نقض أول عروه من عرى الإسلام وهی نظام الحکم
لأن من یخلف النبی هو حجر الأساس لنظام الحکم الإسلامی ، وقد أثبتنا بالدلیل القاطع والبرهان الساطع ، بأن الله تعالى قد اختار الإمام علی بن أبی طالب لیکون أول إمام یخلف النبی بعد موته ، واختار أحد عشر إماما آخرین من ذریه النبی ومن صلب علی لیتعاقبوا على خلافه الإمام علی بعد موته أو قتله ، یتولى کل واحد منهم الإمامه بعهد ممن سبقه ، وأمر الله رسوله أن یبین ذلک للمسلمین خاصه ، وللناس عامه ، فصدع الرسول بأمر ربه ، وطوال عهد النبوه الزاهر وهو یبین ذلک بمختلف وسائل البیان ، ویؤکده بکل طرق التأکید ، ویثبت صواب هذا الترتیب الإلهی بمختلف وسائل الإثبات ، لأن هذا الموضوع هو العمود الفقری للأحکام الإلهیه ، وتمکن الرسول من إقناع المسلمین بصواب الترتیبات الإلهیه لعصر ما بعد النبوه المتعلقه بمن یخلف النبی ، فمعاویه بن أبی سفیان طلیق وابن طلیق ، وقائد کبیر من قاده جبهه الشرک یصرح علنا بما یلی : ( لقد کنا وأبوک معنا فی حیاه من نبینا نرى حق ابن أبی طالب لازما لنا ، وفضله مبرزا علینا ، فلما اختار الله لنبیه ما عنده . . . فکان أبوک وفاروقه أول من ابتزه وخالفه ، على ذلک اتفقا واتسقا . . . ) ( ۱ )
فإذا کانت هذه قناعه معاویه وهو أحد رؤوس الشرک السابقین وابن رأس الأحزاب وأبرز أئمه الکفر ، فکیف تکون قناعه الشخص العادی ! !
لقد رضی الجمیع بالترتیبات الإلهیه المتعلقه بمن یخلف النبی ولما وصل الرسول إلى هذه النتیجه المبارکه ، وبعد عودته من حجه الوداع ، جمع الأکثریه الساحقه من المسلمین فی مکان یدعى ( غدیر خم ) وأعلن أمامهم بأنه سیموت بعد عودته إلى المدینه ، وأنه قد خلف فیهم خلیفتین ( کتاب الله وعتره النبی أهل بیته ) ، وأن الهدى لن یدرک إلا بالتمسک بهذین الثقلین ، وأن الضلاله لا یمکن تجنبها إلا بالتمسک بهذین الثقلین ، ثم سأل المسلمین ألست ولیکم ومولاکم والأولى بکم ؟ فأقر المسلمون بذلک ، ثم أعلن الرسول ( من کنت الأولى به وولیه ومولاه ، فهذا علی بن أبی طالب هو الأولى به وولیه ومولاه ثم أجلس رسول الله الإمام علیا فی مکان خاص ، وتوجه بعمامته ، ثم کلف المسلمین بأن یبایعوه بالولایه من بعد النبی ، فبایعه الجمیع ، وبعد أن تمت البیعه نزلت آیه الاکمال ( الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دینا ) وهکذا حسمت مسألتی القیاده والقانون بعد موت النبی ) ( ۲ )
ــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) مقطع من رساله معاویه لمحمد بن أبی بکر راجع وقعه صفین لنصر بن مزاحم ط القاهره ۱۳۸۲ ه ص ۱۱۸ – ۱۱۹ ، ومروج الذهب للمسعودی ط ۱۳۸۵ ج ۳ ص ۱۱ .
( ۲ ) لقد وثقنا کل کلمه فی باب خاص من هذا الکتاب تحت عنوان ( من یبین القرآن ومن یبلغ السنه ، ومن هو مرجع المسلمین بعد وفاه نبیهم ) ، فارجع إلى توثیقنا إن شئت . ( * )
وقد حذر رسول الله المسلمین بأنهم إن لم یتبعوا هذه الترتیبات ، فإن أبواب الفتن ستفتح ، وأن عرى الإسلام کلها ستنقض عروه بعد عروه أولها نقضا الحکم وآخرها نقضا الصلاه ( ۱ ) وسیلی الأمر من بعده رجال یطفئون السنه ویحدثون البدعه ( ۲ ) .
بعد عوده الرسول إلى المدینه ، مرض کما أخبر ، ومات فی مرضه دون أن تتبدل هذه الترتیبات أو تتغیر ، وکان الناس على یقین بأن الإمام والخلیفه من بعد النبی هو علی بن أبی طالب ! ! وبما أن الإمام أو الرئیس العام هو أس النظام السیاسی وحجر أساسه کما أوضحت السنه النبویه بفروعها الثلاثه القول والفعل والتقریر ، فإن سلطه النبی ستنتقل سلمیا إلى الإمام علی بعد وفاه النبی ، حیث یتولى هذا الإمام المؤهل قیاده الأمه ، وتبلیغ السنه ، وبیان القرآن وبالکیفیه التی أعده الله ورسوله لتحقیقها ، ولهذا الإمام الاستعانه بمن یراهم من أهل القوه والأمانه ، وعصمه الإمام علی ، أی اعتصامه المؤکد بالله ، والتزامه التام بطاعته ، هی الضمانه الإلهیه بعدم الانحراف أو إساءه استعمال السلطه أو الصلاحیات الهائله المعطاه له ، بمعنى آخر فإن الإمام شأنه شأن کل الأئمه الشرعیین محصن أو ( مطعم ) إلهیا ضد الخطأ والانحراف ، تماما کما ( حصن الرسول وطعم ) لأن الإمام هو القائم مقام النبی وهو المؤدی عنه کافه الأحکام الشرعیه ، وقد تولت السنه النبویه المبارکه بیان هذه الناحیه وإثباتها .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) صحیح البخاری کتاب الحج ج ۱ ص ۳۲۲ ، وصحیح مسلم ج ۷ ص ۱۸ ، راجع نماذج من تحذیرات الرسول .
( ۲ ) رواه أحمد الفتح الربانی ج ۲۹ ص ۲۳ وقال حدیث صحیح . ( * )
لذلک لم تکن هنالک مشکله بموت النبی ، لأن الإمام علیا قد تم تتویجه وتمت مبایعته حال حیاه النبی کولی وکإمام وکخلیفه شرعی للنبی ، فهو ولی عهده شرعیا أو رسمیا ، فإن تأکدت وفاه النبی بأیه لحظه فسیحل محله آلیا ولی عهده ، کانت الترتیبات الإلهیه التی أعلنها الرسول وأکدها طوال عصر النبوه الزاهر محکمه تماما ، وقد حرص الرسول على إقناع المسلمین بسلامتها وصوابها ، ونجح بالفعل فی إقناعهم بذلک والحصول على رضاهم التام بها فحتى أبو سفیان إمام الکفر سابقا وولداه معاویه ویزید وهم من قاده جبهه الشرک کانوا راضین ومقرین بسلامه وصواب هذه الترتیبات الإلهیه ، أما الفئه الصادقه المؤمنه فقد کانت ترى أن هذه الترتیبات المتعلقه بمن یخلف النبی أحکام إلهیه أساسیه ، ملزمه ، ولا تستقیم أمور الدین والدنیا إلا بها ، والقوى التی حاربت وقاومت رسول الله قبل نصر الله والفتح کانت ترى أن هذه الترتیبات من القوه والأحکام بحیث لا یمکن نقضها ، لذلک کانت أعناق تلک القوى خاضعه لهذه الترتیبات ، لأنها قد اعتبرت أن القبول بهذه الترتیبات جزء لا یتجزأ من الإسلام ، وأن الله هو الذی أمر بها ، فهی أحکام إلهیه ، وأن مهمه الرسول کانت مقصوره على بیان هذه الأحکام ، فالتفکیر العام والقناعه الظاهره لکافه القوى التی حاربت الرسول وقاومته ثم اضطرت لدخول الإسلام مشابه تماما لتفکیر وقناعه القله المؤمنه فی هذه الناحیه بالذات ! !
الذین تجاهلوا سنه الرسول وخرجوا على الترتیبات الإلهیه ، وتجرأوا على نقض أول عرى الإسلام ( نظام الحکم )
طالما أن الرسول الأعظم قد استطاع أن یقنع المسلمین بوجاهه الترتیبات الإلهیه المتعلقه بمن یخلف النبی ، وأن یحملهم بالرضا على مبایعه الإمام علی بن أبی طالب فی غدیر خم لیکون أول إمام یخلف النبی ، وطالما أن المسلمین قاطبه بمن فیهم أبو سفیان وولداه یزید ومعاویه وهم ألد أعداء الله السابقین قد قبلوا بهذه الترتیبات ، وأقروا بصوابها ووجاهتها وشرعیتها واعتبروها جزءا من صفقه الإسلام التی قبلوها ، ولم یجرؤ أی واحد من الناس على إظهار رفضه لهذه الترتیبات ! !
فما الذی حدث ومن الذی حرض الناس على الخروج على هذه الترتیبات الإلهیه ؟
ومن الذی جرأهم على نقض أول عروه من عرى الإسلام وهی نظام الحکم وتجاهل بیان الرسول أو نصوص السنه النبویه التی عالجت موضوع نظام الحکم أو من یخلف النبی بعد موته ! ! ؟
ومن الذی قاد المسلمین فی مسیرتهم نحو تجاهل نصوص سنه الرسول ، ونقض أو عروه من عرى الإسلام ، من الذی قام بهذه الأعمال المدمره التی ما زلنا حتى یومنا هذا ندفع ضریبه سکوت أجدادنا علیها أو ممالأتهم لفاعلیها ؟ هل هم شیاطین قد خرجوا من البحر ، أو هبطوا من الجو ، وهل هم قوى خفیه من الجن ، کانت تتحرک وتدمر دون أن یشاهدها أحد من المسلمین ؟ ! !
الحقیقه المره أن الذین حرضوا المسلمین على الخروج على الترتیبات الإلهیه وهیجوا الناس ضدها ، وجرأوا المسلمین على نقض أول عروه من عرى الإسلام وهی نظام الحکم ، کانوا نفرا من المسلمین ، المحسوبین على القله المؤمنه والذین نالوا شرف صحبه النبی ، لقد کانت أفعالهم فتنه ، وأشخاصهم فتنه أیضا ، وقد کشفتهم تحرکاتهم المشبوهه ، ووسمتهم تلک التحرکات بمیاسم لا تخفى على محاید أبدا .
لقد رأیت ما فعله ذلک النفر من مهاجری بطون قریش عندما أمر رسول الله الناس بالخروج فی جیش أسامه ، کما رأیت أیضا ما فعلوه برسول الله وهو على فراش الموت ، ثم رأیت کیف افتعلوا الشعور بالصدمه والفجیعه عندما علموا بوفاه الرسول ، وفجأه کأن لم یکونوا فی صدمه شبکوا أیدیهم معا وترکوا رسول الله جنازه بین أیدی أهله ، دون أن یشترکوا بتجهیزه ، أو یشارکوا فی دفنه ، وذهبوا لیستولوا على ملک النبوه أثناء انشغال أصحابه الشرعیین بتجهیز النبی ودفنه ، لیضعوا المسلمین فی ما بعد أمام أمر واقع لا مجال لدفعه ! ! متجاهلین بالکامل کافه الترتیبات الإلهیه المتعلقه بمن یخلف النبی ، وقافزین قفزا کاملا عن النبی وعن بیانه ، أو عن نصوص السنه النبویه المطهره ، التی عالجت هذه الناحیه وترکت الناس على المحجه البیضاء لیلها کنهارها لا یزیغ عنها إلا هالک ! !
کان الرسول الأعظم قد حذر من ذلک النفر بقوله : ( لیردن علی قوم أعرفهم ویعرفوننی ثم یحال بینی وبینهم یوم القیامه ) ( ۱ ) وفی روایه أخرى : ( فأقول یا رب أصحابی ! ! فیقال لی : إنک لا تدری ما أحدثوا بعدک ) ( ۲ )
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) صحیح البخاری ج ۱ ص ۱۴۱ ، وصحیح مسلم کتاب الفضائل ج ۵ ص ۱۵۹ ، وکنز العمال ج ۱۴ ص ۴۱۸ رواه أحمد والبیهقی .
( ۲ ) صحیح البخاری کتاب الدعوات ج ۱ ص ۱۴۱ ، وصحیح مسلم کتاب الفضائل ج ۱۵ ص ۱۵۹ . ( * )
ویوضح الرسول الصوره فی روایه ثالثه فیقول : ( . . . فیقال لی لم یزالوا مرتدین على أعقابهم منذ فارقتهم ) ( ۱ ) ووضح الرسول الصوره أکثر فقال : ( . . . فقلت ما شأنهم ؟ فیقال لی أنهم ارتدوا بعدک على أدبارهم القهقرى ، فلا یخلص منهم إلا مثل همل النعم ) ( ۲ ) .
لقد سلط رسول الله بهذه الأحادیث الصحیحه الضوء الکاشف على نفر من أصحابه ، قریب منه ، ومحسوب علیه ، فأکد وبکل طرق التأکید ، بأن هذا النفر لن ینال شرف رفقه الرسول یوم القیامه ، ولن یکون حیث یکون الرسول ، بل سیکون هذا النفر فی مکان آخر مع أشخاص من أمثالهم ، والعله بهذا الطرد من الرحمه الإلهیه تلک الأحداث التی أحدثها ذلک النفر بعد وفاه الرسول ، فمنذ اللحظه التی صعدت فیها روح النبی الطاهره إلى بارئها ارتد ذلک النفر على أعقابه ، ( لم یزالوا مرتدین على أعقابهم منذ فارقتهم ، إنهم ارتدوا بعدک على أدبارهم القهقرى . . . )
والارتداد والرده لهما معنى محدد باللغه والشرع ، والارتداد أسوأ وأقبح عاقبه ونهایه ، والمرتد إنسان مطرود من رحمه الله ، لأنه عرف وتیقن ، ثم جحد وأنکر ! ! ولا ینفع ذلک النفر المرتد ادعاءهم بأنهم قد آمنوا بالإسلام ، ولکنهم لا یقبلون أو کفروا بالأحکام الإلهیه المتعلقه بنظام الحکم لأنها لیست مناسبه حسب اجتهاداتهم المریضه لقد عالج القرآن الکریم هذه الناحیه ، فقال الله تعالى کأنه یوجه کلامه العزیز لمثل هذا النفر : ( أفتؤمنون ببعض الکتاب وتکفرون ببعض فما جزاء من یفعل ذلک منکم إلا خزی فی الحیوه الدنیا ویوم القیامه یردون إلى أشد العذاب ) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) صحیح البخاری تفسیر سوره الأنبیاء ج ۳ ص ۱۶۰ ، وصحیح مسلم ج ۱۷ ص ۹۴ .
( ۲ ) صحیح البخاری کتاب الدعوات ج ۴ ص ۱۴۲ باب الصراط . ( * )
ولتکون على یقین من صحه وصواب ما ذهبنا إلیه ، فهل کان بوسع أحد من المسلمین أن یتجرأ فیقول للرسول فی منزله أنت تهجر ، ولا حاجه لنا بوصیتک ، ولا بتوجیهاتک النهائیه ، لأن عندنا القرآن وهو یغنینا عنک .
لو لم یفتح عمر بن الخطاب هذا الباب فیواجه النبی بهذا اللفظ النابی ! ! فهل یتجرأ أبو سفیان أو أی زعیم من زعماء بطون قریش أو أی کهف من کهوف المنافقین وأرکانهم على التلفظ بمثل هذا القول فی حضره رسول الله لو لم یجرئهم عمر على ذلک فیستعمل هذا اللفظ الفاحش ! ! لقد اقتصر دور الذین اتبعوه عندما اقتحم حجره النبی على اللازمه التی وضعها عمر فکانوا یقولون : ( القول ما قال عمر ) ما له أهجر ، استفهموه إنه یهجر ! ! فماذا بقی من الإسلام بربک عندما یقول المسلم لرسول الله ( اسکت أنت لا تعی ما تقول ، حسبنا کتاب الله ، ولا حاجه لنا بوصیتک ! ! إذا کان والد زوجه النبی وأحد المهاجرین یقول مثل هذا الکلام الفظ ، فما الذی یمنع أعرابیا من أولئک الذین هم أشد کفرا ونفاقا من أن یقول هذا الکلام لأنه یردد تردیدا ما قاله الصاحب ! ! !
وهل کان بوسع أحد من المسلمین أن یشغب على الإمام علی أو أن یطعن بشرعیه ولایته ، أو أن یطالب بالخلافه من بعد النبی مع وجود صاحبها الشرعی لولا ما فعله ذلک النفر من المهاجرین ! !
لکن عندما یرى المسلمون صهری النبی أبا بکر وعمر ، وعثمان وأبا عبیده یشغبون على ولایه الإمام علیها ویطعنون بشرعیتها ، ویطالبون بالخلافه متجاهلین وجود الخلیفه الشرعی ، فلا تثریب على المسلم العادی لو تاه فی هذه الظروف ، وعندما یرى المسلمون ذاک النفر من المهاجرین یتنکرون تنکرا کاملا لبیان الرسول أو سنته المتعلقه بنظام الحکم أو من یخلف النبی ، ولا یقیمون لهذه السنه أی وزن ، لأنها بحکم المعدومه فی نظرهم فکیف ترجو من المسلمین البسطاء وحدیثی العهد بالإسلام أن یلتزموا بالسنه أو أن یقیموا لها أی وزن ! ! بل کیف تحملهم على ذلک ! ! لقد فتحوا أبواب الفتن کلها ، وجرأوا المسلمین على الاستهانه برسول الله ، والاستهانه بسنه الرسول ، وبکافه الترتیبات الإلهیه التی أعلنها رسول الله والمتعلقه بنظام الحکم أو بمن بخلف الرسول ! ! لقد أوجد ذلک النفر المناخ الملائم لنقض عرى الإسلام کلها عروه بعد عروه ، بل وقادوا بأنفسهم کما سنرى عملیه نقض عرى الإسلام خطوه خطوه ! لقد استنفر ذلک النفر من المهاجرین کافه أعداء الله ورسوله السابقین ، کما أیقظ المنافقین من غفلتهم ، وهیجهم ضد الترتیبات الإلهیه ، واستعان بهم لنقض عرى الإسلام عروه عروه ، وجعل لهم مصلحه فی هذا النقض حیث استعان بهم ، وأشرکهم معه بالأمر ، قال ابن حجر فی فتح الباری : ( والذی یظهر من سیره عمر فی أمرائه الذین کان یؤمرهم فی البلاد أنه کان لا یراعی الأفضل فی الدین . . . فلأجل ذلک استخلف معاویه والمغیره بن شعبه وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل منهم فی أمر الدین والعلم ) ( ۱ ) .
قال حذیفه – أمین سر رسول الله على المنافقین – لعمر بن الخطاب یوما عندما رأى الفجار والمنافقین یتولون المناصب الحساسه فی الدوله : ( یا عمر إنک تستعین بالرجل الفاجر ) ( ۲ )
وقال حذیفه نفسه مره أخرى لعمر : ( والله یا عمر إنک تستعمل من یخون وتقول لیس علیک شئ وعاملک یفعل کذا وکذا ) ( ۳ ) .
وکان عمر یعلم أن الذین یستعین بهم ویعینهم أمراء ، وولاه وقاده فجار أو منافقون أو خونه لله ولرسوله ، ولکنه کان یبرر استعماله لهم واستعانته بهم بالقول : ( نستعین بقوه المنافق وإثمه علیه ) ( ۴ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) فتح الباری کتاب الأحکام ج ۱۳ ص ۹۸ .
( ۲ ) کنز العمال ج ۵ ص ۷۷ .
( ۳ ) راجع تاریخ الطبری ج ۵ ص ۳۱ .
( ۴ ) رواه ابن أبی شیبه والبیهقی راجع کنز العمال ج ۴ ص ۶۱۴ . ( * )
وهکذا وحسب هذه السیاسه المخالفه لکتاب الله وسنه رسوله ، ولتحذیرات الرسول المتکرره صار تأمیر الفاسقین والمنافقین والفجار والاستعانه بهم هو الأصل ، وهو المبدأ العام ، فأینما وجدت هذه القوه المزعومه استعانوا بها بغض النظر عن دین صاحبها أو سابقته أو جهاده أو علمه أو ماضیه ، أو عداوته السابقه لله ولرسوله ، أو تحذیر الرسول منه ، والقوه بهذا المعنى تعنی الالتزام بسیاسه ذلک النفر ، والولاء لهم ، وکراهیه أعدائهم ، وحرمان أولئک الأعداء من کافه الوظائف العامه ! !
والکارثه حقا أن الذین یعتبرهم ذلک النفر أعداء هم آل محمد وقرابته الأدنون ومن والاهم من القله المؤمنه ممن قامت دوله الإسلام بسیوفهم وعلى أکتافهم ! فالمقداد بن عمرو ، وسعد بن عباده ، وعمار بن یاسر ، وأبو ذر وأمثالهم یتأخرون أو یؤخرون بحجه أن القوه لا تتوفر بهم ، ویقدم علیهم معاویه والولید بن عتبه ( ۱ ) ، وابن أبی سرح ( ۲ ) ، والحکم بن العاص ( ۳ ) ، ومروان ابنه ( ۴ ) ، والأعور السلمی ( ۵ ) ، ویعلى بن منبه ( ۶ ) ، وأیاس بن صبح ( ۷ ) ، وطلیحه بن خویلد ( ۸ ) وأمثالهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) کان یسکر علنا ، وصلى الصبح بالناس وهو سکران وکان أحد أمراء عمر ، الإصابه ج ۳ ص ۳۶۳ .
(۲) هو الذی افترى على الله الکذب بنص القرآن، وقد أباح الرسول دمه، تاریخ الطبری ج ۵ ص ۵۹، والبدایه والنهایه لابن الأثیر ج ۸ ص ۲۱۴ .
( ۳ ) وثقنا فی البحوث السابقه لعن الرسول للحکم بن العاص ولابنه مروان وتحذیراته منهما ومن نسلهما .
( ۴ ) المصدر السابق .
( ۵ ) شهد حنین مشرکا ، الإصابه ج ۲ ص ۵۴۰ ، وأسد الغابه ج ۶ ص ۱۶ ، وقد لعنه رسول الله وکان من أشد المبغضین لعلی لکن عمر أمره وجعله على مقدمه جیش ، الإصابه ج ۱ ص ۵۴۱ .
( ۶ ) کان یعلى من الحاقدین على علی بن أبی طالب فقد أعان الزبیر فی ما بعد بأربعمائه ألف عندما خرج على علی واشترى لعائشه جملها عسکر وجهز ۷۰ رجلا من قریش ، الاستیعاب لابن عبد البر ج ۶ ص ۶۶۲ – ۶۶۳ .
( ۷ ) کان بسر بن أرطأه من أصحاب مسیلمه الکذاب أسلم وولاه عمر القضاء على البصره ، الاستیعاب ج ۱ ص ۱۲۰ .
( ۸ ) ادعى النبوه بعد النبی ، فأعجب به عمر وطلب من أمر الله أن یشاوروه ، البدایه والنهایه ج ۷ ص ۱۳۰ .
لقد تجاهل ذلک النفر تحذیرات الرسول من بنی أمیه ( ۱ )
والتاریخ الأموی الأسود فعین یزید بن أبی سفیان قائدا عاما لجیش الشام ، ولما مات یزید ورثه أخوه معاویه کقائد عام ووال على بلاد الشام ( ۲ )
وأطلق عمر بن الخطاب ید معاویه فی بلاد الشام وأعطاه الحریه الکامله لیفعل ما یشاء ، ولیجمع کما یشاء ولیتصرف على الوجه الذی یرید بلا رقیب ولا حسیب فقد قال یوما لمعاویه : ( . . . لا آمرک ولا أنهاک ) ( ۳ )
وکان عمر یوطد لمعاویه بین الناس فیقول أمام علیه القوم وأرکان دولته: (إنه فتى قریش وابن سیدها) (۴)
وکان یقول لعلیه القوم : ( تذکرون کسرى وعندکم معاویه ) ( ۵ )
وکان عمر یعد معاویه للخلافه ومواجهه الإمام علی فی ما بعد لقد خاطب عمر أهل الشورى بقوله : ( إذا اختلفتم دخل علیکم معاویه بن أبی سفیان من الشام ) ( ۶ )
وکان عمر یعرف أن معاویه یعد أهل الشام للخروج وأنه سیخرج ذات یوم فقد صرح عمر فی یوم من الأیام قائلا : ( یا أهل الشام استعدوا لأهل العراق ) ( ۷ ) ومع هذا لم یتعرض له عمر ، إنما ترکه لیکمل استعداداته وعدته ویخرج فی الوقت المناسب المتفق علیه ، وکان وراء تأمیر عمرو بن العاص لیکون عونا لمعاویه ذات یوم فقد أعلن عمر أمام أرکان دولته قائلا : ( لا ینبغی لأبی عبد الله – أی عمرو بن العاص – أن یمشی على الأرض إلا أمیرا ) ( ۸ ) وأتمها عمر على بنی أمیه ووضع الأساس المتین لحکمهم عندما عهد بالخلافه لعثمان المشهور بتعصبه لهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع نصوص سنه الرسول التی سقناها تحت عنوان ( الرسول یحذر من الخطر الماحق ) .
( ۲ ) البدایه والنهایه لابن الأثیر ج ۸ ص ۱۱۸ ، وتاریخ الطبری ج ۵ ص ۶۹ ، والاستیعاب ج ۳ ص ۵۹۶ ، وکنز العمال ج ۱۳ ص ۶۰۶ .
( ۳ ) البدایه والنهایه ج ۸ ص ۱۲۵ ، وتاریخ الطبری ج ۶ ص ۱۸۴ .
( ۴ ) البدایه والنهایه ج ۸ ص ۱۲۵ ، والاستیعاب ج ۸ ص ۳۹۷ .
( ۵ ) تاریخ الطبری ج ۶ ص ۱۸۴ .
( ۶ ) الطبقات الکبرى لابن سعد ج ۵ ص ۵۳۵ .
( ۷ ) الدلائل لابن سعد وکنز العمال ج ۱۲ ص ۳۵۴ .
( ۸ ) الإصابه ج ۵ ص ۳ . ( * )
ولما آلت الخلافه إلى عثمان بعهد من عمر رفع شعار ( صله الرحم ) بدلا من شعار ( القوه ) الذی رفعه عمر ، فعمر کان یبحث عن الأقرباء حتى لو کانوا من المنافقین والفجار لیستعین بقوتهم ! ! أما عثمان فقد کان یبحث عن الأرحام لیصلها .
ومن نافذه الأرحام وبابها الواسع ، دخل الأمویون کلهم ، ودخل معهم أولیاؤهم إلى ولایات الدوله ، وأعمالها ومناصبها الحساسه ، ووظائفها العامه فما من مصر من الأمصار ، وما من عمل من الأعمال إلا ووالیه أموی أو موالی لبنی أمیه ، وکان أول الداخلین من هذا الباب عمه الحکم بن العاص طرید رسول الله وعدو الله ورسوله ، فلما تولى عثمان الخلافه أدخل الحکم بن العاص معززا مکرما ، ومع الحکم دخل ابنه مروان ، قالت عائشه لمروان : ( أما أنت یا مروان فأشهد أن رسول الله قد لعن أباک وأنت فی صلبه ( ۱ ) وکان مروان من أسباب قتل عثمان فی ما بعد ( ۲ ) .
ومع أن مروان ملعون على لسان رسول الله ، ومع أن الرسول قد حذر منه ومن أبیه بالذات ومن ذریتهم ومن بنی أمیه عامه إلا أن مروان قد تدرج بمناصب الدوله حتى تولى الخلافه ولقب ( بأمیر المؤمنین ) والاهم أن أولاده وأحفاده الأساس المتین لحکمهم یوم عهد عملیا بالخلافه لعثمان ، مع علمه بأن عثمان کهف الأمویین الصالح منهم والطالح ، ومع أنه قد سمع تحذیرات الرسول من بنی أمیه ، وتأکیدات الرسول القاطعه ( بأنهم أکثر بطون قریش بغضا لمحمد ولآل محمد ) ( ۳ )
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) قد وثقنا ذلک مرات متعدده فی البحوث السابقه راجع شذرات الذهب لابن عماد ج ۱ ص ۹۹ .
( ۲ ) الإصابه لابن حجر ج ۶ ص ۱۵۷ .
( ۳ ) المستدرک على الصحیحین للحاکم ، وحلیه الأولیاء ، راجع کنز العمال ج ۱۱ ص ۱۶۹ . ( * )
وسمع رسول أیضا وهو یتحدث عن الأمویین وعن رؤیاه لهم وهم ینزون فوق منبره نزو القرده ، وأنهم الشجره الملعونه ( ۱ ) وسمع عمر رسول الله وهو یحذر من الحکم بن العاص وذریته ، ویلعنهم ، کما سمع عمر رسول الله وهو یلعن أبا سفیان ومعاویه ویزید ( ۲ ) ، وکان لعن الرسول لأبی سفیان ویزید ومعاویه مشهورا بین المسلمین ، أنظر إلى قول محمد بن أبی بکر فی رساله لمعاویه ( . . . وأنت اللعین ابن اللعین ، لم تزل أنت وأبوک تبغیان الغوائل لرسول الله . . . ) ومع أن معاویه قد رد على رساله محمد بن أبی بکر ردا بلیغا إلا أنه لم ینف بأنه اللعین ابن اللعین على لسان رسول الله ( ۳ ) . . .
ولما مات عمر بن الخطاب کانت ولایات الدوله وأعمالها ومناصبها العلیا وکافه وظائفها العامه ، غاصه بأصحاب القوه من الفاسقین والمنافقین والفجار الذین استخدمهم الخلیفه عمر لیستعین بقوتهم کما وثقنا قبل قلیل ! ! ! قد توارثوا ملک النبوه ، مع أنه عدو لله ولرسوله ، وقد وصف مروان بن الحکم وضع دوله الخلافه بآخر أیام عثمان وصفا دقیقا حین قال لجموع الصحابه الذین احتشدوا حول دار عثمان مطالبین بالإصلاحات : ( ما شأنکم قد اجتمعتم کأنکم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه ، کل إنسان آخذ بإذن صاحبه إلا من أرید ، جئتم تریدون أن تنزعوا ملکنا من أیدینا ! ! ! ارجعوا إلى منازلکم ، فإنا والله ما نحن بمغلوبین على ما فی أیدینا ) ( ۴ )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) رواه الحاکم فی المستدرک ج ۳ ص ۷۴ وأقره الذهبی وقال ابن کثیر فی البدایه والنهایه رواه الترمذی وابن جریر والحاکم والبیهقی .
( ۲ ) وقعه صفین ص ۲۱۷ و ۲۲۰ وص و ۱۱۸ و ۱۱۹ من وقعه صفین لنصر بن مزاحم ط القاهره ۱۳۸۲ ه ص ۱۰۲ ، ومروج الذهب للمسعودی ط ۱۳۸۵ ج ۳ ص ۱۱ .
( ۳ ) راجع تحذیرات الرسول التی سقناها فی هذا الکتاب تحت عنوان ( الرسول الأعظم یحذر من الخطر الماحق ویکشف قاده التآمر ) وراجع کتابنا الاجتهاد بین الحقائق الشرعیه والمهازل التاریخیه .
( ۴ ) تاریخ الطبری ج ۵ ص ۱۱۰ . ( * )
والخلاصه أن دوله الخلافه قد تحولت إلى ملک أموی خالص ، وأن الأمویین قد غلبوا على کل شئ ، وأن الأکثریه الساحقه من العوام مع بنی أمیه طمعا بنصیب مما هم غالبون علیه ، وأنه لم یبق من الإسلام السیاسی إلا لقب الخلیفه ( أمیر المؤمنین ) وأن الولایات والأعمال والوظائف العلیا والدنیا بالکامل مع بنی أمیه ومن والاهم ، بمعنى أن الدوله بکل مؤسساتها قد جمعت من الناحیه الفعلیه تحت سیطره أعداء الله ورسوله الذین حذر منهم الرسول ! ! وأن الفئه المؤمنه مهمشه بالکامل ، وأقلیه ولیس لها من أمر الدوله أی شئ ! ! ولو تولى الخلافه بعد عثمان أی رجل فی الدنیا غیر الإمام علی بن أبی طالب لما استطاع أن یصمد فی مثل هذه الظروف لأکثر من ساعه واحده ، لأن الملک الأموی خاصه ، وسلطان المنافقین والفاسقین والفجار قد توطد نهائیا ، وألقى أجرانه فی الأرض والنفوس معا ! ! واستقرت ثقافته ثقافه الانحراف فی المجتمع الإسلامی الجدید ! وأصبحت هی الثقافه الرسمیه التی تتبناها الدوله رسمیا وتدخلها فی مناهجها التربویه والتعلیمیه .
هذه نماذج من الطواقم التی قادت أو ساهمت بنقض أول عروه من عرى الإسلام وهی نظام الحکم ، ثم تکاتفت هذه الطواقم ، فنقضت کامل ما تبقى من عرى الإسلام .
والقاسم المشترک بین أفراد هذه الطواقم وجماعاتها ، هو کراهیتها لولایه أو رئاسه آل محمد ، فهی لا تقبل أن یتولى الخلافه أو الرئاسه العامه أی رجل من آل محمد مهما کانت مواصفاته ومؤهلاته ، ثم إن الأکثریه الساحقه من أفراد تلک الطواقم من الحاقدین على الإمام علی بن أبی طالب ، لأن الإمام علیا قد وترهم أثناء حرب الکفر مع الإیمان ، فما ولى الخلفاء والیا أو عاملا أو قائدا أو أمیرا على أی مصر من الأمصار ، أو فی أی عمل من الأعمال إلا وکان حاقدا على الإمام علی ، أو کارها له ، أو موتورا ، أو متصنعا ذلک ! ! لأن دوله الخلافه لم تکن تولی أعمالها إلا لموالین لها ، والکارهین لأعدائها ، والإمام علی وأهل بیت النبوه ومن والاهم یحتلون قائمه أعدائها ! ! !
ولا علم لی أن الخلفاء قد ولوا رجلا واحدا من أهل بیت النبوه أو ممن یوالیهم أی عمل من الأعمال ، أو أسندوا له أیه وظیفه من الوظائف العامه ! ! لقد کان أهل بیت النبوه ومن والاهم مجردین عملیا من کافه حقوقهم السیاسیه ومعزولین رسمیا عزلا تاما ! !
کانت تلک الطواقم غیر مؤهله لقیاده الدعوه ، وغیر مؤهله أیضا لقیاده دوله إسلامیه ، لأنها لا تعرف القرآن الکریم إلا مجملا ، ولا تعرف بیان النبی لهذا القرآن ، أو سنه الرسول فالقسم الأعظم من هذه الطواقم لم یتتلمذ على ید رسول الله ، بل کان یقاوم رسول الله ویحاربه ، وبقی فی الجبهه المعادیه لله ولرسوله وللمؤمنین حتى استسلمت قیاده تلک الجبهه ، واضطرت للتلفظ بالإسلام فأسلم هذا القسم تبعا لإسلام قیاده الشرک فکانوا یرون رسول الله فی المناسبات ، أو عند أسفارهم للمدینه ، أو عند الاجتماعات العارضه ، ثم إنهم لم یقصدوا تعلم أحکام الدین ، وإن قصدوا ذلک فإن المده المحدوده جدا التی قضوها مع الرسول لا تساعدهم على تعلم أحکام الدین فطوال ۲۱ عاما وهم فی معسکر الشرک ، الکافر بالکامل بکل ما کان یقول الرسول ، فلو افترضنا أنهم خلال السنتین المتبقیتین من عصر النبوه قد استمعوا لماما أو أحیانا لما سیقوله الرسول ، لکانت هذه المده غیر کافیه لاستیعاب تجارب وعلوم ودروس ۲۱ عاما قد ضاعت علیهم بعد نقض الترتیبات الإلهیه المتعلقه بنظام الحکم ، أو بمن سیخلف النبی ، وجد هذا الطاقم نفسه مع ذلک النفر من مهاجری بطون قریش الذین قادوا عملیه نقض الترتیبات الإلهیه ، وبعد فتره وجدوا أنفسهم هم القاده الحقیقیون للمجتمع الإسلامی ، فکان من المفترض أن یتولى هذا الطاقم تعلیم المجتمع أحکام الدین ، ولکن هذا الطاقم لا یعرف أحکام الدین المتعلقه بالحکم أو بالاقتصاد أو الاجتماع ، فکیف یعلم الناس أحکام هذا الدین من یجهلها ! !
ثم إن وجود تلک الطواقم نفسها معارض لحکم الدین ، لأن هنالک من هو أولى منها بحکم الأمه لقد کان مؤهلها الوحید هو انضمامها لجبهه الرافضین للترتیبات الإلهیه المتعلقه بنظام الحکم ، ومعاداتها للإمام الشرعی الذی اختاره الله ورسوله ، وولاؤها للقاده الفعلیین الجدد ، وکانت تلک الطواقم فی قراره نفسها تعلم أنها بحکم الغاصبه ، وأنها غیر مؤهله لقیاده مجتمع قانونه الإسلام لأنها لا تعرف ذلک القانون ، فکیف تطبق على المجتمع قانونا لا تعرفه ! ! ثم إنها لو عرفت حکم الإسلام فی أمر من الأمور ، فلن تکون هذه المعرفه لصالحها ، بل ستکون دلیلا على غصب هذه الطواقم حقا لغیرها ! !
ثم إن ذلک النفر من المهاجرین الذین قادوا عملیه نقض أول عروه من عرى الإسلام ، لم یتم تأهیلهم تأهیلا شرعیا لرئاسه الأمه لأن الله ورسوله قد أهلا الرؤساء الشرعیین ، وذلک النفر لیس منهم فکانوا یجهلون القرآن الکریم ، ولا یعرفون إلا مجمله ، وکانوا یجهلون سنه الرسول أو بیانه لهذا القرآن ولا یعرفون إلا القلیل منها ، ثم إن هذا القلیل الذین یعرفونه یتحول إلى إثبات ضدهم باعتبارهم قد غصبوا ما لیس لهم ، فکانوا مضطرین لتجاهل معرفتهم لهذا القلیل أو إنکار صله هذا القلیل بالله وبرسوله ! !
خذ على سبیل المثال عمر بن الخطاب ، وهو قائد ذلک الفریق ومنظره ، فإنه لم یکن یعلم أن آیه ( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ . . . ) هی آیه فی کتاب الله لذلک سأل أبا بکر قائلا : ( هذا فی کتاب الله ؟ فقال له أبو بکر نعم ، فسکت عمر ) ( ۱ ) واعترف بنفسه بأن الجمیع أفقه منه ، وأن العامه وحتى النساء یعرفون أکثر مما یعرف ، وللتغطیه على هذا ، فقد کان یعاقب کل مسلم یسأله أو یسأل ولاته أسئله دینیه لا یعرفون جوابها ! !
ــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الطبقات لابن سعد ج ۲ ف ۲ ص ۵۴ ، وتاریخ الطبری ج ۱ ص ۱۸۱۷ – ۱۸۱۸ ، وابن کثیر ج ۵ ص ۲۴۳ ، والسیره الحلبیه ج ۳ ص ۳۹۲ ، وابن ماجه الحدیث ۱۶۲۷ . ( * )
فکان یضرب السائلین من المسلمین حتى یشرفوا على الموت ! ! ثم یأمر بعزلهم عن الناس ، وعدم مجالستهم ! ! فسؤال المسلم عن معانی آیات فی القرآن الکریم ، مثل آیه : ( الْجَوَارِ الْکُنَّسِ ) أو ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ) أو ( وَفَاکِهَهً وَأَبًّا ) . . . تعتبر جرائم کبرى . . . ( ۱ ) .
وعندما لم یتمکن الخلیفه من معاقبه السائل عن أمور لا یعرفها بسبب الظروف عندئذ یهز العصا فی وجه السائل ثم یقول له : ( هذا تکلف ! ! فما علیک إذا لم تعرف الجواب ! ! ما ستخسر إن لم تعرف جواب هذا السؤال . ( قرأ عمر على المنبر آیه ( وَفَاکِهَهً وَأَبًّا ) فسأله رجل من المسلمین عن معنى الأب ، فنفض عمر عصا کانت فی یده ثم قال : ( هذا لعمر الله هو التکلف فما علیک أن لا تدری ما الأب ! ؟ اتبعوا ما بین لکم هداه من الکتاب فاعملوا به ، وما لم تعرفوه فکلوه إلى ربه ) ( ۲ ) .
وفی روایه أخرى أن عمر قد قال للسائل أو للسائلین : ( دعونا من هذا آمنا به کل من عند ربنا ) ( ۳ ) .
ویبدو أن عمر قد ضمرها لمن سأله أو سألوه عن معنى هذه الآیه وهو على المنبر ، ذات یوم هم بمعاقبتهم روى السیوطی : أن رجلا سأل عمر عن قوله : ( وَفَاکِهَهً وَأَبًّا ) فلما رآهم یقولون أقبل علیهم بالدره ( ۴ ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع سنن الدارمی ج ۱ ص ۵۴ ، وکنز العمال ج ۲ ص ۳۳۱ وج ۱۱ ص ۲۹۶ ، والدر المنثور ج ۲ ص ۷ وج ۳ ص ۱۶۱ وج ۶ ص ۱۱۱ ، وإکمال الدین ج ۵ ص ۲۲۱ وج ۶ ص ۲۰۶ ، وتدوین القرآن لأبی محمد الشیخ علی الکورانی ص ۲۰۹ وما فوق ، لتقف على قضیه ضبیع التمیمی وما لحقه من ظلم وما أصابه من عذاب نتیجه ارتکابه لبعض هذه الجرائم .
( ۲ ) السیوطی فی الدر المنثور ج ۶ ص ۳۱۷ ، وتدوین القرآن ص ۲۲۵ .
( ۳ ) المستدرک للحاکم ج ۲ ص ۳۹۰ ، وتدوین القرآن ص ۲۲۵ .
( ۴ ) الدر المنثور للسیوطی ج ۶ ص ۳۱۷ . ( * ) .
والخلاصه أن ذلک النفر من المهاجرین الذی قاد عملیه نقض أول عروه من عرى الإسلام وهی نظام الحکم ، ثم استلم الخلافه بالقوه والتغلب لم یکن محیطا بالقرآن ، ولا ببیان النبی لهذا القرآن ، ولا محیطا بسنه الرسول لأن أی واحد منهم لم یؤهله الله ولا رسوله للرئاسه العامه ، ولم یعده لها فکان من الطبیعی بأن لا یتمکن أی واحد منهم من القیام بأعباء ومسؤولیات ومهام الرئاسه العامه قیاما شرعیا ، کذلک فإن الطواقم التی استعان بها ذلک النفر کانت إما من حدیثی العهد بالإسلام ، أو من أعداء الله ورسوله السابقین وهم بالضروره یجهلون أحکام الإسلام ویجهلون أو یتجاهلون تاریخ الإسلام المجید . فکان من الطبیعی أن لا یتمکن ذلک النفر ولا تلک الطواقم من تطبیق الإسلام ، لأنهم لا یحیطون به ! !
وکان من الطبیعی أیضا أن یفشل ذلک النفر بقیاده دوله الإسلام ودعوته قیاده شرعیه ، وکان من الطبیعی أن تحل عرى الإسلام کلها بهذا المناخ عروه بعد عروه ، بقصد أو بدون قصد ، وکان من الطبیعی أن تنتشر الجهاله فی الإسلام الحقیقی وبتاریخه المجید ، وأن تسود ثقافه الانحراف المقصود أو غیر المقصود فکیف نطلب من معاویه مثلا أن یطبق أحکام الإسلام فی بلاد الشام وأن یعرف أهل الشام بالإسلام وتاریخه ، ومعاویه نفسه لا یعرف هذه الأحکام ولیس من مصلحته ، ولا من مصلحه ولایته ولا من مصلحه الدوله التی یمثلها أن یفهم أهل الشام تاریخ الإسلام الحقیقی ، فلو عرف أهل الشام أن معاویه وأبوه وأخوه وأقاربه هم الذین قادوا جبهه الشرک ضد رسول الله قبل الهجره ، وحاربوه بعد الهجره ، وألبوا العرب علیه ، ولم یلقوا السلاح حتى اضطرهم رسول الله إلى الاستسلام ، هنالک تلفظوا بکلمه الإسلام ، لو عرف أهل الشام ذلک لطردوا معاویه ، ولما قبلوا بولایته ، لذلک صار من مصلحه معاویه ومن مصلحه الدوله التی یمثلها معاویه أن یجهل أهل الشام تاریخ الإسلام ، وتاریخ بنائه، وأن یجهلوا أحکامه .
– تساءل أحدهم : ابن من أبو تراب هذا الذی یلعنه الإمام معاویه على المنبر ، فأجابه أحد السامعین من أهل الشام ( أراه لصا من لصوص الفتن ) ! !
– روى المسعودی قال : کنا نقعد نتناظر فی أبی بکر وعمر وعلی ومعاویه ونذکر ما یذکره أهل العلم ، وکان قوم من العامه یأتون فیستمعون .
منا ، فقال لی ذات یوم أحدهم ، وکان من أعقلهم وأکبرهم لحیه : کم تطنبون فی علی ومعاویه وفلان وفلان ؟ قلت : ما تقول أنت فی ذلک ؟ قال : من ترید ؟ قلت : علی ما تقول فیه ؟ فقال : ألیس هو أبو فاطمه ؟ قلت : ومن کانت فاطمه ؟ قال : امرأه النبی ابنه عائشه أخت معاویه ، قلت : فما کانت قصه علی ؟ قال : قتل فی غزوه حنین مع النبی ( ۱ )
لقد صلى معاویه الجمعه بأهل الشام یوم الأربعاء ! ! وقال لأهل الشام أن علی بن أبی طالب هو الذی قتل عمار بن یاسر ! ! وعلمهم أن لعن علی بن أبی طالب سنه وعباده یجب أن ینشأ علیها الصغیر ویهلک علیها الکبیر ( ۲ )
وصدقه أهل الشام وهم یعتقدون أن هذا هو الإسلام ! ! ، کان المسلمون یصلون فی صلاتهم على محمد وآل محمد فی الوقت نفسه الذی کانوا فیه یسبون ویلعنون عمید آل محمد ! !
إنها ثقافه الانحراف التی جاءت کنتیجه حتمیه وطبیعیه لحل أول عروه من عرى الإسلام وهی نظام الحکم ، ثم تداعت الأمور وانجلت تبعا لها کافه عرى الإسلام عروه بعد عروه .
ــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع مروج الذهب للمسعودی ج ۳ ص ۳۹ – ۴۱ ، وکتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۷۸ .
( ۲ ) راجع أمر معاویه لأهل الشام وسکان مملکته بضروره شتم الإمام ولعنه فی صحیح مسلم ج ۲ ص ۳۶۰ ، وصحیح الترمذی ج ۵ ص ۳۰۱ – ۳۸۰ ، والمستدرک للحاکم ج ۳ ص ۱۰۹ ، وکتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۶۷ . ( * )