تصحیح مفاهیم فی الإمامه

0

لقد بیّن أهل البیت علیهم السلام أنّ الإمامه منصب الهی ، ولاتکون بالشورى والاختیار ، بل تخضع للإراده الربانیه ، وهو تعالى یجتبی من عباده ما یشاء لهذا المنصب الخطیر ، والإمام یشترک مع النبی باعتبارهما حجه على الناس ، ویفترق عنه بالوحی فهو لا یوحى الیه ، وأن الأرض لا تخلو من حجه منذ خلق الله تعالى آدم ، وأن الأئمه من آل البیت هم ورثه النبی صلى الله علیه وآله وأولاده وأفضل من خلف بعده فی أمته ، وأنهم أولی الأمر الذین فرض الله طاعتهم على خلقه باعتبارهم قاده الرساله المعصومین ، وأن ولاء جمیع الخلائق یجب أن یکون لهم ، وأن لهم حقوقاً جعلها الله لهم واجبه فی أعناق من یدینون لهم بالولاء منها الولایه والخمس والموده والطاعه والصلاه علیهم ، وأن منهم القائم الذی یطهر الأرض من أعداء الله ، وله غیبه یطول أمدها ، یرتدّ فیها أقوام ویثبت فیها آخرون ، حتى یظهر ویملأ الأرض عدلاً کما ملئت جوراً. وقد تصدّى الأئمه علیهم السلام لبیان هذا الأصل العقائدی ، ودافعوا عن الاُسس التی تقوم علیها الإمامه وعن أهم قواعدها ، مصرّحین بحقّهم بالخلافه بعد النبی صلى الله علیه وآله ، وتمالئ الاُمّه على استلاب هذا الحقّ منهم ، وذلک فی نصوص واحتجاجات عدیده یصعب حصرها ، ولذا اقتصرنا على بعض ما جاء عن أمیر المؤمنین علیه‌السلام ، وهو على ثلاثه أقسام :
الأول : بیان حقهم علیهم السلام فی الخلافه :
قال أمیر المؤمنین علیه السلام : « لا یقاس بآل محمد صلى الله علیه وآله من هذه الاُمّه أحدٌ ، ولا یسوّى بهم من جرت نعمتهم علیه أبداً ، هم أساس الدین ، وعماد الیقین ، إلیهم یفئ الغالی ، وبهم یلحق التالی ، ولهم خصائص حقّ الولایه ، وفیهم الوصیه والوراثه ، الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله ، ونقل إلى منتقله » (١).
وقال علیه السلام : « انظروا أهل بیت نبیکم ، فالزموا سمتهم ، واتبعوا أثرهم ، فلن یخرجوکم من هدى ، ولن یعیدوکم فی ردى. فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تتأخّروا عنهم فتهلکوا » (2).
وقال علیه السلام : « أین الذین زعموا أنهم الراسخون فی العلم دوننا کذباً وبغیاً علینا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم. بنا یستعطى الهدى ، ویستجلى العمى. إنّ الأئمّه من قریش غُرِسوا فی هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاه من غیرهم » (3).
وقام أمیر المؤمنین علیه السلام فی أیام خلافته ، فناشد الناس بالرحبه قائلاً : « أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله علیه وآله یقول یوم غدیر خمّ : من کنت مولاه فعلی مولاه ؛ لمّا قام فشهد. فقام اثنا عشر بدریاً ، فقالوا : نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله علیه وآله یقول یوم غدیر خمّ : ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ، وأزواجی أمهاتهم ؟ فقلنا : بلى ، یا رسول الله. قال : فمن کنت مولاه فعلی مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » (4).
الثانی : بیان استلاب حقّهم علیهم السلام :
قال أمیر المؤمنین علیه السلام : « فوالله مازلت مدفوعاً عن حقّی ، مستأثراً علیّ منذ قبض الله نبیه صلى الله علیه وآله حتى یوم الناس هذا » (5).
ومن خطبه له علیه السلام : « اللهمّ إنّی أستعدیک على قریش ومن أعانهم ، فإنّهم قطعوا رحمی ، وصغّروا عظیم منزلتی ، وأجمعوا على منازعتی أمراً هو لی ؛ ثمّ قالوا : ألا أنّ فی الحقّ أن تأخذه ، وفی الحقّ أن تترکه » (6).
ومن خطبه له علیه السلام لبعض أصحابه وقد سأله : کیف دفعکم قومکم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به ؟ فقال : « یا أخا بنی أسد ، أنّک لقلق الوضین ، ترسل فی غیر سدد ، ولک بعدُ ذمامه الصهر وحقّ المسأله ، وقد استعلمت فاعلم ؛ أما الاستبداد علینا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً ، والأشدّون برسول الله صلى الله علیه وآله نوطاً ، فإنّها کانت أثره شحّت علیها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرین ، والحکم الله ، والمعود إلیه القیامه. ودع عنک نهباً صیح فی حجراته » (7).
ومن خطبه له علیه السلام ، وهی المعروفه بالشقشقیه : « أما والله لقد تقمّصها فلان ، وإنه لیعلم أنّ محلّی منها محلّ القطب من الرحا ، ینحدر عنّی السیل ، ولا یرقى إلیّ الطیر. فسدلت دونها ثوباً ، وطویت عنها کشحاً ، وطفقت أرتئی بین أن أصول بید جذّاء ، أو أصبر على طخیه عمیاء ، یهرم فیها الکبیر ، ویشیب فیها الصغیر ، ویکدح فیها مؤمن حتى یلقى ربه ! فرأیت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفی العین قذى ، وفی الحلق شجا ، أرى تراثی نهباً.
حتى مضى الأول لسبیله ، فأدلى بها إلى فلانٍ بعده. ثمّ تمثّل علیه السلام بقول الأعشى :
شتّان ما یومی على کورها * ویوم حیّان أخی جابر
فیا عجباً ! بینا هو یستقیلها فی حیاته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ! لشدّ ما تشطّرا ضرعیها ، فصیّرها فی حوزه خشناء ، یغلظ کلمها ، ویخشن مسّها ، ویکثر العثار فیها ، والاعتذار منها ، فصاحبها کراکب الصعبه ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمنی الناس ـ لعمر الله ـ بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض.
فصبرت ، على طول المده ، وشدّه المحنه ، حتى إذا مضى لسبیله ، جعلها فی جماعه زعم أنی أحدهم ! فیا لله وللشورى ، متى اعترض الریب فی مع الأول منهم حتى صرت أُقرن إلى هذه النظائر ! لکنّی أسففت إذ أسفّوا ، وطرت إذ طاروا. فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنیه ، بین نثیله ومعتلفه. وقام معه بنو أبیه ، یخضمون مال الله خضمه الإبل نبته الربیع ، إلى أن انتکث علیه فتله ، وأجهز علیه عمله ، وکبت به بطنته.
فما راعنى إلّا والناس کعرف الضبع إلی ، ینثالون علی من کلّ جانب ، فلمّا نهضت بالأمر ، نکثت طائفه ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون ، کأنّهم لم یسمعوا الله سبحانه یقول : ( تِلْکَ الدَّارُ الْآخِرَهُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِینَ لَا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ ) (۸) بلى والله ، لقد سمعوها ووعوها ، ولکنّهم حلیت الدنیا فی أعینهم ، وراقهم زبرجها… » (9).
الثالث : الردّ على مدّعیات أصحاب الشورى :
ردّ أمیر المؤمنین علیه السلام على ذرائع أهل الشورى التی تمسّکوا بها لنیل الخلافه ، کالاختیار ورضا الجماعه والصحبه وغیرها ، حیث قال : « واعجباً أن تکون الخلافه بالصحابه ، ولا تکون بالصحابه والقرابه.
قال الرضی رحمه الله : وقد روی له شعر قریب من هذا المعنى وهو :
فإن کنتَ بالشورى ملکت أمورهم * فکیف بهذا والمشیرون غُیَّبُ
وإن کنتَ بالقربى حججت خصیمهم * فغیرک أولى بالنبی وأقربُ » (10)
قال ابن أبی الحدید : حدیثه علیه السلام فی النثر والنظم المذکورین مع أبی بکر وعمر ، أمّا النثر فإلى عمر توجیهه ؛ لأنّ أبا بکر لمّا قال لعمر : « امدد یدک ، قال له عمر : أنت صاحب رسول الله فی المواطن کلّها ، شدّتها ورخائها ، فامدد أنت یدک ، فقال علی علیه السلام : إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إیاه فی المواطن کلّها ، فهلا سلّمت الأمر إلى من قد شرکه فی ذلک وزاد علیه بالقرابه !
وأمّا النظم فموجّه إلى أبی بکر ، لأنّ أبا بکر حاجّ الأنصار فی السقیفه ، فقال : نحن عتره رسول الله صلى الله علیه وآله وبیضته التی تفقّأت عنه ، فلمّا بویع احتجّ على الناس بالبیعه ، وأنّها صدرت عن أهل الحلّ والعقد. فقال علی علیه السلام : أمّا احتجاجک على الأنصار بأنک من بیضه رسول الله صلى الله علیه وآله ومن قومه ، فغیرک أقرب نسباً منک إلیه ، وأمّا احتجاجک بالاختیار ورضا الجماعه بک ، فقد کان قوم من جمله الصحابه غائبین لم یحضروا العقد ، فکیف یثبت ! » (11).
وأمّا الاحتجاج بحدیث صلاه أبی بکر بالناس عند مرض رسول الله صلى الله علیه وآله ، فقد ذکر ابن أبی الحدید خلاصه کلام شیخه أبی یعقوب یوسف بن إسماعیل اللمعانی ، ولم یکن یتشیع ، وکان شدیداً فی الاعتزال ، وقد ذکر فی کلامه ما روی عن علی علیه السلام أنّ عائشه أمرت بلالاً مولى أبیها أن یأمره لیصلّی بالناس ، لأنّ رسول الله صلى الله علیه وآله ـ کما ورد فی الخبر ـ قال : لیصلّ بهم أحدهم. ولم یعیّن ، وکانت صلاه الصبح ، فخرج رسول الله صلى الله علیه وآله وهو فی آخر رمقٍ یتهادى بین علی علیه السلام والفضل بن العباس ، حتى قام فی المحراب ، ثمّ دخل فمات ارتفاع الضحى ، فجعلوا یوم صلاته حجّه فی صرف الأمر إلیه ، وقالوا : أیکم یطیب نفساً أن یتقدّم قدمین قدّمهما رسول الله صلى الله علیه وآله فی الصلاه ! ولم یحملوا خروج رسول الله صلى الله علیه وآله إلى الصلاه لصرفه عنها ، بل لمحافظته على الصلاه مهما أمکن ، فبُویع على هذه النکته التی اتّهمها علی علیه السلام على أنّها ابتدأت منها.
وکان علی علیه السلام یذکر هذا لأصحابه فی خلواته کثیراً ، ویقول : « إنّه لم یقل صلى الله علیه وآله : إنکن لصویحبات یوسف ؛ إلّا إنکاراً لهذه الحال ، وغضباً منها ، لأنها وحفصه تبادرتا إلى تعیین أبویهما ، وأنّه استدرکها بخروجه وصرفه عن المحراب » (12).
موارد من التصحیح :
أُثیرت العدید من الشبهات فی الساحه الإسلامیه حول موضوع الإمامه ، یحرکها هوى الحکام على طول الطریق ، لإحساسهم بعدم شرعیه سلطانهم ، الأمر الذی یدفع الحکام سواء کانوا أمویین أم عباسیین إلى تصفیه الإمام الذی یعاصرهم غیره وحسداً ، لاعتقادهم القاصر بامتلاک الشرعیه بهذا الفعل الشنیع ، بل ودفع المأمون إلى إعطاء الإمام الرضا علیه السلام ولایه العهد ، لإضفاء تلک الشرعیه على سلطانه ، وعلى امتداد الزمن تُثار الشبهات حول إمامه أهل البیت علیهم السلام تحت ستار کثیف من الزیف ، بحرب إعلامیه مفتوحه یدیر دفتها أصحاب السلطه والصولجان بالأموال والمرتزقه ، أو أقطاب الفرق الضاله المناوئه ، وقد رصدنا من تلک الإثارات قولهم : لماذا لم یسمّ علیاً وأهل بیته فی کتاب الله عزّوجلّ ؟ ولماذا ینتسب أهل البیت علیهم السلام إلى رسول الله صلى الله علیه وآله فیقال لهم : یابنی رسول الله ، وإنما ینسب المرء إلى أبیه ؟ وکیف یقولون انهم ذریه النبی صلى الله علیه وآله ، والنبی لم یعقب ، وإنما العقب للذکر لا للاُنثى ؟ وقولهم : إن علیاً علیه السلام قتل أهل النهروان وهو لهم ظالم ، وقد أجاب أهل البیت علیهم السلام عن أمثال هذه الإثارات بحجج واضحه ، ففندوها وعملوا على وضعها فی مسارها الصحیح.
عن أبی بصیر قال : « سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عزّوجلّ : ( أَطِیعُوا اللهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِی الْأَمْرِ مِنکُمْ ) (۱۳) فقال : نزلت فی علی بن أبی طالب والحسن والحسین علیهم السلام.
فقلت له : إن الناس یقولون : فما له لم یسمّ علیاً وأهل بیته علیهم السلام فی کتاب الله عزّ وجلّ ؟ قال : فقال : قولوا لهم : إن رسول الله صلى الله علیه وآله نزلت علیه الصلاه ولم یسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً ، حتى کان رسول الله صلى الله علیه وآله هو الذی فسّر ذلک لهم ، ونزلت علیه الزکاه ولم یسمّ لهم من کل أربعین درهماً درهم ، حتى کان رسول الله صلى الله علیه وآله هو الذی فسّر ذلک لهم ، ونزل الحجّ فلم یقل لهم : طوفوا اُسبوعاً حتى کان رسول الله صلى الله علیه وآله هو الذی فسّر ذلک لهم ، ونزلت ( أَطِیعُوا اللهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِی الْأَمْرِ مِنکُمْ ) فی علی والحسن والحسین ، فقال رسول الله صلى الله علیه وآله فی علی علیه السلام : من کنت مولاه فعلی مولاه. وقال صلى الله علیه وآله : اُوصیکم بکتاب الله وأهل بیتی ، فإنّی سألت الله عزّوجلّ أن لا یفرّق بینهما حتى یوردهما على الحوض ، فأعطانی ذلک. وقال : لا تعلموهم فهم أعلم منکم. وقال : إنّهم لن یخرجوکم من باب هدى ، ولن یدخلوکم فی باب ضلاله.
فلو سکت رسول الله صلى الله علیه وآله فلم یبیّن من أهل بیته ، لادّعاها آل فلان وآل فلان ، لکنّ الله عزّوجلّ أنزله فی کتابه تصدیقاً لنبیه صلى الله علیه وآله ( إِنَّمَا یُرِیدُ اللهُ لِیُذْهِبَ عَنکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا ) (۱۴) فکان علی والحسن والحسین وفاطمه علیهم السلام ، فأدخلهم رسول الله صلى الله علیه وآله تحت الکساء فی بیت أم سلمه ، ثمّ قال : اللهم إنّ لکلّ نبی أهلاً وثقلاً ، وهؤلاء أهل بیتی وثقلی ، فقالت أمّ سلمه : ألست من أهلک ؟ فقال : إنک إلى خیر (۱۵) ، ولکن هؤلاء أهلی وثقلی ، فلمّا قبض رسول الله صلى الله علیه وآله کان علیّ أولى الناس بالناس ، لکثره ما بلّغ فیه رسول الله صلى الله علیه وآله وإقامته للناس وأخذه بیده… » (16).
وعن هانی بن محمد بن محمود ، عن أبیه ، رفعه إلى موسى بن جعفر علیها السلام أنه قال : « دخلت على الرشید فقال لی : لِمَ جوّزتم للعامه والخاصه أن ینسبوکم إلى رسول الله صلى الله علیه وآله ویقولون لکم : یا بنی رسول الله ، وأنتم بنو علی ، وإنما یُنسب المرء إلى أبیه ، وفاطمه إنما هی وعاء ، والنبی جدکم من قبل اُمکم ؟ فقلت : یا أمیر المؤمنین ، لو أن النبی صلى الله علیه وآله نشر فخطب إلیک کریمتک ، هل کنت تجیبه ؟ فقال : سبحان الله ! ولِمَ لا اُجیبه ؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقریش بذلک. فقلت : لکنه علیه السلام لا یخطب إلیّ ولا اُزوجه. فقال : ولِمَ ؟ فقلت : لأنّه ولدنی ولم یلدک. فقال : أحسنت یاموسى.
ثم قال : کیف قلتم إنا ذریه النبی صلى الله علیه وآله ، والنبی لم یعقب ، وإنما العقب للذکر لا للاُنثى ، أنتم ولد البنت ، ولا یکون لها عقب ؟
فقلت : أسألک بحق القرابه والقبر ومن فیه إلّا ما أعفیتنی عن هذه المسأله. فقال : لا أو تخبرنی بحجتکم فیه یاولد علی ، وأنت یاموسى یعسوبهم وإمام زمانهم ، کذا أُنهی إلیّ ، ولست أعفیک فی کل ما أسألک عنه ، حتى تأتینی فیه بحجه من کتاب الله تعالى ، وأنتم تدّعون معشر ولد علی أنه لا یسقط عنکم منه شیء ألف ولا واو إلّا وتأویله عندکم ، واحتججتم بقوله عزّوجلّ : ( مَّا فَرَّطْنَا فِی الْکِتَابِ مِن شَیْءٍ ) (۱۷) وقد استغنیتم عن رأی العلماء وقیاسهم.
فقلت : تأذن لی فی الجواب ؟ فقال : هات ! فقلت : أعوذ بالله من الشیطان الرجیم ( بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ * وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَکَذَٰلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ * وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَىٰ وَعِیسَىٰ ) (۱۸) من أبو عیسى یاأمیر المؤمنین ؟ فقال : لیس لعیسى أب.
فقلت : إنما ألحقناه بذراری الأنبیاء : من طریق مریم علیها السلام ، وکذلک أُلحقنا بذراری النبی صلى الله علیه وآله من قبل أُمنا فاطمه علیها السلام.
أزیدک یاأمیر المؤمنین ؟ قال : هات ! قلت : قول الله عزّوجلّ : ( فَمَنْ حَاجَّکَ فِیهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَکُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَکُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْکَاذِبِینَ ) (۱۹) ولم یدّع أحد أنه أدخل النبی صلى الله علیه وآله تحت الکساء عند مباهله النصارى إلّا علی بن أبی طالب وفاطمه والحسن والحسین علیهم السلام فکان تأویل قوله عزّوجلّ : ( أَبْنَاءَنَا ) الحسن والحسین ( وَنِسَاءَنَا ) فاطمه ( وَأَنفُسَنَا ) علی بن أبی طالب » (20).
وعن عیسى بن عبد الله العلوی قال : « حدثنی الأسیدی ومحمد بن مبشر أن عبد الله بن نافع الأزرق کان یقول : لو أنی علمت أن بین قطریها أحداً تبلغنی إلیه المطایا یخصمنی أن علیاً قتل أهل النهروان وهو لهم غیر ظالم ، لرحلت إلیه.
فقیل له : ولا ولده ؟ فقال : أفی ولده عالم ؟ فقیل له : هذا أول جهلک ، وهم یخلون من عالم ؟! قال : فمن عالمهم الیوم ؟ قیل : محمد بن علی بن الحسین بن علی علیهم السلام.
قال : فرحل إلیه فی صنادید أصحابه حتى أتى المدینه ، فاستأذن على أبی جعفر علیه السلام ، فقیل له : هذا عبد الله بن نافع ، فقال : وما یصنع بی وهو یبرأ منّی ومن أبی طرفی النهار ؟ فقال له أبو بصیر الکوفی : جعلت فداک ، إن هذا یزعم أنه لو علم أن بین قطریها أحداً تبلغه المطایا إلیه یخصمه أن علیاً علیه السلام قتل أهل النهروان وهو لهم غیر ظالم لرحل إلیه. فقال له أبو جعفر علیه السلام : أتراه جاءنی مناظراً ؟ قال : نعم ، قال : یاغلام ، اخرج فحطّ رحله وقل له : إذا کان الغد فأتنا.
قال : فلمّا أصبح عبد الله بن نافع غدا فی صنادید أصحابه ، وبعث أبو جعفر علیه السلام إلى جمیع أبناء المهاجرین والأنصار ، فجمعهم ثمّ خرج إلى الناس فی ثوبین ممغّرین ، وأقبل على الناس کأنه فلقه قمر. فقال : الحمد لله محیّث الحیث ، ومکیّف الکیف ، ومؤیّن الأین ، الحمد لله الذی لا تأخذه سنه ولا نوم له ما فی السماوات وما فی الأرض… وأشهد أن لا إله إلّا الله ، وحده لا شریک له ، وأشهد أن محمداً صلى الله علیه وآله عبده ورسوله اجتباه وهداه إلى صراط مستقیم. الحمد لله الذی أکرمنا بنبوته ، واختصنا بولایته. یامعشر أبناء المهاجرین والأنصار ، من کانت عنده منقبه فی علی بن أبی طالب علیه السلام فلیقم ولیتحدث. قال : فقام الناس فسردوا تلک المناقب.
فقال عبد الله : أنا أروى لهذه المناقب من هؤلاء ، وإنما أحدث علیّ الکفر بعد تحکیمه الحکمین ـ حتى انتهوا فی المناقب إلى حدیث خیبر ـ : لأعطین الرایه غداً رجلاً یحبّ الله ورسوله ، ویحبّه الله ورسوله ، کراراً غیر فرار ، لا یرجع حتى یفتح الله على یدیه. فقال أبو جعفر علیه السلام : ما تقول فی هذا الحدیث فقال : هو حقّ لا شکّ فیه ، ولکن أحدث الکفر بعدُ.
فقال له أبو جعفر علیه السلام : ثکلتک أُمک أخبرنی عن الله عزّوجلّ أحبّ علی ابن أبی طالب یوم أحبّه وهو یعلم أنه یقتل أهل النهروان ، أم لم یعلم ؟ قال ابن نافع : أعد علیّ. فقال له أبو جعفر علیه السلام : أخبرنی عن الله جلّ ذکره أحبّ علی بن أبی طالب یوم أحبّه وهو یعلم أنه یقتل أهل النهروان ، أم لم یعلم ؟ قال : إن قلت : لا ، کفرت. قال : فقال : قد علم. قال : فأحبّه الله على أن یعمل بطاعته ، أو على أن یعمل بمعصیته ؟ فقال : على أن یعمل بطاعته. فقال له أبو جعفر علیه السلام : فقم مخصوماً ، فقام وهو یقول : ( حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَکُمُ الْخَیْطُ الْأَبْیَضُ مِنَ الْخَیْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (۲۱) الله أعلم حیث یجعل رسالته » (22).
ومن الشبهات المثاره فی هذا الاتجاه ، اتهام أئمه أهل البیت علیهم السلام بادعاء علم الغیب ، والتهمه غالباً ما تکون من قبل الحکام أو المرتبطین بهم ، الأمر الذی أنکره أهل البیت علیهم السلام بشده ، فحینما أقدم المنصور الإمام الصادق علیه السلام إلى الکوفه بعد مقتل إبراهیم بن عبد الله بن الحسن ، وصار بین یدیه قال له المنصور : « أنت الذی تعلم الغیب ؟ فقال علیه السلام : لا یعلم الغیب إلّا الله » (23).
وقال یحیى بن عبد الله بن الحسن لأبی الحسن علیه السلام : « جعلت فداک ، انهم یزعمون أنک تعلم الغیب ؟ فقال علیه السلام : سبحان الله ! ضع یدک على رأسی ، فوالله ما بقیت شعره فیه ولا فی جسدی إلّا قامت. ـ ثم قال : ـ لا والله ما هی إلّا وراثه عن رسول الله صلى الله علیه وآله » (24).
 
______________________________________________

۱٫ نهج البلاغه : ۴٧ ـ الخطبه ٢.
۲٫ نهج البلاغه : ١۴٣ ـ الخطبه ٩٧.
۳٫ نهج البلاغه : ٢٠١ ـ الخطبه ١۴۴.
۴٫ مسند أحمد ١ : ٨٨ و ١١٨ ، فضائل الصحابه / لأحمد بن حنبل ٢ : ۵٨۵ / ٩٩١ و ٩٩٢ ، أسد الغابه ٢ : ٢٣٣ ، الاصابه ۴ : ١٨٢ ترجمه عبدالرحمن بن مدلج.
۵٫ نهج البلاغه : ۵٣ ـ الخطبه ۶.
۶٫ نهج البلاغه : ٢۴۶ ـ الخطبه ١٧٢.
۷٫ نهج البلاغه : ٢٣١ ـ الخطبه ١۶٢.
۸٫ سوره القصص : ٢٨ / ٨٣.
۹,. نهج البلاغه : ۴٨ ـ الخطبه ٣.
۱۰٫ شرح ابن أبی الحدید ١٨ : ۴١۶.
۱۱٫ شرح ابن أبی الحدید ١٨ : ۴١۶.
۱۲٫ شرح نهج البلاغه ٩ : ١٩٧ ، بحار ٢٨ : ١۵٩.
۱۳٫ سوره النساء : ۴ / ۵٩.
۱۴٫ سوره الأحزاب : ٣٣ / ٣٣.
۱۵٫ أخرج الترمذی وغیره عن أُم سلمه : أن النبی صلى الله علیه وآله جلّل على الحسن والحسین وعلی وفاطمه کساء ، وقال : اللهمّ أهل بیتی وحامتی أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهیراً. قالت أُمّ سلمه : وأنا معهم یارسول الله ؟ فقال : إنّکِ إلىٰ خیر. سنن الترمذی ۵ : ٣۵١ / ٣٢٠۵ و ۵ : ۶۶٣ / ٣٧٨٧ و ۶۶٩ / ٣٨٧١. وروی حدیث الکساء فی مسند أحمد ۴ : ١٠٧ و ۶ : ٢٩٢ و ٣٠۴. ومصابیح السُنّه ۴ : ١٨٣. ومستدرک الحاکم ٢ : ۴١۶ و ٣ : ١۴٨ وقال : هذا حدیث صحیح على شرط البخاری ولم یخرجاه ، وتفسیر الطبری ٢٢ : ۶ و ٧. وتاریخ بغداد ٩ : ١٢۶ و ١٠ : ٢٧٨. وأُسد الغابه ٢ : ١٢ و ۴ : ٢٩. والمعجم الکبیر / الطبرانی ٩ : ٢۵ / ٨٢٩۵ ، ٢٣ : ٢۴٩ و ٢٨١ و ٣٢٧ و ٣٣٣ و ٣٣۴ و ٣٣٧ و ٣٩۶.
۱۶٫ الکافی ١ : ٢٨۶ / ١.
۱۷٫ سوره الأنعام : ۶ / ٣٨.
۱۸٫ سوره الأنعام : ۶ / ٨۴ ـ ٨۵.
۱۹٫ سوره آل عمران : ٣ / ۶١.
۲۰٫ عیون أخبار الرضا ١ : ٨٣.
۲۱٫ سوره البقره : ٢ / ١٨٧.
۲۲٫ الکافی ٨ : ٣۴٩ / ۵۴٨.
۲۳٫ مقاتل الطالبیین : ٢٣٢.
۲۴٫ أمالی المفید : ٢٣ / ۵.
 
مقتبس من کتاب معالم الإصلاح عند أهل البیت علیهم السلام

Leave A Reply

Your email address will not be published.