القرآن الکریم وإعجازه
وکفى به معجزاُ عظیماً مدى الدهر ، ودلیلاً على نبوّه الرسول الأعظم صلّى الله علیه وآله وسلّم فی کلّ عصر.
قال الشیخ الصدوق : « إعتقادنا فی القرآن أنّه کلام الله ، ووحیه وتنزیله ، وقوله ، وکتابه.
وأنّه لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه.
وأنّه القصص الحقّ ، وأنّه قول فصل ، وما هو بالهزل.
وأنّ الله تعالى مُحدثه ، ومنزله ، وحافظه ، وربّه » (١).
وإعجاز القرآن ثبت لکلّ العلماء وجمیع العقلاء وکافّه البشریّه جمعاء ، فی کلّ زمان ومکان وبکلّ لغه للإنسان.
فالقرآن الکریم تحدّى العرب العرباء ومصاقع الخطباء ، وقَرَع بالعجز أهل البلاغه والفصاحه على أن یأتوا بمثله ، بل بعشر سور مثله ، بل إتیان سوره واحده مثله ، فلم یستطیعوا إلى ذلک سبیلاً ولن یستطیعوا على الإتیان به أبدا إلى زماننا هذا والأزمنه الآتیه تلوا ، بالرغم من أنّ جزیره العرب وبلدانهم کانت مملوءهً بالفصحاء ومشحونه بالبلغاء وواجدهً لأرفع الشعراء ، ممّن امتاز بالکلمات الملیحه ، والأشعار الفصیحه إلى حدّ إنشاد الأشعار المعلّقه والخطب البلیغه.
وبالرغم من ذلک عجزوا عن الإتیان بمثله ، وهم الآن ناکصون عن معارضته ومعترفون بالعجز عن مماثلته ، کما أخبر به مُنزله الکریم فی آیات الذکر الحکیم :
١ ـ قال عزّ اسمه : ( قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الاْءِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ یَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ یَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ کَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِیرا ) (۲).
٢ ـ وقال تبارک وتعالى : ( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَیَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ کُنتُمْ صَادِقِینَ ) (۳).
٣ ـ وقال تعالى شأنه : ( وَإِنْ کُنتُمْ فِی رَیْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَهٍ مِنْ مِثْلِهِ … ) (۴).
ومع توفّر دواعیهم وکثره مساعیهم على المعارضه ، عجزوا عن الإتیان بمثله واعترفوا بعدم إمکان معارضته ، کما تلاحظه فی الحدیث التالی :
روی أنّ ابن أبی العوجاء وثلاثه نفر من الدهریه اتّفقوا على أن یعارض کلّ واحد منهم ربع القرآن. وکانوا بمکّه عاهدوا على أن یجیؤوا بمعارضته فی العام القابل ، فلمّا حال الحول واجتمعوا فی مقام إبراهیم علیه السلام قال أحدهم : إنّی لمّا رأیت قوله : ( وَقِیلَ یَا أَرْضُ ابْلَعِی مَاءَکِ وَیَا سَمَاءُ أَقْلِعِی وَغِیضَ الْمَاءُ ) (۵) کففت عن المعارضه ، وقال الآخر : وکذا أنا لمّا وجدت قوله : ( فَلَمَّا اسْتَیْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِیّا ) (۶) أیست من المعارضه ، وکانوا یسرّون بذلک إذ مرّ علیهم الصادق علیه السلام فالتفت إلیهم وقرأ علیهم : (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الاْءِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ یَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ یَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) (۷) فبهتوا (۸).
وقد تمّت الحجّه وثبتت المحجّه فی الإعجاز على غیر العرب أیضاً بألفاظ القرآن الکریم من حیث نقل لهم إعجاز القرآن فی ألفاظه تواتراً ، مضافاً إلى أنّه ثبت الإعجاز فی معانی القرآن الحکیم أیضاً فی ترجمته عیاناً ، بما اشتمل علیه من عوالی المعانی ورفیع المبانی ، وإخباراته الغیبیّه ومدالیله الزکیّه.
ومن لم یقبل الإسلام بعده فإنّما أنکره لعنادٍ فیه ، وعصبیّه منه ، وقد جحدوا بها وإستیقنتها أنفسهم.
ولذلک عدل المعاندون والمشرکون إلى الحرب والمشاقّه مع النبی الأکرم صلّى الله علیه وآله وسلّم حین أبوا من قبول الحقّ منه.
ونفس حربهم کان دلیلاً على عجزهم ، وإلّا فالإنسان لا یختار فی المقابله مع خصمه الطریق الأصعب مع وجود الطریق الأسهل الأرغب.
ولو کان یسعهم ویمکنهم مماثله القرآن والإتیان بسوره مثله ، لکانوا یقابلوه بالقرآن المماثل بدل أن یختاروا الحرب القاتل الذی أفناهم وأخزاهم ، وقد ظهر الحقّ على کلّ حال والحمد للّه.
وحین ثبت العجز فی جمیع القرون الطویله بعد التحدّی الواضح المبین ثبت أنّه لیس کلام الآدمیّین والمخلوقین ، بل هو کلام الله تعالى ، وإعجاز نبیّه ، وتنزیل الله الخالق العظیم الذی أنزله على ولیّه ..
وثبوت نبوّه نبیّه ورسوله یکون بنصّ کلام خالقه ومُنزله.
فقد شهد القرآن صریحاً برسالته ونصّ على نبوّته ودلّ على خاتمیته فی آیات عدیده من الذکر الحکیم مثل :
١ ـ قوله تعالى : ( مَا کَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِکُمْ وَلَکِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِیِّینَ ) (۹).
٢ ـ قوله تعالى : ( یَا أَیُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ شَاهِدا وَمُبَشِّرا وَنَذِیرا وَدَاعِیا إِلَى اللّه بِإِذْنِهِ وَسِرَاجا مُنِیرا ) (۱۰).
٣ ـ قوله تعالى : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَیْنَهُمْ … ) (۱۱).
هذا ، والإعجاز القرآنی باقٍ ببقاء الدهور وخالد على مرّ العصور ..
کما یستفاد خلوده مضافاً إلى الحسّ الوجدانی من الدلیل الروائی بل القرآنی.
فمن الکتاب الکریم :
نفی الإستقبال المفید للإستمرار فی قوله تعالى : ( لاَ یَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ کَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِیرا ) (۱۲) بل اللام فی ( لئن ) فی أوّل الآیه موطّئه للقسم ودالّه علیه ، والتقدیر : فوالله لا یأتون بمثله .. کما أفاده المفسّرون.
ومن الروایات الشریفه :
أحادیث عدیده مثل :
١ ـ ما رواه محمّد بن موسى الرازی ، عن أبیه قال : ذکر الرضا علیه السلام یوماً القرآن فعظّم الحجّه فیه والآیه المعجزه فی نظمه ، فقال :
« هو حبل الله المتین ، وعروته الوثقى ، وطریقته المثلى ، المؤدّی إلى الجنّه ، والمنجی من النار ، لا یخلق من الأزمنه ، ولا یغثّ على الألسنه ، لأنّه لم یجعل لزمان دون زمان ، بل جعل دلیل البرهان ، وحجّه على کلّ إنسان ، لا یأتیه الباطل من بین یدیه ، ولا من خلفه تنزیل من حکیم حمید » (13).
٢ ـ حدیث إبراهیم بن العبّاس عن الإمام الرضا ، عن أبیه علیهما السلام أنّ رجلاً سأل أبا عبدالله علیه السلام : ما بال القرآن لا یزداد على النشر والدرس إلّا غضاضه ؟ فقال :
« لأنّ الله تبارک وتعالى لم یجعله لزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو فی کلّ زمان جدید ، وعند کلّ قوم غضّ إلى یوم القیامه » (14).
ثمّ إنّ إعجاز القرآن الکریم محقّق من جهات عدیده کثیره ، نذکر منها عشره کامله وهی :
الاُولى : إنّ القرآن الکریم معجزٌ من حیث إختصاصه بمرتبه علیا فی الفصاحه والبلاغه خارقه للعاده ، لا یمکن لأحد من البشر أن یأتی بمثلها ، أو أن یدانیها.
الثانیه : من حیث کونه مرکّباً من نفس الحروف الهجائیه التی یَقْدر على تألیفها کلّ أحد ، ومع ذلک عجز الخلق عن ترکیب مثله بهذا الترکیب العجیب والنمط الغریب.
الثالثه : من حیث إمتیازه عن غیره من الکلام العربی بإمتیاز ملیح ، فإنّ أیّ کلام فی هذه اللغه مهما کان فصیحاً وبلیغاً إذا زیّن بالقرآن الکریم ، تجد القرآن ممتازاً عنه ، متفوّقاً علیه.
الرابعه : من حیث اتّصافه بنظم فرید ، واُسلوب وحید ، غیر معهود فی جمیع الأزمنه لا شعراً ولا نثراً ، لذلک نسبه اُدباء الکفّار إلى السحر وذلک لأخذه بمجامع القلوب ، واتّصافه بالجاذبیه الخاصّه.
الخامسه : من حیث إنّه مع طوله ووفره آیاته ، وکثره سوره ، خالٍ عن الإختلال والتناقض والتهافت ( وَلَوْ کَانَ مِنْ عِنْدِ غَیْرِ الله لَوَجَدُوا فِیهِ اخْتِلافا کَثِیرا ) (۱۵).
فلا تجد فیه کلمه خالیه عن الفصاحه ، ولا آیه مخالفه لآیه اُخرى ، بل جمیعه موصوف بغایه الجوده ، ومتّصف بما لم تجر بمثله العاده.
السادسه : من حیث إشتمال القرآن الکریم على أحسن الآداب ، وأمتن الحِکَم وأکمل المواعظ ، وأصوب القوانین ، وأتمّ الأحکام فی العبادات والمعاملات والمعاشرات ، فی اُمور الحیاه فی الاُسره والإجتماع ، وفی جمیع الحدود والأقضیه فی السفر والحضر ، والأمن والخوف ، والحرب والسلم ، والعُسره والغلبه ، وکلّ ما یحتاجه الإنسان فی اُصوله وفروعه ، بشکل لیس فیها أدنى خلل ، ولا یحتاج إلى أقلّ تصحیح ، علما بأنّ ما کان فیه من النسخ فهو مفید لموقّتیّه الحکم المنسوخ لا تصحیحاً لأصل الحکم.
فجعل الله تعالى هذا القرآن مشتملاً على کلّ ما یحتاج إلیه الاُمم ، وهادیاً إلى التی هی أقوم ، کما جعل بیانه وتبیانه عند مهابط وحیه وخزّان علمه ، وترجمانه فی خلقه النبی الأمین وآله الطاهرین صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین.
السابعه : من حیث ما تضمّنه من الأخبار والآثار فی قضایا الاُمم السالفه ، وخفایا القصص الماضیه ، ودقائق القرون الخالیه ، مثل نبأ النبی آدم ومسائل نوح واُمور إبراهیم وقصّه أصحاب الکهف وقضایا موسى وأسرار الخضر ومسائل ذی القرنین وحیاه یوسف علیهم السلام ممّا لم یطّلع علیها أحد إلّا خواصّ الأحبار والرهبان الذین لم یکن النبی صلّى الله علیه وآله وسلّم معاشرا معهم ، بل کان بعیداً عن مخالطتهم.
فکتاب کهذا من هذا النبی الکریم الذی لم یتعلّم عند أحد ، یکشف قطعاً عن کونه من الله بجمیع الاُمور.
علماً بأنّ ما بیّنه النبی ، من أخبار القرآن لم یکن إقتباساً من کتبهم ، بل نقلاً لحقیقه الأمر ، وواقعه الموجود عندهم ، وإلّا لکانوا یرمونه بالسرقه من کتبهم وهم غیر آبین عن توجیه التهمه فکیف بافشاء العائبه.
الثامنه : من حیث إشتماله على الإخبار عن ضمائر المنافقین ، وبواطن الکافرین ونوایا المشرکین الخفیّه التی لم یطلع علیها أحد .. حتّى أنّهم کانوا یحذرون من أن تنزل فیهم آیه تفضحهم وتکشف نوایاهم.
بل أخبر عن الاُمور المستقبله والحوادث المقبله ، والغیب الصادق ، والنبأ المطابق ، ممّا لم یطّلع علیه إلّا علّام الغیوب ، مع کمال المطابقه والصدق ، کما فی قوله تعالى : ( سَیُهْزَمُ الْجَمْعُ وَیُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (۱۶) وقوله تعالى : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آمِنِینَ ) (۱۷) وقوله تعالى : ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَیَغْلِبُونَ ) (۱۸) وقوله عزّ اسمه : ( وَالله یَعْصِمُکَ مِنْ النَّاسِ ) (۱۹) وقوله عزّ شأنه : ( لاَ یَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ کَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِیرا ) (۲۰) وقوله تعالى : ( إِنَّ شَانِئَکَ هُوَ الاْءَبْتَرُ ) (۲۱) وغیر ذلک من الآیات الکثیره.
هذا ، مضافاً إلى إخباراته عن الاُمور العلمیّه التی لم تنکشف إلاّ فی الآونه الأخیره والقرون المتأخّره ممّا کانت آنذاک غیباً لم یطّلع علیها أحد ، وهی کثیره تجدها فی الکتب المؤلّفه لبیانها.
التاسعه : من حیث خواصّه المعنویه ، وخصائصه الذاتیّه ، وشفائه للأرواح ، وعلاجه للأجسام ، وإطمئنانه للقلوب ، وبرکاته فی النفوس.
العاشره : من حیث طراوته وحلاوته وعدم الملل منه عند تلاوته وقراءته مهما زادت وتکرّرت.
ولا یخلق على طول الأزمان ، ولا یبلى فی طول الدهر ، بل یستفاد منه فی کلّ قراءه جدیده ، نکته جدیده.
فهو کلام الله البالغ ، وحکمه الساطع ، وهو نور لا یطفأ ، وسراج لا یخبو ، کما تلاحظه فی خطبه أمیر المؤمنین علیه السلام فی نهج البلاغه (۲۲).
_________________________________________
۱٫ إعتقادات الصدوق : ( ص ٨٣ ).
۲٫ سوره الإسراء : ( الآیه ٨٨ ).
۳٫ سوره هود : ( الآیه ١٣ ).
۴٫ سوره البقره : ( الآیه ٢٣ ).
۵٫ سوره هود : ( الآیه ۴۴ ).
۶٫ سوره یوسف : ( الآیه ٨٠ ).
۷٫ سوره الإسراء : ( الآیه ٨٨ ).
۸٫ بحار الأنوار : ( ج ٩٢ ص ب١ ح ١۵ ).
۹٫ سوره الأحزاب : ( الآیه ۴٠ ).
۱۰٫ سوره الأحزاب : ( الآیتان ۴۵ و ۴۶ ).
۱۱٫ سوره الفتح : ( الآیه ٢٩ ).
۱۲٫ سوره الإسراء : ( الآیه ٨٨ ).
۱۳٫ بحار الأنوار : ( ج ٩٢ ص ١۴ ب ١ ح ۶ ).
۱۴٫ بحار الأنوار : ( ج ٩٢ ص ١۵ ب ١ ح ٨ ).
۱۵٫ سوره النساء : ( الآیه ٨٢ ).
۱۶٫ سوره القمر : ( الآیه ۴۵ ).
۱۷٫ سوره الفتح : ( الآیه ٢٧ ).
۱۸٫ سوره الروم : ( الآیه ٣ ).
۱۹٫ سوره المائده : ( الآیه ۶٧ ).
۲۰٫ سوره الإسراء : ( الآیه ٨٨ ).
۲۱٫ سوره الکوثر : ( الآیه ٣ ).
۲۲٫ نهج البلاغه : ( ص ٢٠٢ رقم الخطبه ١٩٣ من الطبعه المصریه ).
مقتبس من کتاب العقائد الحقّه