الإمام الحسن (علیه السلام) یجنی ثمار الصلح
وفیما یلی نذکر بعضاً من مواقف الإمام مع سلطه معاویه التی کانت تهز عرشه ، وتُلهم معارضیه أسلوب مقاومته : أ – بُعَیْدَ المصالحه صعد معاویه المنبر ، وجمع الناس فخطبهم وقال : إن الحسن بن علی رآنی للخلافه أهلاً ، ولم یَر نفسه لها أهلاً ، وکان الحسن (علیه السلام) أسفل منه بمرقاه .
فلمّا فرغ من کلامه قام الحسن (علیه السلام) فحمد اللـه تعالى بما هو أهله ، ثمّ ذکر المباهله ، فقال : “ فجاء رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) من الأنفس بأبی ، ومن الأبناء بی وبأخی ، ومن النساء بأمّی . وکنّا أهله ونحن آله ، وهو منّا ونحن منه .
ولمّا نزلت آیه التطهیر جمعنا رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) فی کساء لأُمِّ سلمه رضی اللـه عنها خیبری ثم قال : اللـهمّ هؤلاء أهل بیتی وعترتی ، فَأذهِبْ عنهم الرِّجسَ وطهّرهم تطهیراً . فلم یکن أحد فی الکساء غیری وأخی وأبی وأُمّی ولم یکن أحد تصیبه جنابه فی المسجد ویولد فیه إلاّ النبی (صلى الله علیه وآله) وأبی تکرمه من اللـه لنا وتفضیلاً منه لنا ، وقد رأیتم مکان منزلتنا من رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) .
وأمر بسدِّ الأبواب فسدَّها وترک بابنا ، فقیل له فی ذلک فقال : أَمَا إنّی لم أسدَّها وأفتح بابه ، ولکنَّ اللـه عزَّ وجلَّ أمرنی أن أسدَّها وأفتح بابه .
وإنَّ معاویه زعم لکم أنّی رأیته للخلافه أهلاً ، ولم أرَ نفسی لها أهلاً فکذب معاویه ، نحن أولى بالناس فی کتاب اللـه عزَّ وجلَّ وعلى لسان نبیه (صلى الله علیه وآله) ، ولم نزل أهل البیت مظلومین ، منذ قبض اللـه نبیه (صلى الله علیه وآله) ، فاللـه بیننا وبین من ظلمنا حقّنا ، وتوثّب على رقابنا ، وحمل الناس علینا ، ومنعنا سهمنا من الفیء ومنع أُمَّنا ما جعل لها رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) .
وأُقسم باللـه لو أنَّ الناس بایعوا أبی حین فارقهم رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض برکتهـــا ، وما طمِعتَ فیها یا معاویه . فلمّا خرجتْ من معدنها تنازعتها قریش بینها ، فطمعتْ فیها الطُّلَقـاء ، وأبناء الطُّلَقاء – أنت وأصحابک – وقد قال رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) : ما ولّت أُمّه أمرها رجلاً وفیهم من هو أعلم منه إلاّ لم یزل أمرهم یذهب سفالاً حتّى یرجعوا إلى ما ترکوا ، فقد ترکت بنو إسرائیل هارون وهم یعلمون أنّه خلیفه موسى فیهم واتّبعوا السامریَّ ، وقد ترکت هذه الأُمّه أبی وبایعوا غیره ، وقد سمعوا رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) یقول : “ أنت منّی بمنزله هارون من موسى إلاّ النبوَّه “ ، وقد رأَوا رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) نصب أبی یوم غدیر خم وأمرهم أن یبلّغ الشاهد منهم الغائب .
وقد هرب رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) من قومه ، وهو یدعوهم إلى اللـه تعالى حتّى دخل الغار ، ولو وجد أعواناً ما هرب ، وقد کفَّ أبی یده حین ناشدهم ، واستغاث فلم یُغَثْ فجعل اللـه هارون فی سعه حین استضعفوه وکادوا یقتلونه ، وجعل اللـه النبیَّ (صلى الله علیه وآله) فی سعه حین دخل الغار ولم یجد أعواناً . وکذلک أبی وأنا فی سعه من اللـه حین خذلتنا هذه الأمه ، وبایعوک یا معاویه . وإنما هی السنن والأمثال یتبع بعضها بعضاً .
أیها الناس : إنکم لو التمستم فیما بین المشرق والمغرب ، أن تجدوا رجلاً ولده نبیّ غیری وأخی لم تجدوا ، وإنّی قد بایعت هذا وإن أدری لعلّه فتنه لکم ومتاع إلى حین “ [1] .
ب – ومره أخرى صعد معاویه المنبر ونال من أمیر المؤمنین فتحداه الإمام الحسن (علیه السلام) بما فضحه أمام الملأ . تقول الروایه : “ بعد أن تمت المصالحه سار معاویه حتّى دخل الکوفه فأقام بها أیّاماً فلمّا استتمّت البیعه له من أهلها صعد المنبر ، فخطب الناس وذکر أمیر المؤمنین (علیه السلام) ونال منه ، ونال من الحسن (علیه السلام) ما نال ، وکان الحسن والحسین (علیه السلام) حاضرَین ، فقام الحسین (علیه السلام) لیردَّ علیه ، فأخذ بیده الحسن (علیه السلام) فأجلسه ، ثمَّ قام فقال :
ایّها الذاکر علیّاً ، أنا الحسن وأبی علیٌّ ، وأنت معاویه وأبوک صخر ، وأُمی فاطمه وأُمّک هند ، وجدّی رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) وجدُّک حرب ، وجدَّتی خدیجه وجدَّتک قتیله ، فلعن اللـه أخملنا ذکراً وألأَمنا حَسَباً ، وَشرنا قَدماً ، وأقدمنا کفراً ونفاقاً . فقالت طوائف من أهل المسجد : آمین آمین “ [2] .
ج – وفی الشام حیث رَکَّز معاویه سلطته خلال عشرات السنین . ولفقَ أکاذیب على الإسلام حتى کاد یخلق للناس دیناً جدیداً . وقف الإمام الحسن المجتبى (علیه السلام) یعارض نظامه الفاسد ، ویبیِّن أنه وخطه الأولى بالقیاده . یقصّ علینا التاریخ الحادثه التالیه :
رُوی أنَّ عمرو بن العاص قال لمعاویه : إنَّ الحسن بن علی رجل عَیِیٌّ ، وإنه إذا صعد المنبر ورمقوه بأبصارهم خجل وانقطع ، لو أذنت له . فقال معاویه : یا أبا محمّد لو صعدت المنبر ووعظتنا !. فقام فحمد اللـه وأثنى علیه ، ثمَّ قال : “ مَن عرفنی فقد عرفنی ، ومَن لم یعرفنی فأنا الحسن بن علیّ ، وابن سیدّه النّساء فاطمه بنت رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) . أنا ابن رسول اللـه ، أنا ابن نبیِّ اللـه ، أنا ابن السراج المنیر ، أنا ابن البشیر النّذیر ، أنا ابن من بُعث رحمه للعالمین ، أنا ابن من بُعث إلى الجنِّ والإنس ، أنا ابن خیر خلق اللـه بعد رسول اللـه ، أنا ابن صاحب الفضائل ، أنا ابن صاحب المعجزات والدّلائل ، أنا ابن أمیر المؤمنیـن ، أنا المدفوع عن حقّی، أنا واحدُ سَیِّدَی شباب أهل الجنّه ، أنا ابن الُّرکن والمقام ، أنا ابن مکّه ومنى ، أنا ابن المشعر وعرفات “ .
فاغتاظ معاویه وقال : خذ فی نعت الرُّطب ودعْ ذا ، فقال : الرِّیح تنفخه والحرُّ ینضجه ، وبرد اللّیل یطیّبه ، ثمَّ عاد فقال : “ أنا ابن الشفیع المطاع ، أنا ابن من قاتل معه الملائکه ، أنا ابن من خضعت له قریش ، أنا ابن إمام الخلق وابن محمّد رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) “ .
فخشی معاویه أن یفتتن به النّاس ، فقال : یا أبا محمّد انزل فقد کفى ما جرى . فنزل فقال له معاویه : ظننتَ أن ستکون خلیفه ، وما أنت وذاک ، فقال الحسن (علیه السلام) : “ إنّما الخلیفه ممن سار بکتاب اللـه ، وسنّه رسول اللـه ، لیس الخلیفه من سار بالجور وعطّل السنّه ، واتّخذ الدُّنیا أباً وأُمّاً ، ملک ملکاً مُتّع به قلیلاً ، ثمَّ تنقطع لذَّته ، وتبقى تَبِعَتُه “ .
وحضر المحفل رجل من بنی أُمیه وکان شاباً فأغلظ للحسن کلامه ، وتجاوز الحدَّ فی السبِّ والشتم له ولأبیه . فقال الحسن (علیه السلام) : اللـهمَّ غیّر ما به من النّعمه واجعله أُنثى لیُعتبر به ، فنظر الأمویُّ فی نفسه وقد صار امرأه قد بدَّل اللـه له فرجه بفرج النّساء وسقطت لحیته ، فقال الحسن (علیه السلام) : أُعْزُبی ! مالکِ ومحفل الرِّجال ؟ فإنّکِ امرأه .
ثمَّ إنَّ الحسن (علیه السلام) سکت ساعه ، ثمَّ نفض ثوبه ونهض لیخرج ، فقال ابن العاص : اجلس فانّی أسألک مسائل . قال (علیه السلام) : سل عمّا بدا لک ، قال عمرو : أخبرنی عن الکرم والنجده والمروءه ، فقال (علیه السلام) : “ أمّا الکرم فالتبرُّع بالمعروف والإعطاء قبل السؤال . وأما النجده فالذَّبُّ عن المحارم ، والصّبر فی المواطن عند المکاره . وأما المروءه فحفظ الرجل دینه ، وإحرازه نفسه من الدنس ، وقیامه بأداء الحقوق وإفشاء السلام “ .
فخرج ( الإمام الحسن علیه السلام ) فعذل معاویه عمراً . فقال : أفسدت أهل الشام . فقال عمرو : إلیک عنّی . إن أهل الشام لم یحبوک محبه إیمان ودین . إنّما أحبوک للدنیا ینالونها منک ، والسیف والمال بیدک ، فما یغنی عن الحسن کلامه .
ثم شاع أمر الشاب الأموی ، وأتت زوجته إلى الحسن فجعلت تبکی . وتتضرع فرقَّ لها ودعا فجعله اللـه کما کان [۳] .
إلى المدینه :
وهکذا ظل الإمام فی الکوفه شهوراً ، ثم ارتحل عنها وارتحل معه کلّ الخیر . ففی نفس الأیام التی خرج الإمام عنها ، حلّ بها طاعون فمات الکثیر من أهلها ، حتى أن والیها ( المغیره بن شعبه ) أُصیب به فمات .
فلما بلغ المدینه ، خف أهلها یستقبلونه أحرّ الإستقبال . وظل هناک یقود حرباً بارده ضد معاویه ومؤامراته على المسلمین ، حتى کانت السنه حیث وفد إلى الشام عاصمه الخلافه الإسلامیه ، فراح یبلّغ عن دعوته التی خُلق لها وخرج بها ، وعاش معها ، تلک دعوه الحق ، ومحق الباطل . ولقد أظهر الإمام فی تلک الرحله الرسالیه ، لأهل الشام ، أن معاویه لیس بالذی یصلح للقیاده ، على ما موَّه علیهم بدعایاته المضلله ، فهو یرجع بهم إلى الجاهلیه حیث کان أبوه یستعبد الناس ویستنزف جهودَهم وطاقاتهم ، ولا یهمه بعد ذلک أَسَعِدُوا أم شقوا .
ولیس من العجب أن نرى کلّ من التفَّ حول معاویه ودافع عن أفکاره ونصب نفسه لدعوته ، کان من قبل قد التف هو أو أسرته حول ابی سفیان ودافع عن أفکاره . فلا زال معاویه یقود الحزب الأموی الذی قاده من قبل والده أبو سفیان ، بذات المفاهیم والعادات والسلوکیات . کما أنه لا یثیر العجب إذا رأینا فی صف الإمام الحسن (علیه السلام) ثله صالحه ممن کان قبل أیام یناضل أبا سفیان وحزبه دفاعاً عن قیم الرساله .
والواقع أن حرکه معاویه کانت ردّ فعل جاهلی ضد انتشار رساله الإسلام وکانت على صله تامه بالروم .
وکان یعتمد معاویه على أشخاص مثل عمرو بن العاص ، وزیاد بن أبیه ، وعتبه بن أبی سفیان ، والمغیره بن شعبه ، ونظائرهم ممن لاتزال صورهم أو صور أسرهم تتراءى لنا ، فی میادین بدر والخندق، کما کان یعتمد على النصارى الذین أصبحت لهم قوه لا یُستهان بها داخل الدوله الأمویه . وإن معاویه کان یجتمع کلّ مساء بمن یقرأ علیه أخبار الحروب السابقه وخصوصاً تجارب الروم فی الحروب السیاسیه فیستفید منها .
من هنا نعرف أن الحرب بین أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) ، أو نجله الإمام الحسن (علیه السلام) وبین معاویه ، لم تکن صراعاً مجرداً على السلطه ولا صراعاً بین حزبین داخل الإطار الإسلامی ، بل کان صراعاً بین الکفر المبطن والإسلام الحق . ولذلک اتبع الإمام الحسن (علیه السلام) نهجاً خاصاً فی مواجهه الصراع ، وهو نهج الدعوه الصریحه ، حیث سافر إلى الشام ، عاصمه الخلافه ، کی یُقر حقّاً نذر له نفسه ، ومن الطبیعی أن أهل الشام سوف یلتفتون إلیه بعد أن کان رئیس الحرکه المناوئه لدولتهم ، وقائد الحرب المعارض لسیاستهم . ولابد أن یفد منهم خلق کثیر ، فهنالک یستطیع أن یبلِّغ دعوته وینشر من علومه ما یدکّ صرح معاویه السیاسی وینسف أحلامه الجاهلیه .
وإن صفحات التاریخ تطالعنا بکثیر من خطبه التی ألقاها على أهل الشام ، فأثر فی نفوسهم أبلغ تأثیر ، ولـــم یزل کذلک حتى اشتکــــاه أنصار معاویه قائلین له إن الحســــن قد أحیا أباه وَذِکْره ، وقال فصُدِّق ، وأمــــر
فأُطیع ، وخفقت له النعال ، وإن ذلک لرافعه إلى ما هو أعظم منه ولا یزال یبلغنا عنه ما یسوؤنا .
ـــــــــــــــــ
([۱]) المصدر : ( ص ۶۲ – ۶۴ ) .
([۲]) المصدر : ( ص ۴۹ ) .
([۳]) المصدر : ( ص ۸۸ – ۹۰ ) .