عقیدتنا فی البعث والمعاد

0

وهذا أمر على جملته وما علیه من البساطه فی العقیده اتّفقت علیه الشرائع السماویه والفلاسفه، ولا محیص للمسلم من الاعتراف به عقیده قرآنیه جاء بها نبینا الاَکرم صلّى الله علیه وآله وسلم؛ فإنّ من یعتقد بالله اعتقاداً قاطعاً، ویعتقد کذلک بمحمَّد رسولاً منه
 أرسله بالهدى ودین الحق، لا بدَّ أن یؤمن بما أخبر به القرآن الکریم من البعث، والثواب والعقاب، والجنه والنعیم، والنار والجحیم، وقد صرَّح القرآن بذلک، ولمَّح إلیه بما یقرب من ألف آیه کریمه.
وإذا تطرَّق الشک فی ذلک إلى شخص فلیس إلاّ لشک یخالجه فی صاحب الرساله، أو وجود خالق الکائنات أو قدرته، بل لیس إلاّ لشک یعتریه فی اصل الاَدیان کلّها، وفی صحّه الشرائع جمیعها.
عقیدتنا فی المعاد الجسمانی
وبعد هذا، فالمعاد الجسمانی ـ بالخصوص ـ ضروره من ضروریات الدین الاسلامی، دلَّ صریح القرآن الکریم علیها (أَیَحْسَبُ الاِِنسـنُ ألَّن نَّجمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قـدِرینَ عَلَى أَن نُّسَوِّیَ بَنَانُه)(۱).
(وَإن تَعجَبْ فَعَجَبٌ قَولُهُم أَإذا کُنّا تُراباً أَءِنّا لَفی خَلْقٍ جَدِیدٍ)(۲).
(أَفَعَیِینَا بِالخَلقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ فی لَبسٍ من خَلقٍ جَدِیدٍ)(۳).
وما المعاد الجسمانی ـ على إجماله ـ إلاّ اعاده الانسان فی یوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب، وإرجاعه إلى هیئته الاولى بعد أن یصبح رمیماً.
ولا یجب الاعتقاد فی تفصیلات المعاد الجسمانی أکثر من هذه العقیده على بساطتها التی نادى بها القرآن، وأکثر ممّا یتبعها من الحساب والصراط، والمیزان والجنه النار، والثواب والعقاب بمقدار ما جاءت به التفصیلات القرآنیه.
(ولا تجب المعرفه على التحقیق التی لا یصلها إلاّ صاحب النظر الدقیق، کالعلم بأنّ الاَبدان هل تعود بذواتها أو إنّما یعود ما یماثلها بهیئات؟ وأنّ الاَرواح هل تعدم کالاَجساد أو تبقى مستمرّه حتى تتّصل بالاَبدان عند المعاد؟ وأنّ المعاد هل یختص بالانسان أو یجری على کافّه ضروب الحیوان؟ وأنّ عودها بحکم الله دفعی أو تدریجی؟
____________
(۱) القیامه ۷۵: ۳ ـ ۴٫
(۲) الرعد ۱۳: ۵٫
(۳) ق ۵۰: ۱۵٫
وإذا لزم الاعتقاد بالجنه والنار لا تلزم معرفه وجودهما الآن، ولا العلم بأنّهما فی السماء أو الاَرض، أو یختلفان.
وکذا إذا وجبت معرفه المیزان لا تجب معرفه أنّها میزان معنویه، أو لها کفّتان.
ولا تلزم معرفه أنّ الصراط جسم دقیق، أو هو الاستقامه المعنویه.
والغرض أنّه لا یشترط فی تحقیق الاسلام معرفه أنّها من الاجسام…)(۱).
نعم، إنّ تلک العقیده فی البعث والمعاد على بساطتها هی التی جاء بها الدین الاسلامی، فاذا أراد الانسان أن یتجاوزها إلى تفصیلها بأکثر ممّا جاء فی القرآن لیقنع نفسه دفعاً للشبه ـ التی یثیرها الباحثون والمشککون بالتماس البرهان العقلی أو التجربه الحسیه ـ فانّه إنّما یجنی على نفسه، ویقع فی مشکلات ومنازعات لا نهایه لها.
ولیس فی الدین ما یدعو إلى مثل هذه التفصیلات التی حشدت بها کتب المتکلِّمین والمتفلسفین، ولا ضروره دینیه ولا اجتماعیه ولا سیاسیه تدعو إلى أمثال هاتیک المشاحنات والمقالات المشحونه بها الکتب عبثاً، والتی استنفدت کثیراً من جهود المجادلین وأوقاتهم وتفکیرهم بلا فائده.
والشبه والشکوک التی تُثار حول تلک التفصیلات یکفی فی ردّها قناعتنا بقصور الانسان عن إدراک هذه الاُمور الغائبه عنّا، والخارجه عن أفقنا ومحیط وجودنا، والمرتفعه فوق مستوانا الاَرضی، مع علمنا بأنّ الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقیق المعاد ووقوع البعث.
وعلوم الانسان وتجریباته وأبحاثه یستحیل أن تتناول شیئاً لا یعرفه ولا
____________
(۱) مقتبس من کتاب کشف الغطاء: ۵ للشیخ الکبیر کاشف الغطاء.
یقع تحت تجربته واختباره إلاّ بعد موته وانتقاله من هذا العالم عالم الحس والتجربه والبحث، فکیف ینتظر منه أن یحکم باستقلال تفکیره وتجربته بنفی هذا الشیء أو إثباته؟ فضلاً عن أن یتناول تفاصیله وخصوصیاته، إلاّ إذا اعتمد على التکهّن والتخمین، أو على الاستبعاد والاستغراب، کما هو من طبیعه خیال الانسان أن یستغرب کل ما لم یألفه ولم یتناوله علمه وحسّه، کالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد (مَن یُحیی العِظَـمَ وَهَیَ رَمیمٌ)(۱).
ولا سند لهذا الاستغراب إلاّ إنّه لم یرَ میتاً رمیماً قد اُعیدت له الحیاه من جدید، ولکنّه ینسى هذا المستغرب کیف خُلقت ذاته لاَول مره، ولقد کان عدماً، وأجزاء بدنه رمیماً تألّفت من الاَرض وما حملت، ومن الفضاء وما حوى، من هنا وهنا، حتى صار بشراً سویاً ذا عقل وبیان (أَوَ لَمْ یَرَ الاِِنسـنُ أَنَّا خلقنه مِن نُطفَهٍ فَإذَا هُو خَصِیمٌ مُبینٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسی خَلقَهُ)(۲).
یقال لمثل هذا القائل الذی نسی خلق نفسه: (یُحییِها الَّذِی أَنشَأَهَا أَوّلَ مَرَّهٍ وَهُوَ بِکُلِ خَلقٍ عَلیمٌ)(۳).
____________
(۱) یس ۳۶: ۷۸٫
(۲) یس ۳۶: ۷۷ ـ ۷۸٫
(۳) یس ۳۶: ۷۹٫
یقال له: إنّک بعد أن تعترف بخالق الکائنات وقدرته، وتعترف بالرسول وما أخبر به، مع قصور علمک حتى عن إدراک سرَّ خلق ذاتک وسر تکوینک، وکیف کان نموّک وانتقالک من نطفه لا شعور لها ولا إراده ولا عقل إلى مراحل متصاعده مؤتلفاً من ذرات متباعده؛ لتبلغ بشراً سویاً عاقلاً مدبّراً ذا شعور وأحساس(۱)
یقال له: بعد هذا کیف تستغرب أن تعود لک الحیاه من جدید بعد أن تصبح رمیماً، وأنت بذلک تحاول أن تتطاول إلى معرفه ما لا قِبل لتجاربک وعلومک بکشفه؟
یقال له: لا سبیل حینئذ إلاّ أن تذعن صاغراً للاعتراف بهذه الحقیقه التی أخبر عنها مدبّر الکائنات العالم القدیر، وخالقک من العدم والرمیم.
وکلّ محاوله لکشف ما لا یمکن کشفه، ولا یتناوله علمک فهی محاوله باطله، وضرب فی التیه، وفتح للعیون فی الظلام الحالک.
إنّ الانسان مع ما بلغ من معرفه فی هذه السنین الاَخیره، فاکتشف الکهرباء والرادار واستخدم الذرّه، إلى أمثال هذه الاکتشافات التی لو حُدِّث عنها فی السنین الخوالی لعدَّها من أوّل المستحیلات، ومن مواضع التندّر والسخریه. إنّه مع کل ذلک لم یستطع کشف حقیقه الکهرباء ولا سر الذرّه، بل حتى حقیقه احدى خواصهما وأحد أوصافهما، فکیف یطمع أن یعرف سر الخلقه والتکوین، ثم یترقّى فیرید أن یعرف سرَّ المعاد والبعث.
____________
(۱) فقد قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنا الاِْنسَـنَ مِنْ سُلَلَهٍ مِنْ طِینِ * ثُمَّ جَعَلْنهُ نُطْفَهً فِی قَرَارٍ مَکین * ثُمَّ خَلَقْنا الْنُّطْفَهَ عَلَقَهً فَخَلَقْنا الْعَلَقَهَ مُضْغَهً فَخَلَقْنا الْمُضْغَهَ عِظَماً فَکَسَوْنَا العِظَمَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأنهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارکَ اللهُ أَحْسَنُ الْخلِقِینَ) المؤمنون ۲۳: ۱۲ ـ ۱۴٫
نعم، ینبغی للانسان بعد الایمان بالاسلام أن یتجنَّب عن متابعه الهوى، وأن یشتغل فیما یصلح أمر آخرته ودنیاه، وفیما یرفع قدره عند الله، وأن یتفکَّر فیما یستعین به على نفسه، وفیما یستقبله بعد الموت من شدائد القبر والحساب بعد الحضور بین یدی الملک العلاّم، وأن یتّقی (یوماً لا تَجزی نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَیئاً وَلا یُقبَلُ مِنها شَفعهٌ وَلا یُؤخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هُمْ یُنصَرون)(۱)؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.