الالتزام والکبت
لکنْ، لوحظ فی السنوات الأخیره، ونتیجه لظروف ضاغطه وإعلام موجَّه، أنَّ (الالتزام) أصبح تهمه تعصُّب وتزمُّت… بل رُبَّما تحجُّر وانغلاق! فالمرأه الحریصه على ستر ما بین ذقنها ورقبته، أو ما فوق المعصمین من یدیها، أو الَّتی لا تُظهر أمام الأجنبی قدمیه… هذه المرأه تُتَّهم بالتحجر والتعصُّب مع أنَّها لا تفعل شیئاً فوق تطبیقها للحکم الشرعی. کذلک الشابه التی تلتفت إلى طریقه ثیابها فی اللون والشکل أو إلى طریقه حدیثها أو مشیته… أمَّا الرجل المحتاط فی النظر أو الاختلاط أو فی بعض المظاهر الإسلامیه… فهو متَّهم أیضاً. کذلک العالِم أو الفقیه المتحرِّج فی خوض الشُّبهات أو المتوقف عند (الإنزلاقات) التی یریدها الناس، والمبتعد عن التساهل، الحریص على عدم إعطاء المبرِّرات التی تُشجِّع على الانحراف، المؤکِّد على الثوابت والضوابط، الذی لا ینساق للأجواء المحیطه… هذا العالِم یوصف بالتعصُّب وعدم مواکبه العصر ومجاراه المجتمع… مع العلم أنَّ: (وَلَـکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ یُؤْمِنُونَ) . فی هذا الخضمّ ظهرت نظریه تُبرِّر (الإجازه والتسامح والتساهل) تحت عنوان أنَّ الحرص أو الجهر أو الدعوه للدقه الشرعیه، ودعوه الآخرین إلیه، هی نوع من (الکبت)! وکأنَّ (الکبت) (وهو مصطلح یُستعمل فی غیر محله تماماً) أصبح مشجباً تُعلَّق علیه کافه الدعوات التی ترید (التفلّت) من الحکم الشرعی. فانحراف بعض الفتیات الذین نشأوا فی بیئه متدیِّنه (ترید تبریر الانحراف الحاصل)، هو بسبب الکبت! والتجاوزات الحاصله من بعض مَنْ تربى فی مدارس (إسلامیه) هی أیضاً بسبب (الکبت) ! والأخطاء التی تقع فی بعض الفئات العمریه الغضَّه، سببها (الکبت) ! مع أنَّ المسأله ببساطه: هی سُنَّه الله عزَّ وجلَّ فی خلقه، فیمن یلتزم أو لا یلتزم، فیمن یُؤمن أو یکفر، فیمن یهتدی أو ینحرف… وهذا حصل فی بیوت أنبیاء الله (علیهم السّلام)… ولا داعی لاصطناع تبریر أو اختراع معاذیر. فکم من طیِّبین ملتزمین خرجوا من بیئه منحرفه فاسده، والعکس واقع أیضاً… ولا یضمن أحدٌ أحد. (قُل لاَّ یَسْتَوِی الْخَبِیثُ وَالطَّیِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَکَ کَثْرَهُ الْخَبِیثِ). هل کُلّ منعٍ کبت؟! المعلوم أنَّ الشریعه المقدَّسه للنَّبی الخاتم (صلى الله علیه وآله) مبنیَّه على الإجازه والمنع، والحلال والحرام، وفیما یجوز وما لا یجوز. تمام، کسائر الشرائع والقوانین القدیمه والحدیثه، المهجوره والسائده، بما فیها الوضعیه منه. فالحلال، حلالٌ وکفى، من دون تصنُّع أسباب… والحرام، حرام وکفى، من دون التفتیش عن المبرِّرات والدلائل والبراهین التی یُفترض أنَّها لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر فی التطبیق والتسلیم. وهذا النهج هو الذی أراده الله عزَّ وجلَّ لعباده الصالحین فی اتِّباع الغیب، کما فی التسلیم. :(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا یُوعَظُونَ بِهِ لَکَانَ خَیْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِیتاً*وَإِذاً لآتَیْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِیماً*وَلَهَدَیْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِیماً) .وقال سبحانه: ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّکْرَ وَخَشِیَ الرَّحْمَن بِالْغَیْبِ). فالمنع، من منطلق شرعی محض، لا یُعبَّر عنه بالکبت، بل التعبیر عنه کذلک، خطأ وتضلیل، لأنَّه منع (إیجابی) مطلوب، لأنَّه مبنیٌ على أُسس… وأیُّ أسس (إلهیه من المولى عزَّ وجلَّ). فمن الناحیه المسلکیه (فی جهاد النَّفس) أو التربویه، لا مفرَّ من المنع الذی هو أحدُ أعمده التربیه والتزام القوانین. فالکبت (إذا افترضنا حصوله) لیس ناتجاً بالضروره عن المنع، والمنع الناشئ عن خلفیه صحیحه، لا یُؤدِّی بالضروره إلى الکبت، وإن سمَّاه البعض کذلک توهُّماً أو اشتباه… أو تبریراً لتقصیرهم أو فراراً من التهمه! فکم من الآباء أو المسئولین فی مؤسسات تربویه تسرَّعوا فی إرجاع بعض الحالات المنحرفه التی أحرجتهم أو حاصرتهم… بأنَّها نتیجه (الکبت)… وهی لیست کذلک. مَنْ یضمن أولاده أو طلابه؟! إنَّ تصوُّرنا الخاطئ بإمکانیه تربیه أولادنا أو طلابنا أو مَنْ هو فی عهدتن… کما نُحب، بحیث (نُصنِّعُه) کما نرغب أو کما حلمنا بذلک طویل… هو السبب فیما نحن فیه. فکم من (تربویین)، ومنظِّرین ، وأصحاب عناوین بارزه، وأسماءٍ لامعه… لم یصلوا إلى ما طمحوا إلیه فی أولادهم… ولیس هذا بالضروره نتیجه فشلهم أو عیب فیهم…، بل الأمر فوق ذلک بکثیر، وله أسبابه المتشعِّبه. إنَّ المطلوب براءه للذمه، هو صرف الجهد بمنتهى الإخلاص والقربه، والقیام بالواجب دون تقصیر، تحت عناوین الهدایه وبذل العلم (کتم العلم فی الإسلام حرام) والأمر بالمعروف، والنهی عن المنکر،… أمَّا النتائج فلیست بید صاحبه، وهذا من رحمه الله تعالى على عباده، و لولا ذلک، ما خسر تاجر، ولا اختلف شخصان… (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُکَ عَلَیْهِمْ حَسَرَاتٍ). إنَّ المجتمع الذی نعیش فیه لا یُمکن أن یوصف بالکبت على الإطلاق، بعد أن فُرضت علیه هذه الأشکال المختلفه من وسائل الإعلام المُعَوْلم ووسائل الاتصالات العابره لکلّ الخصوصیات، والمختصره للزمن بحیث أنَّ عاداتٍ وقیماً وممارساتٍ ومظاهر لا حصر له، أصبحت بمتناول الجمیع، ولا یقف أمام تطبیقها لا مکان ولا زمان ولا بیئه ولا عرف… إلاَّ تقوى الله عزَّ وجلَّ، والخوف منه. فما الفرق بین الأفلام والمقاهی، والمشروبات واللباس، وقصه الشعر، والجامعات والغناء، وکافه المظاهر والعادات السیِّئه بین بیروت وباریس وهولیوود ولاس فیغاس ومیلانو وسان فرانسیسکو؟! فمَّا یُطبَّق فی هذه الساعه فی تلک البلدان، یُطبَّق الیوم التالی فی سائر البلدان بعدما نقلَتْه الفضائیات… (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). ولا یحدُّ من ذلک إلاَّ الورع، الناتج عن الهیکلیه الأخلاقیه الإسلامیه التی تُلازمه (أو یُفترض) فی حلِّه وترحاله. (لِیَعْلَمَ اللّهُ مَن یَخَافُهُ بِالْغَیْبِ ). الخطأ الکبیر: إنَّ إرجاع إخفاقاتنا، أو تبریرَ ما نَصْبو لفعله، إلى اختراع نظریه (الکبت)… ففضلاً عن أنَّها تُعبِّر عن عدم ثقهٍ بالنَّفس (أی بدیننا)… إلاَّ أنَّ الخطوره العظمى تبقى فی ابتکار سبیل قد لا تتوقَّف عند حدٍ معیَّن، والنَّفس بطبعها تمیل لِمَنْ یُرخِّص لها ویختلق المعاذیر. فَلْنَنْظر حولنا ماذا یجری؟ أین کُنَّ، وأین أصبحن… وأین نکون غدا؟!!!