منهاج دوله البطون التربوی والتعلیمی
والإلقاء فی روع العامه أنهم، ومن یوالیهم، الخطر الحقیقی الذی یهدد وحده الأمه ویزعزع دینها واستقرارها ویقوم هذا المنهاج على اختراع مرجعیات بدیله لتحل محل المرجعیه الإلهیه المتمثله بأهل بیت النبوه.
وحشدت دوله البطون وخلفاؤها وأولیاؤها آلاف الرواه، وأغدقت علیهم العطایا والهبات لیرووا لها روایات عن رسول الله تؤید هذا المنهاج التربوی والتعلیمی الذی اخترعته. ونتیجه هذا الجهد جمعت مئات الآلاف من هذه الروایات، فوثقتها وکتبتها فی الوقت الذی کانت فیه روایه أحادیث الرسول وکتابتها محظورتین.
وجعلت دوله البطون من هذا التوجه ومن تلک الروایات، المختلفه فی أکثرها، منهاجاً تربویاً وتعلیمیاً فرضته على الأمه، وألزمتها بحفظه واستیعابه والعمل به. وصار الإیمان به واتباعه مقیاس الخطوه عند الخلفاء. وقد سخرت البطون ودولتها جمیع موارد الدوله ونفوذها وإعلامها وطاقاتها لترسیخ هذا المنهاج وتثبیته. وخلال عشرات السنین عملت الأمه به، وتقدم المتقدمون بموجبه ثم ماتت الأجیال، وتوارثته الأجیال اللاحقه وألقی فی روع الأجیال اللاحقه أنه ثمره إجماع الأمه، فعضت علیه بالنواجذ وتمسکت به ظانه أنه الحق المبین! وعدته مقیاساً لما یعرض علیها من فکر وعلم وثقافه، فما وافقه هو الحق، وما خالفه هو الباطل الصراح!
ومن أبرز معالم ذلک المنهاج اعتبار خلفاء دوله البطون وأولیاءهم حائزین للحق والحقیقه وممثلین شرعیین للأمه المسلمه وما عداهم أهل ضلاله وبدعه.
وخلال الصراع الطویل بین الحق وبین هذا المنهاج انقسمت الأمه إلى قسمین:
۱ – الخلفاء وأولیاؤهم، وهم شیعه البطون أو أهل السنه.
۲ – أهل بیت النبوه وأولیاؤهم، وهم شیعه أهل البیت أو الشیعه إطلاقاً.
وحسب المنهاج التربوی والتعلیمی الذی غذت دوله البطون عامه الأمه به، فإن الخلفاء وأولیاءهم، ومن سار على دربهم، هم المهتدون، وهم الفئه الناجیه، وهم أهل الوفاق والاتفاق، وهم أصحاب الجنه الذین لا خوف علیهم ولا هم یحزنون!
أما أهل بیت النبوه ومن شایعهم (أهل الشیعه) فهم شذاذ ومذاهبهم مبتدعه لا أصل لها فی الدین، ولا فی العقل.
وفی الفصل الذی عقده ابن خلدون لعلم الفقه وتناول فیه المذاهب الإسلامیه، عبر عن حقیقه هذا الاعتقاد بقوله حرفیاً: (وشذ أهل بیت النبوه بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به، بنوه على مذهبهم فی تناول بعض الصحابه بالقدح، وعلى قولهم بعصمه الأئمه ورفع الخلاف عن أقوالهم وهی کلها أصول واهیه. وشذ بمثل ذلک الخوارج، ولم یحفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جانب الإنکار والقدح) (۱). فأهل بیت النبوه ومن شایعهم شواذ کالخوارج عند ابن خلدون وکل مذاهبهم مبتدعه، وکافه الأصول التی بنیت علیها تلک المذاهب واهیه! هذا کلام ابن خلدون وتلک شهادته وهی تعبر عن حقیقه اعتقاد الخلفاء وشیعتهم بعقیده أهل بیت النبوه وشیعتهم! وربما وصل ابن خلدون إلى مرتبه علمیه عالیه، وأحیطت مؤلفاته بعنایه أعلام دوله البطون بسبب عقیدته تلک بأهل بیت النبوه ومن شایعهم! وإذا کانت هذه حقیقه نظره کبار علماء شیعه دوله البطون فکیف تکون بربک حقیقه نظره العامه منهم؟ وإنها بعض الآثار المدمره للمنهاج التربوی والتعلیمی الذی فرضته دوله الخلافه ورعته!
____________
(۱) مقدمه ابن خلدون، بیروت الأعلمی، ص ۴۴۶٫
وبعد أن خفت قبضه دوله البطون، وترعرعت نباتات شوک برنامجها التربوی والتعلیمی، وصارت عاده ومعتقداً لدى الرعیه، وبعد أن کشف النقاب عن بعض فضائل أهل بیت النبوه، وعرفها العامه والخاصه، صار الدفاع عن معتقد شیعه الخلفاء فی أهل بیت النبوه وشیعتهم من أصعب الأمور. لذلک فصل علماء شیعه الخلفاء أهل بیت النبوه عن شیعتهم، فقالوا بفضائلهم بألسنتهم، وبقیت عقیدتهم بشیعتهم کما هی، بمعنى أنهم أعلنوا احترامهم ومحبتهم لأهل البیت من دون تفصیل، وأبقوا حقدهم وکراهیتهم لشیعتهم ولکافه معتقداتها تلک أمر ثمرات المنهاج الذی ألقى أجرانه فی النفوس عبر تاریخ تلک الدوله! وکخطوه على طریق وحده المسلمین یتوجب على شیعه الخلفاء ومن دون إبطاء إعاده دراسه هذا المنهاج وتطهیر النفوس من کراهیه أهل بیت النبوه وشیعتهم، والاستفاده من علومهم ومن تجربه شیعتهم. ویتوجب الاقتناع بأن مذهبهم على الأقل مذهب إسلامی شأنه شأن مذهب أبی حنیفه والشافعی وغیره وأن شیعتهم فرقه مسلمه کغیرها من الفرق الإسلامیه، وأن الاختلاف بالرأی والنظره الفقهیه لا یوجب إدخال الجحیم! فأی منصف وعاقل فی الدنیا کلها یمکن أن یصدق ابن خلدون بأن أهل بیت النبوه شذاذ ومبتدعه، وأن مذهبهم مخترع وأصله واه. فی الوقت الذی یؤکد فیه النبی بإجماع شیعه الخلفاء أن أهل بیت النبوه هم أحد الثقلین، وأن الهدى لا یدرک إلا بهما والضلاله لا یمکن تجنبها إلا بالاثنین معاً، وأن أهل بیت النبوه فی الأمه کسفینه نوح من رکبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وأنهم نجوم الهدى حزبهم حزب الله، وأعداؤهم حزب الشیطان! إن أی عاقل یرى أن ابن خلدون وشیعه الخلفاء باعتقادهم هذا یضعون أنفسهم فی موضع المعارض والمعاند لله ولرسوله! نحن لا نطلب من شیعه الخلفاء أن یعتقدوا بتمیز أهل بیت النبوه وصدق موالیهم، ولکننا نطالبهم بأن یعدوا أهل بیت النبوه وشیعتهم على الأقل من المسلمین الذین یخالفونهم فی الاجتهاد. وهذا مطلب بسیط یعد خطوه أولى فی طریق تحقیق وحده المسلمین.
الحکم والمعارضه
عظمه نظام الحکم – أی حکم – تقاس بموقفه من المعارضه، فکلما اتسع صدر النظام لها سما قدره وتألق نجمه. وهذه القاعده تنطبق على أنظمه الحکم الإلهیه والوضعیه على السواء. فعندما تسلم رسول الله قیاده دوله الإیمان عاشت المعارضه أسعد أیامها. فعبد الله بن أبی، زعیم المنافقین، یعلن نوایاه بکل حریه وصراحه، فیقول: (لئن رجعنا إلى المدینه لیخرجن الأعز منها الأذل)، وهو یقصد نفسه بکلمه الأعز، ویقصد رسول الله بکلمه الأذل! فماذا فعل به الرسول، وبماذا عاقبه؟ لقد اقتصر رد فعل الرسول على توبیخ ابن أبی ورهطه من دون الإشاره إلیهم بأسمائهم حتى لا یحرجهم ولا یغلق أمامهم درب الرجوع إلى الصواب، إنما توعد المنافقین إن مضوا فی غیهم، ووبختهم على سوء نوایاها! هذا نموذج لتعامل نظام حکم النبوه مع المعارضه الموسومه إلهیاً بالنفاق!
فی صلح الحدیبیه، وبتوجیه إلهی، خطوه بعد خطوه، عقد النبی صلحاً مع بطون قریش بعد مقاومه وقطیعه وحرب دمویه دامت ۲۱ عاماً، وحقق الرسول بهذا الصلح کل ما حارب من أجله، وما کان یطمع بتحقیقه، وکان الصلح کما وصفه الله تعالى فتحاً مبیناً، إلا أن هذا الفتح المبین لم یرق لعمر بن الخطاب، واعتبره (دنیه فی الدین) واستعمل جمیع الأسالیب لتخریب الصلح وإلغاء المعاهده ولکن جهوده باءت بالفشل، وأتم الله کلماته. ولما عجز عمر عن تحقیق ما أراد، صرح علناً وعلى مسمع من الرسول بأنه لو وجد شیعه تناصره لما (أعطى الدنیه فی دینه)!، ولألغى بالقوه الصلح الذی أمر الله رسوله بتوقیعه وإبرامه! وهذا عمر نفسه الذی کلفه الرسول بأن ینقل رساله شفهیه إلى بطون قریش، قبل الصلح، فاعتذر وقال للرسول: إنی أخشى قریشاً على نفسی ولیس لی فیها من یحمینی! ماذا فعل الرسول للمعارض الذی توعد باستعمال القوه وبماذا عاقبه؟ لقد قال له الرسول:
(إنی عبد الله ورسوله ولن یضیعنی). ولما توالت حملاته الکلامیه ذکره الرسول بفرار المسلمین یوم معرکه أحد، ولم یقل له: أنت فررت فی ذلک الیوم. علماً أنه فر وحاول أن یرتب الأمور مع عبد الله بن أبی لیتوسط له عند أبی سفیان حتى لا یقتله! هذا کل ما فعله الرسول مع المعارضه الموسومه بوسم الإسلام (۱).
____________
(۱) راجع المغازی للواقدی – صلح الحدیبیه، وکتابنا المواجهه.
وماذا فعل الرسول بالمسلمین الذین تأمروا على قتله بعد عودته من غزوه تبوک؟ وماذا فعل ببطون قریش عندما دخل عاصمه الشرک فاتحاً؟ وماذا فعل لعمر بن الخطاب وزعماء بطون قریش عندما دخلوا علیه داره وحالوا بینه وبین کتابه ما یرید، وقالوا له: أنت تهجر ولا حاجه لنا بوصیتک، لأن القرآن یکفینا؟ هذه بعض مواقف نظام حکم النبی من المعارضه (۱).
وماذا فعل الإمام علی بالخوارج؟ کانوا یشتمونه ویتهمونه بالکفر، ویتحرشون به. وکان أصحاب الإمام یتمیزون غضباً من تصرفاتهم، ولکن الإمام اتسع بهم، وأمر أصحابه بأن یترکوهم لیقولوا ما یشاؤون، حتى إذا أفسدوا فی الأرض أو قاتلوا تحرک الإمام لیوقف فسادهم، ولیضع حداً لقتالهم. لهم یقاتلهم لأنهم یعارضونه، إنما قاتلهم لأنهم تجاوزوا منطق المعارضه إلى منطق الإفساد، لم یحاربهم انتقاماً إنما حاربهم استصلاحاً لهم. وماذا فعل الإمام علی بعائشه وطلحه والزبیر؟ لقد أعاد عائشه معززه مکرمه وحتى لا یردعها أمر النساء بأن تلبس لباس العسکر وترافق أم المؤمنین الخارجه علیه إلى مقر إقامتها فی المدینه، وأرسل معها أخاها محمداً بن أبی بکر! وماذا فعل الإمام علی للأمویین الذین انخرطوا فی جیش عائشه وطلحه والزبیر، ألم یکن مروان بن الحکم أحد قاده هذا الجیش؟ لقد ترکه الإمام وعاش مروان حتى تسلم الخلافه وجعلها ملکاً له ولعقبه من بعده!
هذه مواقف من دوله الإیمان مع المعارضه، وصور تعامل الحکم الإسلامی معها.