حقائِقها ومفاهیمها.(۴)
ثالثاً : انّ الواجب على الذین یریدون التعرّف على المعتقد الواقعی لاَتباع مذهب من المذاهب، أنْ یرجعوا إلى الکتب الاعتقادیّه والعِلمیه لذلک المذهب، لا الکتب الحدیثیه (أی التی تضم الاَحادیث والاَخبار) التی یَهتَمُّ مؤلفها فی الاَغلب بجمع الاَحادیث وتدوینها، تارکاً التحقیق فیها، والاِستفاده منها للآخرین.
کما أنّه لا یکفی لمعرفه المعتقد الحقیقیّ والمسَلَّم لاَی مذهَبٍ من المذاهب، الرجوعُ إلى الآراء الشاذّه التی طَرَحَها أو یطرحُها أفرادٌ من أتباع ذلک المذهب.
وأساساً لا یمکن الاِستناد إلى قولِ فردٍ أو فردین فی مقابل رأی الاَکثریّه القاطعه والساحقه من عُلَماء المذهب وجعله مِلاکاً صحیحاً للحُکمِ على ذلک المَذهَب.
وفی خاتمه البحث عن التحریف من الضَروریّ أنْ نُذَکّرَ بعده نقاط هی:
۱٫ إنّ اتّهام بعض المذاهب الاِسلامیه البعضَ الآخر بتحریف القرآن وخاصّه فی العصر الحاضر لا یستفید منهُ سوى أعداء الاِسلام، وخصومه، ومناوئیه.
۲٫ إذا أقدَمَ أحدُ علماء الاِمامیه بکتابه کتاب حولَ تحریف القرآن، وجب أن نعتبر ذلک رأیه الشخصیّ ولیس رأیَ الاَکثریّه الساحقه من علماء الاِمامیه.
ولهذا نرى أنّه أقدم علماءُ کثیرون من الاِِمامیه على کتابه ردودٍ عدیدهٍ على ذلک الکتاب. تماماً کما حَدَثَ فی أوساط أهل السنه حیث أقدم أحدُ علماء مصر على تألیف کتابٍ فی تحریف القرآن باسم «الفرقان» عام ۱۳۴۵ هـ. ق، فَرَدَّ علیه علماءُ الاَزهر، وأمَرُوا بمصادَرَتِهِ.
۳٫ إنّ من العجیب جداً أن یحمل بَعْضُ المغرضین الذین أیسوا من الاَسالیب الاَُخرى، کلّ هذه التصریحات القاطعه من قِبَل علماء الشیعه الاِمامیّه بعدم تحریف القرآن الکریم على «التقیّه»!!
فإنّه یقال لهؤلاء بأنّ «التقیه» ترتبط بأحوال شخصٍ یکون فی ظروف الخوف والخطر، وهؤلاء العلماء الکبار لم یکونوا یخافون أَحداً حتّى یضطرّوا إلى ممارسه «التقیّه».
ثم إنّ هذه الکتب قد ألّفها علماءُ الاِمامیه ـ فی الاَساس ـ لاَتباع المذهب الشیعیّ، والهدف منها هو تعلیم عقائد الشیعه لاَتباع ذلک المذهب، ولهذا فإنّ من الطبیعی أنْ تحتوی هذه الکتُبُ على العَقائِدِ الحقیقیه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ . رجال النجاشی: ۱ | ۲۱۱ رقم الترجمه ۱۹۰ .
۲ . رجال النجاشی: ۱ | ۹۶ رقم الترجمه ۶۸۹ .
۳ . الطبرسی: مجمع البیان: ۱ | ۲۸٫
۴ . تهذیب الاَُصول: ۲ | ۹۶ .