کیف قتل الخلیفه الثانی ؟

0

 
والمغیره یحقد علیه لأنه عزله عن البصره بعد أتِّهامه بالزنا ، وفی أکثر من مناسبه، کان یخاطبه قائلا: واللـه لا أظن أبا بکره قد کذب علیک.  ویرى عبد الرحمن بن أبی بکر أن جفینه غلام سعد بن أبی وقاص کان مشترکاً فی الجریمه، وسعد کان تربطه بالبیت الأموی قرابه حمیمه ، حیث إن أمّه کانت أخت أبی سفیان.
   والواقع: أن الأسباب التی یرى المؤرخون أنها کانت وراء إقدام أبی لؤلؤه على اغتیال الخلیفه الثانی، تافهه، ولا یمکن أن تصمد أمام النقد، حیث إن مجرد رفع المغیره مولاه الضریبه علیه لا تدعو لاغتیال الخلیفه ، بل لاغتیال مولاه ، والذی تذهب إلیه الضریبه مباشره ، فلما اشرف الخلیفه على الوفاه جعلها شــــــورى بین سته . وجعل الإمام علیّاً (علیه السلام) واحداً منهم ، أما الباقون فهم : عثمان ، وعبد الرحمن بن عـوف ، وطلحه ، والزبیر ، وسعد بن أبی وقاص .
   وکان واضحاً من طبیعه الشورى ، ومن وصیه عمر بأن یؤخذ برأی الثلاثه ، الذین فیهم عبد الرحمن بن عوف ، الذی کان یفضل صهره عثمان . وهکذا فإن الخلیفه الثانی اختار خلیفته بلباقه ، ولعله فعل ذلک بوحی مخاوفه السابقه من انتقال الخلافه إلى الإمام (علیه السلام) باعتباره النجم اللامع الذی إذا سطع فی سماء الخلافه ، ولم یبق لغیره بریق ، أولم یقل – وهو یستعرض صفات  الست ، وینعت کل واحد منهم بأبشع  الصفات ، إلاّ علیّاً . فیقول فیه : لله أنت لولا دعابه فیک . أما واللـه لو ولیتهم لتحملنّهم على الحق الواضح والمحجه البیضاء .
   وهذا یعنی أن خلافه علی (علیه السلام) کانت تنسف الأسس التی بناها الخلیفتان من قبله ، ولعله لذلک رفض الإمام شرطاً من عبد الرحمن بن عوف علیه بأن یعمل بسیره الشیخین . إلاّ أن الإمام (علیه السلام) حین خرج من بیت الشورى وقد تمت البیعه ، لعثمان بن عفان قال : “ نحن أهــل بیت النبوه ، ومعدن الحکمه ، أمان لأهل الأرض ، ونجاه لمــــن طلب ، إن لنا حقّاً إن نُعطــــه أخذناه ، وإن نمنعه نرکب أعجاز الإبل “ .
   ( أی نکون تبعاً لغیرنا ) . ثم التفت إلى ابن عوف وقال :” لیس هذا بأول یوم تظاهرتم فیه علینا فصبر جمیل واللـه المستعان على ما تصفون . واللـه ما ولَّیته الأمر إلاّ لیردَّه علیک “ [1] .
   وقال أیضاً : “ أیها الناس ! لقد علمتم أنی أحق الناس بهذا الأمر من غیری . أَمَا وقد انتهى الأمر إلى ما ترون فو اللـه لأُسالمن ما سلمت أمور المسلمین ولم یکن جور إلاّ علیَّ خاصه ، التماسا لأجر ذلک وفضله وزهداً فیما تنافستموه من زخرفه “ [2] .
بنو أمیه تتسلل إلى السلطه :
   إذا کانت معادله السلطه مالت فی أخریات أیام الخلیفه الثانی إلى جانب الخط الرسالی ، فإنها فسدت فی عهد الخلیفه الثالث ، لمصلحه الخط الأموی بعد نجاح هذا الخط فی دعم خلافه واحد منهم ، وإخفاء آثار اغتیال الخلیفه ، بقتل المشارکین فیها من غیر حزبهم !
   وهکذا لم یکن تسلل بنی أمیه إلى السلطه فی عهد الخلیفه الثالث خارجاً عن منطق الأحداث . فإنما صعد نجم الخلیفه بهم ، ولعل الشرط الثالث الذی اقترحه عبد الرحمن على الإمام علی فرفضه وقبله عثمان کان محتواه إبقاء امتیازات بنی أمیه ، ومنها ولایه الشام لمعاویه . ولقد قال الخلیفه الثانی عند وفاته لعثمان : هبها إلیک کأنی بک قد قلدتک قریش هذا الأمر لحبها إیاک ، فحملت بنی أمیه وبنی معیط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفیء ، فسارت إلیک عصابه من ذؤبان العرب فذبحوک على فراشک ذبحاً . واللـه لئن فعلَتْ لَتفعلنّ ولئن فعلتَ لَیُفعلن بک ، ثم أخذ ناصیته وقال : فإذا کان ذلک فاذکر قولی [۳] .
   هکذا أوجز بعض المؤرخین الوضع فی عهد الخلیفه الثالث فقال : لقد أوطأ بنی أمیه رقاب الناس ، وولاهم الولایات ، وأقطعهم القطائع وافتتحت أرمینیه فی زمانه فأخذ الخمس کله ووهبه لمروان .
  وطلب منه عبد اللـه بن خالد بن أسید خله ، فأعطاه أربعمائه ألف درهم ، وافتتح خلافته بإرجاع الحکَم بن أبی العاص وبنیه وأسرته إلى المدینه بعد أن طردهم رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) منها ، ولم یقبل ( رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) ) بهم شفاعه أحد أبداً . کما رفض الشیخان أبو بکر وعمر إرجاعهم إلیها وشفاعه المتشفعین بهم .
   وقد أنکر المسلمون ذلک أشد الإنکار . ولکن عثمان لم یلبث أن ولاه صدقات قضاعه فبلغت ثلاثمائه ألف درهم فوهبها له .
   ثم إن رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) کان قد تصدق بموضع سوق فی المدینه یُسمَّى ( بهزون ) على المسلمین فأقطعه ابن عفان إلى الحرث بن الحکَم شقیق مروان – کما یذکر ذلک ابن أبی الحدید – ویضیف :
   أقطع مروان خدعاً وکانت لفاطمه الزهراء (علیها السلام) ، وحمی المراعی حول المدینه کلها ، منع عنها مواشی المسلمین ، وأباحها لمواشی بنی أمیه . وأعطى عبد اللـه بن أبی سرح – وهو أخوه من الرضاعه – جمیع ما أفاء اللـه علیه من فتح أفریقیا .
   وأعطى أبا سفیان بن حرب مائتی الف من بیت المال فی الیوم الذی أمر فیه لمروان بمائه ألف ، وکان قد زوجه ابنته أم أبان ، فجاءه زید بن أرقم صاحب بیت المال بالمفاتیح ووضعها بین یدی عثمان وبکى – فقال له : لتبکی أن وصلت رحمی ؟ فقال : لا ولکن أبکی لاننی ظننت انک أخذت هذا المال عوضاً عما کنت تنفقه فی حیاه رسول اللـه ، واللـه لو أعطیت مروان مائه درهم لکان کثیراً علیه ، فقال له : أُلقِ المفاتیح یابن أرقم فإنا سنجد غیرک .
الثوره التی لم ترحم :
   أنشبت بنو أمیـــه ، أظفارها فی السلطه ، وبدأت تنهب أموال المسلمین نهباً ، وتبنی بها حزبها السیاسی ، وقوتها العسکریه . ولأنها کانت ذات نفوذ سیاسی قبل الإسلام ، ولها علاقات مع القوى السیاسیه والعسکریه فی الجزیره ، وتجارب سیاسیه ، ولأن سماحه الإسلام ، وضعف بعض القیادات هیأت لهم فرصه النمو فی الظل ، فقد حافظوا على أفکارهم وتقالیدهم وعلاقاتهم ، بل وهیکلیه قیادتهم طوال الفتره التی کانوا بعیدین فیها عن السلطه ظاهراً ، بالرغم من تداخلهم فیها ..
   بل ، إن أبا سفیان ، وهو قائدهم فی الجاهلیه وموجههم فی الإسلام ، یزور الخلیفه الثالث ، فیجد عنده حاشیته من بنی أمیه ، فیسأل جلیسه هل فی الحضور غریب ؟. وکان قد کُفَّ بصرهُ آنئذٍ ، فلما أجابه بالنفی واطمأن أبدى ما یجول فی خاطره فخاطب قومه : تلقَّفوها یا بنی عبد الدار تلقف الصبیان للکره . فَوَ الذی یحلف به أبو سفیان لا جنَّه ولا نار !. فقام إلیه الإمام علی (علیه السلام) الذی کان حاضراً فی طرف المجلس فنهره .. فقال أبو سفیان العتب لیس علی وإنما على الذی غرَّنی وقال لا غریب بین الحضور .. فتصوَّر هذا العذر السخیف من ذلک الشیخ الذی ما دخل الإیمان إلى قلبه .
   وعندما تصاعدت أمواج الثوره ضد تصرفات بنی أمیه ، فی عهد الخلیفه الثالث ، مرّ معاویه وکان یومذاک قائد قوات بنی أمیه واقعاً ، ووالی الشام – فی الظاهر – ، مرّ بقوم من کبار المهاجرین ، فیهم علی (علیه السلام) وطلحه والزبیر فقال : إنکم تعلمون أن هذا الأمر کان الناس یتغالبون علیه ، حتى بعث اللـه نبیَّه فتفاضلوا بالسابقه والقدمه والجهاد . فإن أخذوا بذلک فالأمر أمرهم والناس لهم تبع . وإن طلبوا الدنیا بالتغالب سلبوا ذلک ، ورده اللـه إلى غیرهم . وإن اللـه على البدل لقادر ، وإنی قد خلفت فیکم شیخاً فاستوصوا به خیراً وکاتفوه تکونوا أسعد منه بذلک . [۴]
   وعرف الحاضرون مغزى کلامه ، فلقد هددهم بأنه وحزبه سوف ینقلبون على أصحاب النبی (صلى الله علیه وآله) لولم ینتصروا لعثمان .. وهکذا یقول ابن أبی الحدید المعتزلی : من هذا الیوم أنشب معاویه أظفاره فی الخلافه لأنه غلب على ظنه قتل عثمان ألا ترى إلى قوله : وإن طلبوا الدنیا بالتغالب سلبوا ذلک ورده إلى غیرهم وهو على البدل لقادر . وإنما یعنی نفسه ولذا تربص بنصره عثمان لما استنصره [۵] .
   لقد أتم الحزب الأموی استعداده للإنقلاب على النظام الإسلامی ، وإقامه نظام جاهلی جدید ، یتخذ من الدین وسیله جدیده للسیطره .
   وثار الناس من کل مکان ، ولا سیما من الکوفه والبصره ، ومصر .. ومشى من کل منها ألف مسلح إلى المدینه فی محاوله للضغط على الخلیفه ، وکان هوى أهل الکوفه فی الزبیر ، بینما کان أهل البصره یمیلون إلى طلحه ، أما أهل مصر فکانوا شیعه الإمام (علیه السلام) .
   ولم یکن الإمام (علیه السلام) راضیاً لفعال الخلیفه ، ولکنه حاول جهده تجنب الفتنه . وکم کان یسعى لإصلاح ما أفسده بنو أمیه فی الحکم ، إلاّ ان الخرق کان قد اتَّسع على راقعه .
   ولعل الحدیث التالی یکفینا شاهداً على موقف الإمام الإصلاحی ، وکیف کان یجابَهُ بضغوط بنی أمیه الغالبین على أمر الخلیفه . ولعلهم کانوا ینتظرون أمراً آخر . أو کانت قیادتهم المتمثله فی معاویه تخطط فعلاً لقتل الخلیفه عسى أن یتخذوه شعاراً لحرکتهم نحو السلطه .
   الحدیث یقول :  إن الثوار کتبوا إلى عثمان یدعونه إلى التوبه ، وأقسموا له باللـه أنهم لایرجعون عنه أبداً ، وغیر تارکیه حتى یعطیهم ما یلزمهم من حق اللـه . وأحس عثمان أن القوم جادُّون فی طلباتهم ، فأرسل إلى علی (علیه السلام) فلما جاءه قال له : یا أبا الحسن قد کان من الناس ما رأیت ، وکان منی ما قد علمت ، ولست آمَنَهُم على قتلی ، فارددهم عنّی ، فإن لهم واللـه أن أعفیهم من کل ما یکرهون ، وأن أعطیهم من نفسی ومن غیری ما یریدون وإن فی ذلک سفک دمی .
   فقال له أمیر المؤمنین (علیه السلام) :  “ إن الناس إلى عدلک أحوج منهم إلى قتلک ، وإنی لأرى القوم لا یرضون إلاّ بالرضا . وقد کنت أعطیتهم فی المره الأولى عهد اللـه أن ترجع عن جمیع ما نقموا ، فرددتُهم عنک ، ولم تفِ لهم بشیء من ذلک ، فلا تغرَّننی – هذه المره – من شیء فإنی معطیهم علیک الحق “ .
   قال : نعم ، فأعطهم واللـه الآن ، فواللـه لأَفِیَنَّ لهم بکل ما ترید .
   فخرج علی إلى الناس ، وقال : “ أیها الناس ! إنکم إنما طلبتم الحق وقد أعطیتموه ، إن عثمان زعم أنه منصفکم من نفسه ومن غیـــره ، وراجع عن کل ما تکرهون “ .
   فاقبلوا منه ، ووکدوا علیه .
   فقال الناس : قد قبلنا ، فاستوثق لنا منه ، فإنا واللـه لانرضى بقول دون فعل .
   فقال لهم : ذلک لکم .
   وتمضی الروایه تحدثنا عن أن رساله خرجت – بعد هذه المعاهده – من بیت الخلیفه الثالث إلى عُمَّاله وعلیها خاتم الخلیفه ، یدعوهم فیها إلى نصرته ، وقتل رؤساء المعارضین ، وأنه أخذ یتأهب للقتال ویعدّ جیشاً عظیماً من رقیق الخمس .. مما أثار شکوک المعارضین ، فعادوا إلیه ، وطالبوه بعزل الولاه فوراً ، أو خلع نفسه فلم یفعل . ثم أنکر الرساله وادَّعى أنها تزویر علیه .. ولعل أصابع بنی أمیه داخل البیت کانت قد زورت الرساله وغیّمت سحب الشکوک ، ووقعت الفتنه [۶] .
   وهکذا جرت الریاح فی اتجاه العنف ، وقتل عثمان ، وغلب الثوار على المدینه ، ولخص الإمام علی (علیه السلام) الواقعه بعدئذ فی کلمتین ، حین قال عن مقتله :
   “ لو أمرت به لکنت قاتلاً ، أو نهیت عنه لکنت ناصراً “ .
   وأضاف : “ وأنا جامع لکم أمره : استأثر فأساء الاثره ، وجزعتم فأسأتم الجزع ، ولله حکم واقع فی المستأثر والجازع “ [7] .
   ولعل حکم اللـه الواقع فی المستأثر أن یکبوَ به فرس السلطه ویقتل على فراشه ، وحکمه فی الجازع أن یکون کمن یجتنی الثمره فی غیر أوانها فلا یهنأ بها . وهکذا استطاع الحزب الأموی أن یستفید من مقتل الخلیفه أکثر من الثوار . حتى تبرَّأ من مقتل الخلیفه مَن کان مِن أشد المحرِّضین علیه ، فهذه أم المؤمنین عائشه کانت تهتف : اقتلوا نعثلاً فقد کفر . وهذا طلحه والزبیر ، کانا یواصلان التحریض علیه ویجرِّدان الجیوش ضدَّه . وهذا عمرو بن العاص یؤلِّب علیه حتى الرعاه . ولکنهم جمیعاً انحازوا إلى صف المطالبین بدمه .
   ولو سمعوا نصیحه الإمام (علیه السلام) لکانت الخلافه تعود إلى مراسیها دون إراقه دماء ، وإثاره الفتن .
ـــــــــــــــــــ
([۱]) راجع : سیره الأئمه الاثنى عشر ( ج۱ / ص ۳۹۴ ) .
([۲]) المصدر : ص ( ۳۹۷ ) .
([۳]) المصدر : ( ص ۳۸۰ ) .
([۴]) فی رحاب أئمه أهل البیت : ج ۱ ، ص ۳۴۳ .
([۵]) المصدر : ج ۱ ، ص ۳۴۳ .
([۶]) سیره الأئمه الاثنى عشر : ج ۱ ، ص ۴۲۳ – ۴۲۵ نقلاً عن الطبری : ص (۱۱۲) المجلد الخامس .
([۷]) فی رحاب أئمه أهل البیت : (ص ۳۴۸ ) . ویقول ابن ابی الحدید فی شرح النهج ج۱ / ص ۲۳۱ : " سئل ابو سعید الخدری : هل شهد مقتل عثمان احد من الصحابه ؟ قال نعم : شهده ثمانمایه " .

Leave A Reply

Your email address will not be published.