أضواء على سیره وشخصیه السیده أم البنین

0

ولهم الذکریات المجیده فی المغازی بالفروسیه والبساله مع الزعامه والسؤدد حتى أذعن لهم الملوک.. فإنّ من قومها أبا عامر بن مالک بن جعفر بن کلاب جد تهامه والده أم البنین وهو الجد الثانی لأم البنین قیل ملاعب الأسنه لفروسیته وشجاعته..
یلاعب أطراف الأسنه عامر      فراح له خط الکتائب أجمع
وهذه المرأه النبیله الصالحه ذات الفضل والعفه والصیانه والورع والدیانه کریمه قومها وعقیله أسرتها فهی تنتمی لأشرف القبائل العربیه شرفا وأجمعهم للمآثر الکریمه التی تفتخر بها سادات العرب..
وهم الذین عناهم عقیل بن أبی طالب وکان نسابه عالما بأنساب العرب وأخبارهم (لیس فی العرب أشجع من آبائها ولا أفرس) فحق لأمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) أن یرغب فی الوصله الصهریه بهم..لأن البنت التی قد ولدها مثل هؤلاء الأبطال الشجعان لجدیره أن تنجب فیما تلد ولا تلد إلا شجاعاً بطلا قد ضم بین طرفی البطوله والفروسیه عمومه وخؤوله..
فقول أمیر المؤمنین (ع) لأخیه عقیل: (اختر لی امرأه قد ولدتها الفحوله من العرب لأتزوجها لتلد لی غلاما فارساً) ولما أشار صاحب الشریعه الحقه بقوله: (الخال أحد الضجیعین فتخیروا لنطفکم) فقد أنجبت هذه المرأه المحترمه أعظم الرجال شجاعه وثباتا وإقداماً وهو حری بتلک الشجاعه الباهره لأنهم معروفون فیها من کلا طرفیه..فقد تزوج أمیر المؤمنین (ع) أم البنین (فاطمه) بعد وفاه الصدیقه سیده النساء فاطمه الزهراء (سلام الله علیها) وأنجبت له أربعه بنین هم العباس المسمى بالسقا ویسمیه أهل النسب أبا القربه وصاحب رایه الإمام الحسین (ع) وعبد الله وعثمان وجعفر وقد استشهدوا جمیعاً مع الإمام الحسین (ع) فی واقعه کربلاء یوم عاشوراء ولا بقیه لهم إلا من العباس..
کانت أم البنین من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البیت مخلصه فی ولائهم ممحضه فی مودتهم ولها عندهم الجاه الوجیه والمحل الرفیع وقد زارتها زینب الکبرى بعد وصولها المدینه المنوره تعزیها بأولادها الأربعه کما کانت تزورها أیام العید وبلغ من عظمتها معرفتها وتبصرتها بمقام أهل البیت أنها لما دخلت على أمیر المؤمنین (ع) وکان الحسنان مریضین أخذت تلاطف القول معهما وتلقی إلیهما من طیب الکلام ما یأخذ بمجامع القلوب..وما برحت على ذلک تحسن السیره معهما..وتخضع لهما کالأم الحنون ولا بدع فی ذلک فإنّها ضجیعه شخص الإیمان قد استضاءت بأنواره وربت فی روضه أزهاره واستفادت من معارفه وتأدبت بأدبه وتخلقت بأخلاقه..
ولا أرید إطاله فی المقدمه التمهیدیه عن هذه السیده الجلیله التی حباها الله إرثاً أصیلا فی الشرف والسیاده والرفعه والمکانه فهی فاطمه بنت حزام الکلابیه..
فإنّ قومها ورهطها من الأعمام والأخوال یتمتعون بکل خصله فاضله جلیله، وحباها الله کذلک مجداً وشرفا لاحقا جاءها بعد زواجها من أسد الله وأسد رسوله الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) فکانت بذلک أفضل امرأه – من غیر البیت النبوی الشریف – تحوز على الشرف والمجد والرفعه من کل جانب ولندخل فی رحاب سیرتها الذاتیه بغیه إعطاء صوره لقراء الفرات الکرام..
اسمها الکریم
هی فاطمه بنت حزام أبو المحل بن خالد بن ربیعه بن الوحید بن کعب بن عامر بن کلاب وأمها تمامه بن سهل بن عامر بن مالک بن جعفر بن کلاب..
ولدت على الأرجح بعد الهجره بخمس سنین وتوفیت فی ۱۳ جمادی الثانیه یوم الجمعه عام ۶۴ بعد مقتل الحسین (ع) على ما تذهب إلیه بعض الروایات ..
أولادها
رزقت من علی أمیر المؤمنین (ع) بأربعه من البنین :
۱٫ العباس بن علی بن أبی طالب المولود ۴ شعبان ۲۶هـ.
۲٫ عبد الله بن علی بن أبی طالب عمره یوم الطف خمس وعشرون سنه.
۳٫ عثمان بن علی بن أبی طالب کان یوم الطف ابن ثلاث وعشرین سنه.
۴٫ جعفر بن علی بن أبی طالب وهو أصغرهم یوم الطف.
قومها
لا یختلف اثنان فی شجاعه قومها وبسالتهم ونجدتهم وإقدامهم فی ساحه الحرب والمیدان فمنهم مالک بن البراء ملاعب الأسنه ومنهم عامر بن الطفیل وهو یضمون الکرم والسخاء إلى النجده والفروسیه وفی قول عقیل لأخیه الإمام علی (ع) لمّا أراد الزواج فأشار علیه بأم البنین..
قال الإمام علی (ع) مخاطبا عقیل وکان نسابه عالما بأخبار العرب وأنسابهم أبغنی امرأه قد ولدتها الفحول من العرب لأتزوجها فتلد لی غلاماً أسداً..فقال له عقیل: أین أنت من فاطمه بنت حزام بن خالد الکلابیه فإنّه لیس فی لعرب أشجع من آبائها ولا أفرس..
ما جاء فی سمو شخصیتها:
لما دخلت بیت أمیر المؤمنین (ع) کانت ترعى أولاد الزهراء (سلام الله علیها) أکثر مما ترعى أبناءها وتؤثرهم على أولادها تعویضا لما أصابهم من حزن وفقدان حنان لموت أمهم الزهراء البتول..وقالت یوما إلى أمیر المؤمنین (ع) یا أبا الحسن: نادنی بکنیتی المعروفه (أم البنین) ولا تذکر اسمی (فاطمه) فقال لها الإمام (ع) لماذا؟ قالت أخشى أن یسمع الحسنان فینکسر خاطرهما ویتصدع قلبهما لسماع ذکر اسم أمهما (فاطمه)..فأی امرأه جلیله مؤمنه صابره صالحه وقور هذه المرأه – طیب الله ثراها ونور ضریحها – لذا صار لها جاه عظیم وشأن کریم عند الله وعند رسوله ۲ وأهل بیته الغر المیامین فما توجه إنسان إلى الله العلی العظیم وسأله بحقها إلا قضیت حاجته ما لم تکن محرمه أو مخالفه للمشیئه الإلهیه..ولذلک أغرم الناس بها وخاصه أهل النجف فتراهم یعقدون المجالس ویطعمون الطعام ویوزعون الحلوى فی ثوابها..
ومن باب عرفان الجمیل ومقابله الإحسان بمثله..ورد عن الزهراء (سلام الله علیها) یوم الحشر تخرج من تحت عباءتها کفین مقطوعین وهما کفا أبی الفضل العباس (ع) وتقول: یا عدل یا حکیم احکم بینی وبین من قطع هذین الکفین..
ولما دخلت السیده زینب (سلام الله علیها) المدینه بعد قتل الحسین والرجوع من السبی والتقت نظراتها بنظرات أم البنین صاحت وآخاه وا عباساه فأجابتها أم البنین وا ولداه واحسیناه..
وأما ما ورد فی شأن عبادتها وصلاتها وتوجهها إلى الله وتفویض الأمر إلیه فهو شیء جلیل مهم فی سلوک هذه المرأه الحره الشریفه الکریمه ذات الجذر الکریم الأصیل فی شتى المکارم والفضائل والسجایا الطیبه.
یقول أحد الدارسین لشخصیه أم البنین (سلام الله علیها) ..إنّ سیر العظماء فی تاریخ الإسلام أعلام إنسانیه باذخه یکبرها لمسلم وغیر المسلم وإنّ أم البنین کانت أقوى جرأه وشجاعه وأصلب المؤمنات على تحمل الصعاب تطلب المجد والکرامه والمجد لا ینال إلا بالمصاعب ورکوب المخاطر والتضحیه والاستبسال..
لقد کانت أم البنین القدوه الحسنه والمثل الأعلى الذی یحتذی وکانت عنوانا للثبات والإخلاص والبساله والتضحیه والفداء والشرف والعزه والکرامه فی سبیل الحق والعداله..هذه السیده المصون ما إنْ بلغها مقتل الحسین (ع) یوم عاشوراء إلا وخنقتها العبره فکانت تبکی بکاء الثکالى صباح مساء تعبیراً عن مشاعرها وأحزانها..فعلى مثل الحسین فلیبک الباکون ولیضج الضاجون..
إن فی حیاه هذه السیده الجلیله أخباراً طریفه وآثار ممتعه جعلتها مثالا صالحا وقدوه حسنه فی المعارف والصلاح وإجابه لله وللرسول الکریم حین أمر محمداً ۲ بود أهل البیت وحبهم وولایتهم والاتباع لهم والتمسک بعروتهم وجدیر بکل مسلم أنْ یتبع ویتمثل أمر ربه وأمر رسوله الناصح الأمین..وأن لا یعدل عن هذا الأمر قید أنمله..
وثمه شیء ینبغی أن یعرف وهو قد کان لسعه اطلاعها فی الأمور وإخلاصها الکریم وماضیها المجید أثر حاسم فی تعلق الناس بها وثقتهم ومحبتهم التی لا حد لها بشخصها فاستطاعت بحکمتها وصبرها وبعد نظرها التغلب على کل الصعاب..وهذا إنْ دل على شیء فإنما یدل حنکتها وجلدها ومعدنها الأصیل ضمن إطار الأخلاق العربیه والتربیه الإسلامیه الأصیله وتقالیدها فی التعامل مع الجمهور فی احترامها لهم..لأن المرأه عظیمه المنزله عند أمیر المؤمنین (ع) فی العلم والحلم والمعارف والصلاح.. عظیمه المنزله عند الناس..
ویظهر للمتتبع لأخبار أم البنین أنها کانت مخلصه لأهل البیت متمسکه بولایتهم عارفه بشأنهم مستبصره بأمرهم فکانت هذه المبجله قد أضاءت طریق الإصلاح والإصلاح لحالها من دور مهم فی أحداث التاریخ العربی والإسلامی.

Leave A Reply

Your email address will not be published.