التـــوکّل
فقال: (التوکّل على درجات ، منها: أن تتوکّل على الله فی أمورک کلها ، فما فعل بک کنت عنه راضیاً تعلم أنّه لا یألوک إلاّ خیراً وفضلاً، وتعلم أنّ الحکم فی ذلک له ، فتوکّل على الله بتفویض ذلک إلیه، وتثق به فیها وفی غیرها) (البحار، ج۶۸، ص ۱۲۹).
ولا یخفى أنّ هذا النحو من التوکّل هو ما یحرز به العبد حقیقه الإیمان ، ففی الحدیث المروی عن الإمام أمیر المؤمنین (علیه السّلام) قال: (الإیمان له أربعه أرکان : التوکّل على الله ، وتفویض الأمر إلى الله ، والرضا بقضاء الله ، والتسلیم لأمر الله) (البحار، ج۶۸، ص 157).
وما رواه البزنطی قال: سمعت الرضا (علیه السّلام) یقول: (الإیمان أربعه أرکان : التوکّل على الله عزّ وجلّ ، والرضا بقضائه ، والتسلیم لأمر الله ، والتفویض إلى الله) (البحار، ج۶۸، ص ۱۳۵) فیجب أن یتّصف به کلّ مؤمن وإلاّ لکان إیمانه ناقصاً.
کما أنّ من یتوکّل على الله تعالى فی بعض أموره بهذا النحو من التوکّل ، وفی بعضها الآخر لا یتوکّل علیه یعدّ هذا ناقص الإیمان أیضاً ، وإلاّ فکیف أوکل بعض أموره إلى الله، وبعضها لم یوکله إلیه ، مع أنّ جمیع أموره بید الله ، وإرادته فیها ماضیه لا تردّ ، والإجراء على وفق ما تقتضیه الحکمه أمر ثابت فیها جمیعاً ، ومن هنا نعلم أنّ التوکّل هو من أهمّ الصفات التی ینبغی أن یتحلّى بها السالک لأنّ من مقومات السلوک: الانقطاع إلى الله والإعراض عما سواه ، ویلزم ذلک إیکال جمیع أموره إلیه حتى یعلم علم الیقین أنّه قد حقق الانقطاع التام إلى الله.
وقد یتوهّم البعض أنّ الأخذ بالأسباب وإعدادها منافٍ لهذه الدرجه من التوکّل ، إلاّ أنّ هذا التوهّم لا یعتدّ به.
أوّلاً: إنّ الله تعالى شأنه قد جعل لکلّ شیء سبباً وربط المسببات بأسبابها ، فإذا اعتمدنا إعداد الأسباب ، فقد أخذنا بما أجراه الله تعالى بحکمته ، فهو لا ینافی التوکّل علیه فیها.
وثانیاً: إنّ من یعتمد الأسباب تارّه یعتمدها وهو یعتقد أنّها هی المؤثره فی المسببات ، والموجبه لحدوثها ولا دخل لإراده الله فی ذلک لا فی الوجود ولا فی العدم ، فهذا کفر بالله ، وهو لا یصدر من المسلم ، وأخرى یأخذ بالسبب ویعتمده مع اعتقاده بأنّ السبب لیس إلاّ من قبیل المقتضی ، وأنّ الفیض والوجود کله بإراده الله وأمره ، إن شاء أفاض الوجود فتحقق المسبب ، وإن شاء منع ، وهذا النحو من الأخذ بالسبب لا ینافی التوکّل ، وقد ورد فی الحدیث عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قوله: (أوجب الله لعباده أن یطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التی سببها لذلک ، وأمرهم بذلک)، ومصداق ذلک ما ورد فی القرآن الکریم ، قال تعالى: (خُذُوا حِذْرَکُمْ) ( النساء / ۷۱) ، وقال تعالى: (وَلْیَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) ( النساء/۱۰۲).
وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّهٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَیْلِ) ( الأنفال/ ۶۰).
وقال تعالى: (فَأَسْرِ بِعِبَادِی لَیْلاً) ( الزخرف/ ۲۳).
وکلّ هذه الآیات تأمر بإعداد السبب ، وقد ورد عن النبی (صلى الله علیه وآله) أنّه رأى أعرابیاً أهمل ناقته ولم یعقلها ، وقال: توکلت على الله ، فقال له (صلى الله علیه وآله): (أعقلها وتوکّل). وقد ورد الأمر بالتوکّل على الله فی الکتاب العزیز حیث قال تعالى: (وَعَلَى الله فَتَوَکَّلُوا إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ) (سوره المائده/ ۲۳).
وقال تعالى: (وَعَلَى الله فَلْیَتَوَکَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ( آل عمران/ ۱۲۲).
وقال تعالى: (وَتَوَکَّلْ عَلَى الله وَکَفَى بِالله وَکِیلاً) ( الأحزاب/ ۴۸).
وقال تعالى: (وَتَوَکَّلْ عَلَى الْعَزِیزِ الرَّحِیمِ) ( الشعراء/ ۲۱۷).
فوائد التوکّل على الله:
وللتوکّل على الله فوائد وآثار مهمه ، وقد تعرّضت الآیات لبعضها ، قال تعالى: (وَمَن یَتَوَکَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِکُلِّ شَیْءٍ قَدْراً) ( الطلاق/ ۳).
ومنها: أنّه بالتوکّل على الله تکمل للعبد حقیقه الإیمان ، کما ذکرنا سابقاً.
ومنها: کفایه الأمور، ففی الحدیث المروی عن أمیر المؤمنین (علیه السّلام) قال: (من وثق بالله أراه السرور، ومن توکّل علیه کفاه الأمور) (البحار، ج۶۸، ص ۱۵۱).
ومنها: حصول أعلى مراتب التقوى ، ففی الحدیث المروی أیضاً النبیّ (صلى الله علیه وآله) عنه قال: (من أحبّ أن یکون أتقى الناس فلیتوکّل على الله) (البحار، ج۶۸، ص ۱۵۱).
ومنها: حصول أعلى مراتب القوّه ، ففی حدیث النبیّ (صلى الله علیه وآله) المروی عنه أیضاً أنّه قال: (من أحبّ أن یکون أقوى الناس فلیتوکّل على الله).
ومنها: حصول النصر والغلبه ، ففی الحدیث المروی عن الإمام الباقر (علیه السّلام) قال: (من توکّل على الله لا یُغلب ، ومن اعتصم بالله لا یُهزم) (البحار، ج۶۸، ص ۱۵۱).
ومنها: حصول الرزق ، ففی الحدیث المروی عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال: (لو أنّکم تتوکّلون على الله حقّ توکّله ، لرُزقتم کما یرزق الطیر تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، وما روی أیضاً عنه (صلى الله علیه وآله)، قال: (من أحبّ أن یکون أتقى الناس فلیتوکّل على الله ، ومن أحبّ أن یکون أغنى الناس فلیکن بما عند الله عزّ وجلّ أوثق منه بما فی یده).
ومن أهمّ الفوائد أیضاً راحه القلب والاطمئنان النفسی ، فإنّه ممّا یرى بالوجدان إنّ الإنسان إذا اعتمد على کافل له وکان ذلک الکافل قویاً قادراً على حمایته وغنیاً قادراً على توفیر حاجاته استراح قلبه من التفکیر فی تلک الأمور، ومن أقوى من الله ، ومن أعزّ منه ، ومن أغنى منه ، ومن أکرم منه وأدرى بمصلحه العبد ومضرّته منه ، ومن ألطف به منه ، ومن أرحم به منه ؟ فکیف لا یتوکّل العبد علیه ویعرض عن التفکّر فی أموره ویکلها إلیه.
وممّا ینسب إلى الشیخ أحمد بن زین الدّین علیه الرحمه أنّه تلقى هذه الأبیات فی منامه من الإمام الحسن (علیه السّلام) حین سأله أن یخبره بشیء إذا قرأه رآهم (علیهم السلام)، فقال له شعراً:
وکِل الأمور إلى القضا کن عن أمورک iiمعرضا
فـلربما اتسع المضیق وربـما ضـاق الفضا
ولـربّ أمـر iiمـتعب لـک فی عواقبه iiرضا
الله یـفعل مـا iiیـشاء فـلا تـکن iiمـتعرّضا
الله عــوّدک الـجمیل فقس على ما قد iiمضى
فکان یردّدها فلا یجد لها أثر فیما أراده ، ثمّ تنبّه إلى أنّ الإمام لا یرید منه قراءتها وإنّما یرید منه العمل بمضمونها ، وحین عمل بها وجد حاجته التی یرید.