مطارده أهل بیت النبوه وشیعتهم حتى على الصعید الفقهی
ولکن لا الخلفاء ولا شیعتهم، یقبلون بتقلید أهل بیت النبوه أو أی عالم من علماء شیعه أهل البیت! ولا یعتدون على الإطلاق بفهم أهل بیت النبوه أو برأیهم فی أی أمر من الأمور الدینیه أو الدنیویه. وزیاده فی الاحتیاط فإنهم لا یأخذون برأی أی عالم من علماء شیعه أهل بیت النبوه، إلا إذا کان رأیه یتفق مع ما علمه الخلفاء، أو ما أوجدوه من سنن. ففی هذه الحاله یتبعون رأی أهل بیت النبوه ضمناً، ولکن لیس لأنه شرعی أو غیر شرعی بل لأنه متفق مع عمل الخلفاء وسننهم فسنده لیس أهل البیت بل عمل الخلفاء وسنتهم ویستدل بفهم أهل البیت وشیعتهم لإثبات شرعیه عملهم وسنتهم! قد یقال إن خلفاء البطون کانوا یستشیرون الإمام علی، ویأخذون برأیه وبعضهم کان یقول (اللهم إنی أعوذ بک من معضله لیس فیها أبو حسن)، کما هو مشهور. لکنهم کانوا یستشیرونه فی المعضلات النادره التی لم تقو علومهم واجتهاداتهم على إیجاد حل لها، وبالصدفه. ومع هذا، فإن المسند الشرعی لقبول حلول الإمام علی لتلک المعضلات لیس هو فهمه أو رأیه وإنما تبنی الخلیفه له، فمن دون هذا التبنی یصبح عدیم الفائده والجدوى!
وقد سار موکب الأمه بقیاده الخلفاء عبر التاریخ متجاهلاً بالکامل وجود أهل بیت النبوه، ووجود علمهم الخاص الممیز، ووجود فقههم! ولم یستشهد بهذا العلم إلا لغایه محدده هی إثبات شرعیه عمل الخلفاء وسننهم. خذ على سبیل المثال (القبض على الیدین) فی الصلاه. الشافعی وأبو حنیفه وابن حنبل وأتباعهم یقبض کل واحد منهم على یدیه أثناء الصلاه (أی یمسک رسغ الیسرى بالید الیمنى). بینما مالک وأهل البیت وشیعتهم یرسلون الیدین أثناء الصلاه! فشرعیه عدم القبض على الیدین وإرسالهما لا تستمد من فعل أهل بیت النبوه بل من فعل مالک صاحب المذهب المشهور ومن فعل أتباعه! ویستدل الإمام مالک على صواب فعله بفعل أهل بیت النبوه ; فلو أن مسلماً من أتباع مالک صلى فی مسجد من مساجد المسلمین، وهو مرسل یدیه وغیر قابض علیهما للفت أنظار الجمیع، ولانهالوا علیه بالسؤال بعد انتهاء صلاته، فإذا قال إنه مالکی (من أتباع مالک) نجا، وصار فعله أمراً طبیعیاً! أما إذا قال إنه من شیعه أهل بیت النبوه ومن أتباع مذهبهم یجن جنون الجمیع ویستنکرون بشده دخوله إلى المسجد وصلاته فیه! ومن الممکن أن یطردوه بحجه أنه من الروافض (الذین رفضوا قیاده الخلفاء ومرجعیتهم)، أو بحجه أنه من الملاحده المشرکین! مع أن هذا المسلم یتلو القرآن الذین یتلونه، ویؤدی العبادات نفسها کم یقرونها یفردونها؟؟؟. ومع أنه مسلم مثلهم، والفرق بینهم وبینه أنهم یتبعون أحد المذاهب الأربعه وهو یتبع مذهب أهل بیت النبوه! أو هم یقتدون بأصحاب المذاهب الأربعه التی اعتمدها متأخرو الخلفاء، وصاحبنا یقتدی بأهل بیت النبوه ; هذا هو الفارق الدقیق.
واستطراداً فقد رأت دوله الخلفاء أن ترک الباب مفتوحاً أمام تعدد المذاهب والمراجع أمر غیر عملی، والأنسب أن تختار عدداً منها وتفرضه بالقوه على الرعیه، وتلغی ما عداه. هکذا کان، فاختارت دوله الخلافه أربعه مذاهب، وأمرت أفراد الرعیه بالتمذهب بواحد منها. ولم تقبل شهاده أی إن لم یفعل ذلک کما ذکر المقریزی فی خططه. ومع ضغط الدوله ونفوذها، تحولت هذه المذاهب الأربعه إلى مذهب رسمی لدوله البطون له أربعه وجوه، وتحول أصحاب هذه المذاهب إلى مراجع فقهیه لدوله البطون ورعیتها وتلاشت المذاهب الأخرى التی کانت موجوده، أو احتفظت ببقائها بصعوبه وسراً، وعتمت وسائل أعلام دوله الخلافه على المراجع الفقهیه الأخرى، فنسیهم الناس، أو تناسوهم ومن جمله هذه المذاهب التی نسیها الناس أو تناسوها مذهب أهل بیت النبوه، ومرجعیه أهل البیت الفقهیه! فقد صار هذا المذاهب محظوراً شأنه شأن غیره من المذاهب التی حظرت، وصارت مرجعیه أهل البیت مغموره شأنها شأن غیرها من المراجع التی غمرت.
المذاهب التی اعتمدتها دوله الخلفاء
اعتمدت دوله الخلافه أربعه مذاهب، وأقرت بمرجعیه واضعیها وهی:
۱ – المذهب الحنفی، وقد سمی باسم صاحبه أبو حنیفه، عتیک بن زوطی المعروف بالنعمان بن ثابت، المتوفى سنه ۱۵۰ ه / 767 م.
۲ – المذاهب المالکی نسبه إلى مالک بن أنس، المتوفى سنه ۱۷۹ ه / 795 م.
۳ – المذهب الشافعی نسبه إلى محمد بن إدریس الشافعی، المتوفى سنه ۲۰۴ ه / 820 م.
۴ – المذهب الحنبلی نسبه إلى أحمد بن حنبل، المتوفى سنه ۲۴۱ ه / 855 م.
وتفرعت عن الحنابله فرقه تبعت أحمد بن عبد الحلیم، المتوفى سنه ۷۲۶ ه / 1325 م، وهو المعروف بابن تیمیه، وعرفت بالسلفیه.
وتفرعت عن السلفیه فرقه عرفت بالوهابیه نسبه إلى محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنه ۱۲۰۶ ه / 1791 م.
وصارت هذه المذاهب مذهباً رسمیاً لدوله الخلافه، وصار أصحابها مرجعیات معتمده من قبل هذه الدوله التی طلبت من الناس، رسمیاً، أن یقلدوا هؤلاء المراجع الأربعه وأن یعتمدوا فقههم فی الأمور الدینیه والدنیویه. ثم أغلق باب الاجتهاد رسمیاً، وعلى العقل المسلم أن یبقى دائماً ضمن الدوائر الفقهیه والعقلیه التی رسمها أصحاب المذاهب الأربعه. ومع مرور الزمن دخل المسلمون فی هذه المذاهب الأربعه زرافات ووحداناً، ولم یبق خارجها إلا أهل بیت النبوه وشیعتهم الذین بقوا على مذهب أهل بیت النبوه الذی تعلموه من أهل البیت، وهو الإسلام أو مذهب النبوه الذی ورثوه من رسول الله (۱).
ـــــــــــــــــــــــ
(۱) راجع کتابنا الخطط السیاسیه ص ۱۷۰ – ۱۷۱٫