مناظرات الإمام الکاظم علیه السلام
وقد اعترفوا کلهم بالعجز والفشل معجبین بغزاره علم الإمام وتفوقه علیهم.
۱ـ مع هارون الرشید
دخل إلیه وقد عمد على القبض علیه، لأشیاء کذبت علیه عنده، فأعطاه طوماراً طویلاً فیه مذاهب وشنعه نسبها إلى شیعته فقرأه (علیه السلام) ثم قال له: یا أمیر المؤمنین نحن أهل بیت منینا بالتقول علینا، وربنا غفور ستور، أبی أن یکشف أسرار عباده إلا فی وقت محاسبته: (یَوْمَ لاَ یَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ)(۱).
ثم قال: حدثنی أبی، عن أبیه، عن علی، عن النبی صلوات الله علیهم:
الرحم إذا مست اضطربت ثم سکنت، فإن رأى أمیر المؤمنین أن تمس رحمی رحمه ویصافحنی فعل. فتحول عند ذلک عن سریره ومد یمینه إلى موسى (علیه السلام) فأخذ بیمینه ثم ضمه إلى صدره، فاعتنقه وأقعده عن یمینه وقال: أشهد أنک صادق وجدک صادق ورسول الله (صلّى الله علیه وآله) صادق ولقد دخلت وأنا أشد الناس حنقاً(۲) وغیظاً لما رقی إلیّ فیک فلما تکلمت بما تکلمت وصافحتنی سرّی عنی وتحول غضبی علیک رضى.
وسکت ساعه ثم قال له: أرید أن أسألک عن العباس وعلی بما صار علیّ أولى بمیراث رسول الله (صلّى الله علیه وآله) من العباس، والعباس عم رسول الله (صلّى الله علیه وآله) وصنو أبیه؟
فقال له الإمام (علیه السلام): أعفنی. قال: والله لا أعفیتک، فأجبنی.
قال: فإن لم تعفنی فآمنی. قال: آمنتک، قال موسى بن جعفر (علیه السلام): إن النبی (صلّى الله علیه وآله) لم یورث من قدر على الهجره فلم یهاجر، إن أباک العباس آمن ولم یهاجر، وإن علیاً آمن وهاجر، وقال الله: (وَالَّذِینَ آمَنُوا وَلَمْ یُهَاجِرُوا مَا لَکُمْ مِنْ وَلاَیَتِهِمْ مِنْ شَیْءٍ حَتَّى یُهَاجِرُوا)(۳) فتغیّر لون هارون.
ثم تابع الرشید فقال: ما لکم لا تنسبون إلى علیّ وهو أبوکم وتنسبون إلى رسول الله وهو جدکم؟ فقال الکاظم (علیه السلام):
إن الله نسب المسیح عیسى بن مریم (علیه السلام) إلى خلیله إبراهیم (علیه السلام) بأمه مریم البکر البتول التی لم یمسها بشر فی قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّیَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ)(۴) (وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى وَإِلْیَاسَ کُلٌّ مِنَ الصَّالِحِینَ)(۵). فنسبه لأمه وحدها إلى خلیله إبراهیم (علیه السلام). کما نسب داود وسلیمان وأیوب وموسى وهارون (علیه السلام) بآبائهم وأمهاتهم، فضیله لعیسى (علیه السلام) ومنزله رفیعه بأمه وحدها. وذلک قوله فی قصه مریم (علیها السلام): (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاکِ وَطَهَّرَکِ وَاصْطَفَاکِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِینَ)(۶).
بالمسیح من غیر بشر. وکذلک اصطفى ربنا فاطمه (علیها السلام) وطهرها وفضلها على نساء العالمین بالحسن والحسین سیدی شباب أهل الجنه فقال له هارون ـ وقد اضطرب وساءه ما سمع ـ:
من أین قلتم الإنسان یدخل الفساد من قبل النساء ومن قبل الآباء لحال الخمس الذی لم یدفع إلى أهله، فقال الإمام الکاظم (علیه السلام): هذه مسأله ما سئل عنها أحد من السلاطین غیرک، ولا تیم ولا عدی ولا بنو أمیه ولا سئل عنها أحد من آبائی فلا تکشفنی عنها. قال الرشید: فإن بلغنی عنک کشف هذا رجعت عما آمنتک. فقال موسى (علیه السلام): لک ذلک. قال (علیه السلام): فإن الزندقه قد کثرت فی الإسلام وهؤلاء الزنادقه الذین یرفعون إلینا فی الأخبار، هم المنسوبون إلیکم.
فقال هارون: فما الزندیق عندکم أهل البیت؟ فقال (علیه السلام): الزندیق هو الراد على الله وعلى رسوله وهم الذین یحادّون الله ورسوله. قال تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْماً یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الآَخِرِ یُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ کَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِیرَتَهُمْ)(۷).
وهم الملحدون، عدلوا عن التوحید إلى الإلحاد.
فقال هارون: أخبرنی عن أول من ألحد وتزندق؟ فقال (علیه السلام): أول من ألحد وتزندق فی السماء إبلیس اللعین، فاستکبر وافتخر على صفی الله ونجیبه آدم (علیه السلام) فقال اللعین: (أَنَا خَیْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِی مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِینٍ)(۸). فعتا عن أمر ربه وألحد فتوارث الإلحاد ذریته إلى أن تقوم الساعه فقال هارون: ولإبلیس ذریه؟ فقال (علیه السلام):
نعم ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجلّ: (إِلاَ إِبْلِیسَ کَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّیَّتَهُ أَوْلِیَاءَ مِنْ دُونِی وَهُمْ لَکُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِینَ بَدَلاً * مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا کُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّینَ عَضُداً) فهل عرف الرشید من أی فریق هو؟!
ثم قال له الرشید: بحق آبائک لما اختصرت کلمات جامعه لما تجاریناه فقال (علیه السلام): نعم. وأوتی بدواه وقرطاس فکتب:
بسم الله الرحمن الرحیم، جمیع أمور الأدیان أربعه:
ـ أمر لا اختلاف فیه وهو إجماع الأمه على الضروره التی یضطرون إلیها، الأخبار المجمع علیها وهی الغایه المعروض علیها کل شبهه والمستنبط منها کل حادثه وهو إجماع الأمه.
ـ وأمر یحتمل الشک والإنکار، فسبیله استیضاح أهله لمنتحلیه بحجه من کتاب الله مجمع على تأویلها، وسنّه مجمع علیها لا اختلاف فیها أو قیاس تعرف العقول عدله ولا یسع خاصه الأمه وعامتها الشک فیه والإنکار له. وهذان الأمران من أمر التوحید فما دونه وأرش الخدش فما فوقه. فهذا المعروض الذی یعرض علیه أمر الدین فما ثبت لک برهانه اصطفیته، وما غمض علیک صوابه نفیته. فمن أورد واحده من هذه الثلاث فهی الحجه البالغه التی بیّنها الله فی قوله لنبیه (صلّى الله علیه وآله):
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّهُ الْبَالِغَهُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاکُمْ أَجْمَعِینَ)(۹).
یبلغ الحجّه البالغه الجاهل فیعلمها بجهله کما یعلمها العالم بعلمه، لأن الله عدل لا یجور، یحتج على خلقه بما یعملون، ویدعوهم إلى ما یعرفون لا إلى ما یجهلون وینکرون.
فأجازه الرشید وأحسن لقاءه. وانصرف الإمام (علیه السلام) وقد دلّ خصمه ـ المسمى بأمیر المؤمنین وخلیفه المسلمین ـ على أمور الدین کما أوضح له منزله أهل البیت (علیهم السلام) وصحه أقوالهم ودعم ما ذهب إلیه بأوثق الأدله والبراهین ولا غرو فهذا الغصن الطیّب هو من تلک الشجره الطیّبه التی غرسها الرسول (صلّى الله علیه وآله) وتعهّد سقایتها ورعایتها.
۲ـ مع الفضل بن الربیع
زار هارون الرشید قبر النبی (صلّى الله علیه وآله) فاجتمع به الإمام (علیه السلام) وبعد انتهاء المقابله، خرج (علیه السلام) فاجتاز على الأمین ابن الرشید، فالتفت الأمین إلى الفضل بن الربیع قائلاً له: عاتب هذا، فقام الفضل إلى الإمام فقال له: کیف لقیت أمیر المؤمنین على هذه الدابه التی إن طُلبت علیها لم تسبق وإن طَلبت علیها تلحق؟
ـ قال الإمام (علیه السلام): لست أحتاج أن أطلب، ولا أن أُطلب، ولکنها دابه تنحط عن خیلاء الخیل، وترتفع عن ذله البعیر، وخیر الأمور أوسطها)(۱۰) فترکه الإمام (علیه السلام) وانصرف وبدا على الفضل الارتباک والعجز.
۳ـ مع أبی یوسف
أمر هارون الرشید أبا یوسف(۱۱) أن یسأل الإمام (علیه السلام) بحضرته لعله أین یبدی علیه العجز فیتخذ من ذلک وسیله للحطّ من کرامته، ولما اجتمع (علیه السلام) بهم وجه إلیه أبو یوسف السؤال التالی:
ـ ما تقول فی التظلیل للمحرم؟ قال الإمام: لا یصح.
ـ فیضرب الخباء فی الأرض ویدخل البیت؟ قال الإمام: نعم.
ـ فما الفرق بین الموضعین؟
ـ ما تقول فی الطامث أتقضی الصلاه؟ قال أبو یوسف: لا.
ـ أتقضی الصوم؟ نعم. ولمَ؟ هکذا جاء هذا.
فسکت أبو یوسف ولم یطق جواباً وبدا علیه الخجل والعجز فقال هارون:
ـ ما أراک صنعت شیئاً.
ـ رمانی بحجر دامغ(۱۲).
وترکهما الإمام (علیه السلام) وانصرف بعد أن خیّم علیهما الحزن والشقاء. ولا عجب فالإمام (علیه السلام) هو ابن الإمام جعفر الصادق الذی أسس الجامعه الإسلامیه ووضع مناهجها العلمیه الأصیله، وهو سرّ أبیه (علیه السلام).
۴ـ مع أبی حنیفه
دخل أبو حنیفه على الإمام الصادق (علیه السلام) فقال له:
رأیت ابنک موسى یصلی والناس یمرون بین یدیه، فلم ینههم عن ذلک؟
فأمر أبو عبد الله (علیه السلام) بإحضار ولده فلما مثل بین یدیه قال له:
(یا بنی، إن أبا حنیفه یذکر إنک کنت تصلی والناس یمرون بین یدیک؟)
فقال (علیه السلام): (نعم، یا أبتِ وإن الذی کنت أصلی له أقرب إلیّ منهم، یقول الله عزّ وجلّ: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِیدِ)(۱۳).
عندها فرح الإمام الصادق (علیه السلام) وسرّ سروراً بالغاً لما أدلى به ولده من المنطق الرائع، فقام إلیه وضمه إلى صدره وقال مبتهجاً:
(بأبی أنت وأمی یا مودع الأسرار)(۱۴).
۵ـ مع علماء الیهود
قصد وفد من علماء الیهود الإمام الصادق (علیه السلام) لیحاججوه فی الإسلام فلمّا مثلوا بین یدیه انبروا إلیه یطلبون منه الحجه والدلیل على نبوه رسول الله (صلّى الله علیه وآله) قائلین:
ـ أی معجز یدل على نبوه محمد (صلّى الله علیه وآله)؟ أجابهم (علیه السلام):
کتابه المهمین، الباهر لعقول الناظرین، مع ما أعطی من الحلال والحرام وغیرهما ممّا لو ذکرناه لطال شرحه.
ـ کیف لنا أن نعلم هذا کما وصفت؟
فانطلق الإمام الکاظم (علیه السلام) وکان آنذاک صبیاً قائلاً لهم:
ـ وکیف لنا بأن نعلم ما تذکرون من آیات الله لموسى على ما تصفون؟
ـ علمنا ذلک بنقل الصادقین.
ـ فاعلموا صدق ما أنبأتکم به بخبر طفل لقنه الله تعالى من غیر تعلیم ولا معرفه عن الناقلین.
فبهروا وآمنوا بقول الإمام الکاظم الصبی (علیه السلام)، الذی هو المعجز بحق، وهتفوا معلنین إسلامهم قائلین: نشهد أن لا اله إلا الله وإن محمداً رسول الله، وإنکم الأئمه الهادون والحجج من عند الله على خلقه. ولما أدلى الإمام (علیه السلام) بهذه الحجه وأسلم القوم على یده، وثب إلیه والده أبو عبد الله فقبّل ما بین عینیه. وقال له: أنت القائم من بعدی ثم أمره بکسوه لهم وأوصلهم فانصرفوا وهم شاکرون(۱۵).
۶ـ مع علماء النصارى
جاء قطب من أقطاب النصارى ومن علمائها النابهین یدعى (بریهه) کان یطلب الحق ویبغی الهدایه. اتصل بجمیع الفرق الإسلامیه وأخذ یحاججهم فلم یقتنع ولم یصل إلى الهدف الذی یریده، حتى وصفت له الشیعه ووصف له هشام بن الحکم، فقصده ومعه نخبه کبیره من علماء النصارى، فلما استقر به المجلس سأل بریهه هشام بن الحکم عن أهم المسائل الکلامیه والعقائدیه فأجابه عنها هشام ثم ارتحلوا جمیعاً إلى التشرف بمقابله الإمام الصادق (علیه السلام) وقبل الالتقاء به اجتمعوا بالإمام الکاظم فقصّ علیه هشام مناظراته وحدیثه مع العالم النصرانی (بریهه). فالتفت (علیه السلام) إلى بریهه قائلاً له:
ـ یا بریهه کیف علمک بکتابک؟ قال: أنا به عالم.
ـ کیف ثقتک بتأویله؟ قال: ما أوثقنی بعلمی به!!
فأخذ (علیه السلام) یقرأ علیه الإنجیل ویرتّل علیه فصوله فلما سمع ذلک بریهه آمن بأن دین الإسلام حق وإن الإمام من شجره النبوه فانبرى إلیه قائلاً: إیّاک کنت أطلب منذ خمسین سنه، أو مثلک!!
ثم إنه أسلم وأسلمت معه زوجته وقصدوا جمیعاً والده الإمام الصادق (علیه السلام) فحکى له هشام الحدیث وإسلام بریهه على ید ولده الکاظم فسرّ (علیه السلام) بذلک والتفت قائلاً له: (ذُرِّیَّهً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ)(۱۶).
وانبرى بریهه إلى الإمام الصادق (علیه السلام) قائلاً:
ـ جعلت فداک، أنى لکم التوراه والإنجیل وکتب الأنبیاء؟!!
ـ قال: هی عندنا وراثه من عندهم نقرؤها کما قرأوها، ونقولها کما قالوها: إن الله لا یجعل حجه فی أرضه یسأل عن شیء فیقول: لا أدری.
وبعدها لزم بریهه الإمام الصادق (علیه السلام) وصار من أخلص أصحابه، ولما انتقل الإمام إلى دار الخلود اتصل بالإمام الکاظم (علیه السلام) حتى توفی فی عهده(۱۷) ولا عجب فالإمام المعصوم هو الحجه.
قال أبو الحسن (علیه السلام): (إن الأرض لا تخلو من حجه وأنا والله ذلک الحجه)(۱۸).
۷ـ مع راهب نصرانی
کان فی الشام راهب معروف تقدسه النصارى وتعظمه، وتسمع منه، وکان یخرج لهم فی کل یوم یوماً یعظهم. التقى به الإمام فی ذلک الیوم الذی یعظ به وقد طافت به الرهبان وعلیه القوم، فلما استقر المجلس بالإمام التفت إلیه الراهب قائلاً:
ـ یا هذا، أنت غریب؟ قال (علیه السلام): نعم.
ـ منّا أو علینا؟ قال (علیه السلام): لست منکم.
ـ أنت من الأمه المرحومه؟ قال (علیه السلام): نعم.
ـ أمن علمائها أمن جهالها؟ قال (علیه السلام): لست من جهالها.
فاضطرب الراهب، وتقدم إلى الإمام یسأله عن أعقد المسائل عنده قائلاً: کیف طوبى أصلها فی دار عیسى عندنا، وعندکم فی دار محمد (صلّى الله علیه وآله) وأغصانها فی کل دار؟
قال (علیه السلام): إنها کالشمس یصل ضوؤها إلى کل مکان وموضع وهی فی السماء.
ـ قال الراهب: إن الجنه کیف لا ینفذ طعامها وإن أکلوا منه، وکیف لا ینقص شیء منه؟
ـ قال الإمام (علیه السلام) أنه کالسراج فی الدنیا ولا ینقص منه شیء.
ـ قال الراهب: إن فی الجنه ظلاً ممدوداً، ما هو؟
ـ قال الإمام (علیه السلام): الوقت الذی قبل طلوع الشمس، هو الظل الممدود، ثم تلا قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّکَ کَیْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاکِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَیْهِ دَلِیلاً)(۱۹).
ـ قال الراهب: إن أهل الجنه یأکلون ویشربون کیف لا یکون لهم غائط ولا بول؟
ـ قال الإمام (علیه السلام): إنهم کالجنین فی بطن أمه.
ـ قال الراهب: إن لأهل الجنه خدماً یأتونهم بما أرادوا بلا أمر؟
ـ قال الإمام (علیه السلام): إن الإنسان إذا احتاج إلى شیء عرفت أعضاؤه ذلک فتعرفه الخدم فیحققون مراده من غیر أمر.
ـ قال الراهب: مفاتیح الجنه من ذهب أو فضه؟
ـ قال الإمام (علیه السلام): مفاتیح الجنه قول العبد: لا اله إلا الله.
ـ قال الراهب: صدقت. ثم أسلم هو وقومه(۲۰).
۸ـ مع نفیع (وهو رجل من الأنصار)
قدم مع الرشید رجل من الأنصار یقال له (نفیع) وکان عارفاً، فحضر یوماً باب الرشید وتبعه عبد العزیز بن عمر بن عبد العزیز، وحضر موسى بن جعفر (علیه السلام) على حمار له، فتلقاه الحاجب بالإکرام، وأعظمه من کان هناک، وعجل له الإذن.
فقال نفیع لعبد العزیز: من هذا الشیخ؟
فقال له: أو ما تعرفه؟ هذا شیخ آل أبی طالب، هذا موسى بن جعفر (علیهما السلام).
فقال نفیع: ما رأیت أعجب من هؤلاء القوم یفعلون هذا برجل لو یقدر على زوالهم عن السریر لفعل، أما إن خرج لأسوءنّه.
فقال له عبد العزیز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بیت قلما تعرض لهم أحد بخطاب إلا وسموه فی الجواب وسمه یبقى عارها أبد الدهر.
وخرج الإمام الکاظم (علیه السلام) فقال إلیه نفیع وأخذ بلجام حماره ثم قال له: من أنت؟ قال (علیه السلام): یا هذا إن کنت ترید النسب فأنا ابن محمد حبیب الله بن إسماعیل ذبیح الله، ابن إبراهیم خلیل الله.
وإن کنت ترید البلد، فهو الذی فرض الله عزّ وجلّ علیک وعلى المسلمین إن کنت منهم، الحج إلیه، وإن کنت ترید المفاخره، فوالله ما رضی مشرکو قومی مسلمی قومک أکفا لهم حتى قالوا: یا محمد اخرج لنا أکفاءنا من قریش. خل عن الحمار.
فخلى عنه ویده ترجف وانصرف بخزی. فقال له عبد العزیز: ألم أقل لک؟(۲۱)
۹ـ مع المهدی فی الحج
حج المهدی، ولما صار فی (فتق العبادی) ضجّ الناس من العطش، فأمر أن یحفر بئراً، ولما بلغوا قریباً من القرار، هبّت علیهم ریح من البئر فوقعت الدلاء ومنعت العمل، فخرجت الفعله خوفاً على أنفسهم. فأعطى علی بن یقطین لرجلین عطاءاً کثیراً لیحفرا، فنزلا فأبطئا، ثم خرجا مرعوبین قد ذهبت ألوانهما فسألهما عن الخبر. فقالا: إنا رأینا آثاراً وأثاثاً، ورأینا رجالاً ونساءً، فکلما أومأنا إلى شیء منهم صار هباء، فصار المهدی یسأل عن ذلک ولا یعلمون.
فقال الإمام الکاظم (علیه السلام): هؤلاء أصحاب الأحقاف، غضب الله علیهم فساخت بهم دیارهم(۲۲).
۱۰ـ المهدی العبّاسی
قال علی بن یقطین: سأل المهدی أبا الحسن (علیه السلام) عن الخمر، هل هی محرمه فی کتاب الله عزّ وجلّ، فإن الناس إنما یعرفون النهی عنها ولا یعرفون التحریم؟ فقال له أبو الحسن:
بل هی محرمه فی کتاب الله عزّ وجلّ یا أمیر المؤمنین. قال المهدی:
فی أی موضع هی محرمه فی کتاب الله عزّ وجلّ یا أبا الحسن؟
فقال (علیه السلام): قول الله عزّ وجلّ: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْیَ بِغَیْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِکُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ یُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(۲۳).
فأما قوله (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) یعنی الزنا المعلن، ونصب الرایات التی کانت ترفعها الفواحش فی الجاهلیه.
وأما قوله عزّ وجلّ: (وَمَا بَطَنَ) یعنی ما نکح الآباء، لأن الناس کانوا قبل أن یبعث النبی (صلّى الله علیه وآله) إذا کان للرجل زوجه ومات عنها تزوجها ابنه الأکبر من بعده إذا لم تکن أمه، فحرّم الله عزّ وجلّ ذلک.
وأما (الإثم) فإنها الخمره بعینها، وقد قال الله تعالى فی موضع آخر:
(یَسْأَلُونَکَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَیْسِرِ قُلْ فِیهِمَا إِثْمٌ کَبِیرٌ)(۲۴).
فأما الإثم فی کتاب الله فهو الخمر والمیسر، فإثمهما کبیر کما قال عزّ وجل.
فقال المهدی: یا علی بن یقطین هذه والله فتوى هاشمیه.
قال: فقلت له: صدقت والله یا أمیر المؤمنین، الحمد لله الذی لم یخرج هذا العلم منکم أهل البیت.
قال: فوالله ما صبر المهدی أن قال لی: صدقت یا رافضی(۲۵).
۱۱ـ مع أبی أحمد الخراسانی
سأله أبو أحمد الخراسانی: الکفر أقدم أم الشرک؟
فقال (علیه السلام) ما لک ولهذا، ما عهدی بک تکلّم الناس؟
قال: أمرنی هشام بن الحکم أن أسألک.
فقال (علیه السلام): قل له الکفر أقدم، أول من کفر إبلیس (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِکَهِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَ إِبْلِیسَ أَبَى وَاسْتَکْبَرَ وَکَانَ مِنَ الْکَافِرِینَ)(۲۶) ولا یخفى أن الکفر شیء واحد، والشرک یثبت واحداً ویشرک معه غیره(۲۷).
۱۲ـ مع عبد الغفار
جاءه رجل یقال له عبد الغفار فسأله عن قوله تعالى:
(ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَکَانَ قَابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْنَى)(۲۸).
قال أرى هنا خروجاً من حجب وتدلیاً إلى الأرض، وأرى محمداً رأى ربه بقلبه ونسب إلى بصره فکیف هذا؟
فقال أبو الحسن موسى بن جعفر (علیهما السلام): دنا فتدلى فإنه لم یزل عن موضع ولم یتدلّ ببدن. فقال عبد الغفار: أصفه بما وصف به نفسه حیث قال: دنا فتدلى، فلما یتدلى عن مجلسه إلا وقد زال عنه ولولا ذلک لم یصف بذلک نفسه.
فقال الإمام (علیه السلام): إن هذه لغه فی قریش إذا أراد رجل منهم أن یقول قد سمعت، یقول: قد تدلیت وإنما التدلی هو الفهم.
ـ وسئل (علیه السلام) عن رجل قال:
والله لأتصدقن بمال کثیر فما یتصدق؟
فقال (علیه السلام): إن کان الذی حلف من أرباب شیاه، فلیتصدق بأربع وثمانین شاه، وإن کان من أصحاب النعم، فلیتصدق بأربع وثمانین بعیراً، وإن کان من أرباب الدراهم، فلیتصدق بأربع وثمانین درهماً والدلیل علیه قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَکُمُ اللهُ فِی مَوَاطِنَ کَثِیرَهٍ)(۲۹). فعدد مواطن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) قبل نزول تلک الآیه فکانت أربعه وثمانین موطناً(۳۰).
ـ سئل (علیه السلام) عن رجل نبش قبر میت، وقطع رأس المیت، وأخذ الکفن.
فقال (علیه السلام): یقطع ید السارق لأخذ الکفن من وراء الحرز.
ویلزم مائه دینار لقطع رأس المیت، لأنا جعلناه بمنزله الجنین فی بطن أمه قبل أن ینفخ فیه الروح(۳۱).
۱۳ـ مع المهدی العباسی أیضاً
أمر المهدی بتوسعه المسجد الحرام مع الجامع النبوی، فسأل فقهاء العصر عن جواز إجبارهم على ذلک، فأشار علیه علی بن یقطین أن یرفع استفتاءً فی المسأله إلى الإمام الکاظم (علیه السلام) فاستصوب رأیه فردّ الإمام على سؤاله وکتب له: بعد البسمله: إن کانت الکعبه هی النازله بالناس، فالناس أولى ببنائها وإن کان الناس هم النازلون بفناء الکعبه فالکعبه أولى بفنائها.
ولما انتهى الجواب إلى المهدی أمر بهدم الدور وأضافها إلى ساحه المسجدین ففزع أصحابها إلى الإمام (علیه السلام) والتمسوا منه أن یکتب لهم رساله إلى المهدی لیعوضهم عن ثمن دورهم، فأجابهم وکتب إلى المهدی رساله فی ذلک فلما وصلت إلیه أوصلهم وأرضاهم(۳۲).
ولم یکن ذلک من الاستملاک الذی یعبر عنه فی الوقت الحاضر بالاستملاک للمصلحه العامه کما فهمه بعض المعاصرین بل إن هذا حکم شرعی یتبع أدلته الخاصه التی نصت على أن للجامع فناءً وإن من نزل به لا حرمه لما یقیمه فیه من بناء.
وعن داود بن قبیصه: قال: سمعت الرضا (علیه السلام) یقول: سئل أبی (علیه السلام): هل منع الله ما أمر به، وهل نهى عما أراد، وهل أعان على ما لم یرد؟
فقال (علیه السلام): أما ما سألت: هل منع الله عما أمر به؟ فلا یجوز ذلک، ولو جاز لکان قد منع إبلیس عن السجود لآدم، ولو منع إبلیس لعذره ولم یلعنه.
وأما ما سألت هل نهى عما أراد؟ فلا یجوز ذلک، ولو جاز لکان حیث نهى آدم عن أکل الشجره أراد منه أکلها، ولو أراد منه أکلها لما نادى صبیان الکتاتیب: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)(۳۳) والله تعالى لا یجوز علیه أن یأمر بشیء ویرید غیره.
وأما ما سالت عنه من قولک: هل أعان على ما لم یرد؟
ولا یجوز ذلک، وجلّ الله تعالى عن أن یعین على قتل الأنبیاء وتکذیبهم وقتل الإمام الحسین بن علی (علیه السلام) والفضلاء من ولده، وکیف یعین على ما لم یرد؟ وقد أعد جهنم لمخالفیه، ولعنهم على تکذیبهم لطاعته، وارتکابهم لمخالفته، ولو جاز أن یعین على ما لم یرد لکان أعان فرعون على کفره وادعائه أنه رب العالمین، أفترى أراد الله من فرعون أن یدّعی الربوبیه؟ یستتاب هذا القول فإن تاب من کذبه على الله وإلا ضربت عنقه(۳۴).
ـــــــــــــــــــــ
۱ – سوره الشعراء: الآیه ۸۸-۸۹٫
۲ – حنقاً:الحنق شده الاغتیاظ والغضب.
۳ – سوره الأنفال: الآیه ۷۳٫
۴ – سوره الأنعام: الآیه ۸۴٫
۵ – سوره الأنعام: الآیه ۸۵٫
۶ – سوره آل عمران: الآیه ۴۲٫
۷ – سوره المجادله: الآیه ۲۲٫
۸ – سوره الأعراف: الآیه ۱۲ وسوره ص: الآیه ۷۶٫
۹ – سوره الأنعام: الآیه ۱۴۹٫
۱۰ – زهر الآداب، ج۱، ص۱۳۲٫
۱۱ – أبو یوسف هو یعقوب بن إبراهیم الأنصاری، ولد سنه ۱۱۳هـ، وتوفی فی بغداد سنه ۱۸۲هـ وکان من أصحاب الحدیث ثم غلب علیه الرأی وأخذ الفقه عن محمد بن عبد الرحمن بن أبی لیلى ثم عن أبی حنیفه وولی القضاء لهارون الرشید حتى لقب بقاضی القضاه. وکان یقضی ببغداد سنه ۱۶۶هـ فی أیام خروج الهادی. تحف العقول، ص۳۰۰، وطبقات الفقهاء، ص۱۱۳٫ والإرشاد، ص۳۱۸٫
۱۲ – المناقب، ج۳، ص۴۲۹٫
۱۳ – سوره ق: الآیه ۱۶٫
۱۴ – البحار، ج۱۲، ص۲۸۳٫
۱۵ – البحار، ج۴، ص۱۴۸٫
۱۶ – سوره آل عمران: الآیه ۳۴٫
۱۷ – البحار، ج۴، ص۱۴۷٫
۱۸ – الکافی، ج۱، ص۱۷۹٫
۱۹ – سوره الفرقان: الآیه ۴۶٫
۲۰ – المناقب، ج۳، ص۴۲۷٫
۲۱ – بحار الأنوار، ج۱۷، ص۲۰۶٫
۲۲ – المناقب، ج۲، ص۳۷۳٫
۲۳ – سوره الأعراف: الآیه ۳۳٫
۲۴ – سوره البقره: الآیه ۲۱۹٫
۲۵ – بحار الأنوار، ج۱۱، ص۲۷۷٫
۲۶ – سوره البقره: الآیه ۳۴٫
۲۷ – بحار الأنوار، ج۱۱، ص۲۵۳٫
۲۸ – سوره النجم: الآیتان ۸-۹٫
۲۹ – سوره التوبه: الآیه ۲۵٫
۳۰ – بحار الأنوار، ج۱۱، ص۳۵۳٫
۳۱ – بحار الأنوار، ج۱۱، ص۲۵۳٫
۳۲ – البحار، ج۴، ص۲۴۸٫
۳۳ – سوره طه: الآیه ۱۲۱٫
۳۴ – الاحتجاج، ج۲، ص۱۵۸٫