لماذا تنسب الشیعه الأئمه إلى رسول الله (ص)
یُعتبر هذا الموضوع من جمله المواضیع التی تکرر التساؤل عنها على مدى القرون و الأعصار ، و لقد أجاب عنه العلماء الأعلام بإجابات مختلفه حسب مقتضى الحال ، لکن أفضل إجابه على هذا السؤال هو ما أجاب به الإمام موسى بن جعفر الکاظم ( علیه السَّلام ) حینما طرح علیه هارون العباسی هذا السؤال ، فکانت الإجابه منه ( علیه السَّلام ) على شکل حوار جرى بینهما کالتالی :
استدلال الامام الکاظم ( علیه السلام ) :
قال هارون العباسی للإمام موسى بن جعفر الکاظم ( علیه السَّلام ) : لِمَ جوّزتم للعامّه و الخاصه أن ینسبوکم إلى رسول الله ( صلَّى الله علیه و آله ) و یقولوا لکم : یا بَنی رسول الله ! و أنتم بَنو علی ، و إنّما یُنسب المرء إلى أبیه ، و فاطمه إنّما هی وعاء ، و النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) جدّکم من قِبَل اُمّکم ؟ .
فقال الکاظم ( علیه السَّلام ) : " یا أمیر المؤمنین ! لو أنَّ النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) نشر فخطب إلیک کریمتک هل کنت تُجیبه " ؟
فقال هارون : سبحان الله ! و لم لا اُجیبه بل أفتخر على العرب و العجم و قریش بذلک .
قال الکاظم ( علیه السَّلام ) : " لکنّه لا یخطب إلیَّ و لا أُزوجه " .
فقال هارون : و لم ؟
قال الکاظم ( علیه السَّلام ) : " لأنّه ولدنی و لم یلدک " .
فقال هارون : أحسنت یا موسى !
ثم قال هارون : کیف قلتم إنّا ذرّیه النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) و النبی لم یعقب ، و إنّما العقب للذکر لا للأنثى ، و أنت ولد الإبنه و لا یکون لها عقب له .
قال ( علیه السَّلام ) : " أسألک بحق القرابه و القبر و من فیه ، إلاّ أعفیتنی عن هذه المسأله " .
فقال هارون : لا ، أو تخبرنی بحجّتکم فیه یا ولد علی ! و أنت یا موسى یعسوبهم و إمام زمانهم ، کذا اُنهیَ إلیَّ ، و لست أعفیک فی کل ما أسألک عنه حتى تأتینی فیه بحجّه من کتاب الله ، و أنتم تدّعون معشر ولد علیّ أنّه لا یسقط عنکم منه شیء ألف و لا و او إلاّ تأویله عندکم ، و احتججتم بقوله عَزَّ و جَلَّ : ﴿ … مَّا فَرَّطْنَا فِی الکِتَابِ مِن شَیْءٍ … ﴾ [۱] و استغنیتم عن رأی العلماء و قیاسهم .
فقال الکاظم ( علیه السَّلام ) : " تأذن لی فی الجواب " ؟
قال هارون : هات .
قال ( علیه السَّلام ) : " أعوذ بالله من الشیطان الرجیم بسم الله الرحمن الرحیم ﴿ … وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ ﴾ [۲] ، ﴿ وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى وَإِلْیَاسَ کُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِینَ ﴾ [۳] ، من أبو عیسى یا أمیر المؤمنین ؟
فقال هارون : لیس لعیسى أب .
قال الکاظم ( علیه السَّلام ) : " إنّما ألحقناه بذراری الأنبیاء ( علیهم السَّلام ) من طریق مریم ( علیها السَّلام ) ، و کذلک اُلحقنا بذراری النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) من قبل اُمِّنا فاطمه ( علیها السَّلام ) ، أزیدک یا أمیر المؤمنین " ؟
قال هارون : هات .
قال ( علیه السَّلام ) : قول الله عَزَّ و جَلَّ : ﴿ فَمَنْ حَآجَّکَ فِیهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءکُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءکُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَهَ اللّهِ عَلَى الْکَاذِبِینَ ﴾ [۴] و لم یَدَّع أحد أنّه أدخل النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) تحت الکساء ـ و ـ عند مباهله النصارى إلاّ علی بن أبی طالب ، و فاطمه ، و الحسن و الحسین ، فأبناءنا الحسن و الحسین ، و نساءنا فاطمه ، و أنفسنا علیّ بن أبی طالب ( علیهم السَّلام ) ، على أنّ العلماء فد أجمعوا على أنّ جبرئیل قال یوم اُحد : یا محمد ! إنَّ هذه لهی المواساه من علی قال : لأنّه منی و أنا منه .
فقال جبرئیل : " و أنا منکما یا رسول الله " ثمّ قال :
لا سیف إلاّ ذو الفقار * و لا فتى إلاّ علی
فکان ـ أی علی ( علیه السَّلام ) ـ کما مدح الله عَزَّ و جَلَّ به خلیله ( علیه السَّلام ) إذ یقول : ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى یَذْکُرُهُمْ یُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِیمُ ﴾ [۵] .
إنّا نفتخر بقول جبرئیل أنّه منّا " .
فقال هارون : أحسنت یا موسى ! ارفع إلینا حوائجک [۶] .
مناظره یحیى بن یعمر مع الحجاج بهذا الخصوص :
قال الشعبی : کنت بواسط [۷] ، و کان یوم أضحى ، فحضرت صلاه العید مع الحجاج ، فخطب خطبهً بلیغه ، فلما انصرف جاءنی رسوله فأتیته ، فوجدته جالساً مستوفزاً ، قال : یا شعبی هذا یوم أضحى ، و قد أردت أن أضحِّی برجل من أهل العراق ، و أحببت أن تسمع قوله ، فتعلم أنی قد أصبت الرأی فیما أفعل به .
فقلت : أیها الأمیر ، لو ترى أن تستن بسنه رسول الله ( صلى الله علیه و آله ) ، و تضحی بما أمر أن یضحی به ، و تفعل فعله ، و تدع ما أردت أن تفعله به فی هذا الیوم العظیم إلى غیره .
فقال : یا شعبی ، إنک إذا سمعت ما یقول صوبت رأیی فیه ، لکذبه على الله و على رسوله ، و إدخاله الشبهه فی الإسلام .
قلت : أفیرى الأمیر أن یعفینی من ذلک ؟
قال : لا بدّ منه .
ثم أمر بنطع فبسط ، و بالسیّاف فأُحضر .
و قال : أحضروا الشیخ ، فأتوه به ، فإذا هو یحیى بن یعمر [۸] ، فأغممت غماً شدیداً ، فقلت فی نفسی : و أی شیء یقوله یحیى مما یوجب قتله ؟
فقال له الحجاج : أنت تزعم أنک زعیم أهل العراق ؟
قال یحیى : أنا فقیه من فقهاء أهل العراق .
قال : فمن أی فقهک زعمت أن الحسن و الحسین ( علیهما السَّلام ) من ذریه رسول الله ( صلى الله علیه و آله ) .
قال : ما أنا زاعم ذلک ، بل قائل بحق .
قال : و بأی حق قلت ؟
قال : بکتاب الله عز و جل .
فنظر إلیَّ الحجاج ، و قال : اسمع ما یقول ، فإن هذا مما لم أکن سمعته عنه ، أتعرف أنت فی کتاب الله عز و جل أن الحسن و الحسین من ذریه محمّد رسول الله ( صلى الله علیه و آله ) ؟
فجعلت أفکر فی ذلک ، فلم أجد فی القرآن شیئاً یدل على ذلک .
و فکر الحجاج ملیاً ثم قال لیحیى : لعلک ترید قول الله عز وجل : ﴿ فَمَنْ حَآجَّکَ فِیهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءکُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءکُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَهَ اللّهِ عَلَى الْکَاذِبِینَ ﴾ [۹] و أن رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) خرج للمباهله و معه علی و فاطمه و الحسن و الحسین ( علیهم السَّلام ) .
قال الشعبی : فکأنما أهدى لقلبی سروراً ، و قلت فی نفسی : قد خلص یحیى ، و کان الحجاج حافظاً للقرآن .
فقال له یحیى : والله ، إنها لحجه فی ذلک بلیغه ، و لکن لیس منها أحتج لما قلت .
فاصفرَّ وجه الحجاج ، و أطرق ملیاً ثم رفع رأسه إلى یحیى و قال : إن جئت من کتاب الله بغیرها فی ذلک ، فلک عشره آلاف درهم ، و إن لم تأت بها فأنا فی حلٍ من دمک .
قال : نعم .
قال الشعبی : فغمَّنی قوله ، فقلت : أما کان فی الذی نزع به الحجاج ما یحتج به یحیى و یرضیه بأنه قد عرفه و سبقه إلیه ، و یتخلص منه حتى رد علیه و أفحمه ، فإن جاءه بعد هذا بشیء لم آمن أن یدخل علیه فیه من القول ما یبطل حجته لئلا یدعی أنه قد علم ما جهله هو .
فقال یحیى للحجاج : قول الله عزّ وجلّ : ﴿ … وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَیْمَانَ … ﴾ [۱۰] من عنى بذلک ؟
قال الحجاج : إبراهیم ( علیه السَّلام ) .
قال : فداود و سلیمان من ذریته ؟
قال : نعم .
قال یحیى : و من نص الله علیه بعد هذا أنه من ذریته ؟
فقرأ یحیى : ﴿ … وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ ﴾ [۱۱]
قال یحیى : و من ؟
قال : ﴿ وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى … ﴾ [۱۲]
قال یحیى : و من أین کان عیسى من ذریه إبراهیم ( علیه السَّلام ) ، و لا أب له ؟
قال : مِن قِبَل أُمّه مریم ( علیهما السلام ) .
قال یحیى : فمن أقرب : مریم من إبراهیم ( علیه السَّلام ) ، أم فاطمه ( علیها السلام ) من محمّد ( صلى الله علیه و آله ) ؟
قال الشعبی : فکأنّما ألقمه حجراً .
فقال : أطلقوه قبَّحَه الله ، و ادفعوا إلیه عشره آلاف درهم لا بارک الله فیها .
ثمّ أقبل علیَّ فقال : قد کان رأیک صواباً و لکنّا أبیناه ، و دعا بجزور فنحره و قام فدعا بالطعام فأکل و أکلنا معه ، و ما تکلّم بکلمه حتى افترقنا و لم یزل ممّا احتجّ به یحیى بن یعمر واجماً [۱۳] .
الحسن و الحسین ابنای :
و الکلام الفصل فی هذا الموضوع هو قول رسول الله ( صلى الله علیه و آله ) ، فقد رَوى سلمان ( رضی الله عنه ) ، قال :
سمعت رسول الله صلى الله علیه ( و آله ) و سلم یقول : الحسن و الحسین ابنای ، من أحبهما أحبَّنی ، و من أحبنی أحبه الله ، و من أحبه الله أدخله الجنه ، و من أبغضهما أبغضنی ، و من أبغضنی أبغضه الله ، و من أبغضه الله أدخله النار .
قال : هذا الحدیث صحیح على شرط الشیخین [۱۴] .
ـــــــــــــــــــــــ
[۱] القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۳۸ ، الصفحه : ۱۳۲ .
[۲] القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۸۴ ، الصفحه : ۱۳۸ .
[۳] القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۸۵ ، الصفحه : ۱۳۸ .
[۴] القران الکریم : سوره آل عمران ( ۳ ) ، الآیه : ۶۱ ، الصفحه : ۵۷ .
[۵] القران الکریم : سوره الأنبیاء ( ۲۱ ) ، الآیه : ۶۰ ، الصفحه : ۳۲۷ .
[۶] بحار الأنوار ( الجامعه لدرر أخبار الأئمه الأطهار ( علیهم السلام ) ) : ۴۸ / ۱۲۹ ، للعلامه الشیخ محمد باقر المجلسی ، المولود بإصفهان سنه : ۱۰۳۷ ، و المتوفى بها سنه : ۱۱۱۰ هجریه ، طبعه مؤسسه الوفاء ، بیروت / لبنان ، سنه : ۱۴۱۴ هجریه .
[۷] واسط : مدینه بناها الحجاج فی العراق عام ۸۳ / ۸۴ هجری ، و سمیت واسطاً لتوسطها بین البصره و الکوفه و الأهواز و بغداد ، فإن بینها و بین کل واحده من هذه المدن مقداراً واحداً و هو خمسون فرسخاً . التنبیه و الأشراف : ۳۱۱ ، وفیات الأعیان لابن خلکان : ۲/ ۵۰ .
[۸] هو أبو سلیمان یحیى بن یعمر العامری البصری ، ولد فی البصره ، و هو أحد قرّائها و فقهائها ، کان عالماً بالقرآن الکریم و الفقه و الحدیث و النحو و لغات العرب ، و کان من أوعیه العلم وحمله الحجه ، أخذ النحو عن أبی الأسود الدوئلی ، و حدَّث عن أبی ذر الغفاری ، و عمّار بن یاسر ، و ابن عبّاس و غیرهم ، کما حدث عنه جماعه أیضاً ، و کان من الشیعه الأولى القائلین بتفضیل أهل البیت – صلوات الله و سلامه علیهم – ، و قیل هو أول من نقّط القرآن قبل أن توجد تشکیل الکتابه بمده طویله ، و کان ینطق بالعربیه المحضه و اللغه الفصحى طبیعه فیه غیر متکلّف ، طلبه الحجّاج من والی خراسان قتیبه مسلم فجیء به إلیه ، لأّنه یقول أن الحسن و الحسین ( علیهما السلام ) ذریّه رسول الله ، و قد أذهل الحجّاج بصراحته و جرأته فی إقامه الحق و إزهاق الباطل حتى نصره الله علیه ، کما نفاه الحجاج فی سنه ۹۴ هجریه لأنّه قال له : هل ألحَنْ ؟ فقال : تلحن لحناً خفیاً . فقال : أجلتک ثلاثاً ، فإن وجدتک بعدُ بأرض العراق قتلتک ؟
فخرج ، و أخباره و نوادره کثیره ، توفی – رحمه الله علیه – سنه ۱۲۹ هجریه .
[۹] القران الکریم : سوره آل عمران ( ۳ ) ، الآیه : ۶۱ ، الصفحه : ۵۷ .
[۱۰] القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۸۴ ، الصفحه : ۱۳۸ .
[۱۱] القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۸۴ ، الصفحه : ۱۳۸ .
[۱۲] القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۸۵ ، الصفحه : ۱۳۸ .
[۱۳] کنز الفوائد للکراجکی : ۱ / ۳۵۷ – 360 ، بحار الأنوار للمجلسی : ۱۰ / ۱۴۷ – 149 ، حدیث ۱ ، و۲۵ /۲۴۳- ۲۴۶ ، حدیث ۲۶ ، وفیات الأعیان لابن خلکان : ۶ / ۱۷۴ ، العقد الفرید للأندلسی : ۲ / ۴۸ – 49 ، و۵ / ۲۸۱ ، بتفاوت . نقلاً عن مناظرات فی العقائد و الأحکام ، الجزءُ الأول ، تألیف و تحقیق : الشیخ عبد الله الحسن ، ۲۵۵ – 259 .
[۱۴] مستدرک الصحیحین : ۳ / ۱۶۶ .