# نقدراسة الأحاديث المناهضة للثورة في زمن غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
اسماعیل قربانی
نقد ودراسة الأحاديث الناهية عن القيام في زمن غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
الملخّص
الإسلام دين عالمي شامل، يقوم على منظومة دقيقة ومتكاملة من القوانين والتشريعات، وتمتد أحكامه ومعاييره الدينية لتشمل مختلف جوانب حياة الإنسان.
ومن المعلوم أن كثيراً من الأحكام والقوانين الدينية لا يمكن أن تجد طريقها إلى التطبيق والتحقق بصورة كاملة إلا في ظلّ إقامة حكومة عادلة منسجمة مع الموازين الإلهية؛ ومن هنا تُعدّ إقامة الحكومة الدينية من الأهداف والمبادئ المسلّمة التي لا يمكن إنكارها في الإسلام.
وقد جعل الله تعالى مسؤولية إقامة الحكومة في كل عصر على عاتق الإمام المعصوم. ومن هنا ذهب بعضهم، استناداً إلى ظاهر طائفة من الروايات، إلى أنه لا ينبغي في زمن غيبة الإمام المعصوم السعي إلى إقامة الحكومة؛
إذ عدّوا القيام وتشكيل الحكومة من المسؤوليات الخاصة بالإمام المعصوم، واعتقدوا أن أي حكومة تقوم في غيبته ستتحول، بالضرورة، إلى حكومة ظالمة ومنحرفة. وتسعى هذه الدراسة إلى إثبات أن لسان الروايات لا يدلّ على النهي عن القيام فحسب، بل إن بعضها يؤكد ضرورة تحققه في ظلّ توفر الشروط والظروف المناسبة.
المقدمة
تُعدّ الحكومة وحقّ الحاكمية على الناس من أهمّ القضايا النظرية وأكثرها إثارة للجدل. إذ إن تطبيق القوانين الإلهية لا يمكن أن يتحقق بصورة كاملة إلا في إطار حكومة دينية.
وعلى هذا الأساس، جعل الله تعالى هذه المسؤولية في عصر حضور المعصوم على عاتقه، ليقوم بتشكيل الحكومة والإشراف المباشر على مختلف شؤون المجتمع، من أجل تنفيذ هذه القوانين.
ومن هنا يبرز السؤال الأساس: هل ينبغي في زمن غيبة المعصوم ظاهراً، ومع عدم وجود حكومة دينية، التخلي عن تطبيق كثير من الأحكام الدينية؟ وهل إقامة الحكومة واجب ديني، أم أننا منهيون عنها؟ وعلى عاتق من تقع مسؤولية القيادة الخطيرة للأمة في زمن الغيبة؟
لقد كانت هذه الأسئلة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والنقاش. وقبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أدخل بعضهم هذه القضية في المجال السياسي، واتخذوا منها أساساً لمعارضة قيام الشعب وثورته.
وقد استند هؤلاء في تبرير مواقفهم إلى عدد من الروايات التي رأوا أنها تنهى الشيعة عن أي نوع من القيام وتشكيل الحكومة، وتأمرهم بالسكون والصمت.
غير أن جهود العلماء الواعين، قبل انتصار الثورة الإسلامية وبعده، أسهمت في دحض هذا الاعتقاد، والتحق كثير ممن كانوا يتبنونه بصفوف الثورة والمجاهدين.
ومع ذلك، يبدو أن هذه النظرية لا تزال تُطرح في مواجهة الحركات الثورية، ويُعمل على ترويجها. ومن هنا جُمعت في هذه الدراسة مجموعة الأخبار الواردة في النهي عن القيام وجوازه، ثم جرى تحليلها ونقد آراء القائلين بمنع القيام في زمن الغيبة. وفيما يلي نستعرض الروايات التي استُدل بها على النهي عن القيام، ونناقش كل واحدة منها.
الرواية الأولى الناهية عن القيام
رواية مالك بن أعين
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال:
«كل راية تُرفع قبل راية القائم، فصاحبها طاغوت». (النوري، 1408ق، ج11، الباب 12).
وقد رُويت هذه الرواية من طريق آخر أيضاً، فعن أبي بصير، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أنه قال:
«كل راية تُرفع قبل قيام القائم، فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله».
ويرى القائلون بمنع القيام أن هاتين الروايتين تنهَيان صراحةً عن كل حركة أو قيام يهدف إلى إقامة الحكومة، وأن إطلاقهما يشمل جميع أنواع القيام، في أي زمان ومكان، كما تصفان قائد هذه القيامات بالطاغوت.
دراسة سند الرواية
سند الرواية الأولى ضعيف؛ لأن في طريقها الحسن بن علي بن حمزة وأباه علي بن حمزة، وهما من رؤوس الواقفة وقد ضعّفهما علماء الرجال.
ويقول الكشي في رجاله بشأن الحسن بن علي بن حمزة: «محمد بن مسعود يقول: سألت الحسن بن فضال عن يعلى بن أبي حمزة؟ فقال: هو كذاب ملعون، وقد رُوي عنه أحاديث كثيرة، وكتب تفسير القرآن أيضاً، ولكني أستحيي أن أروي عنه شيئاً». (الكشي، 1409ق، ص552).
كما كتب العلامة الحلي (رحمه الله) في كتابه عنه: «واسم أبي حمزة سالم البطائني مولى الأنصار أبو محمد واقف». (رجال الحلي، 1411ق، ص213).
ويذكر الكشي كذلك في رجاله: «الحسن بن علي بن أبي حمزة كذاب غال». (الكشي، 1409ق، ص443).
وقال ابن الغضائري في كتابه: «مولى الأنصار أبو محمد. واقف بن واقف ضعيف في نفسه، وأبوه أوثق منه. وقال علي بن الحسن بن فضال: إني لأستحيي من الله أن أروي عن الحسن بن علي». (الواسطي البغدادي، 1364، ج1، ص51).
وعليه، وكما تقدّم، فإن هذا الحديث لا يمكن قبوله من الناحية السندية.
أما الطريق الثاني، فلا يخلو هو الآخر من الإشكال؛ لوجود «حسين بن مختار» في سنده.
وقد وصفه النجاشي في رجاله بأنه واقفي. (النجاشي، 1416ق، ص54).
كما أن العلامة الحلي ترك العمل برواياته بسبب كونه واقفياً. (الحلي، 1411ق، ص215).
إلا أن آية الله الخوئي، بعد جمع أقوال العلماء في حسين بن مختار، يقول في معجم رجال الحديث: «وعلى كل حال، فهذا الرجل ثقة بلا إشكال». (الخوئي، 1410ق، ج6، ص86-87).
وعليه، وبناءً على رأي آية الله الخوئي في حسين بن مختار، يمكن اعتبار سند هذا الحديث موثوقاً. وقد وردت هذه الرواية في كتاب «الغيبة» للنعماني بأسانيد أخرى أيضاً، إلا أننا نترك بحثها بسبب ما فيها من ضعف سندي.
دراسة دلالة الرواية
أول إشكال يرد على الاستدلال بهذه الروايات هو أنه إذا اعتبرنا جميع القيامات باطلة، فإن ذلك يتعارض مع الروايات التي أيّدت بعض القيامات، كقيام زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، وقيام شهيد فخ، وقيام إدريس بن عبد الله وتشكيله الحكومة، وهي قيامات حظيت بتأييد الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
وفيما يلي نذكر نماذج من الروايات التي تؤيد بعض هذه القيامات:
أ) قيام زيد
زيد هو ابن الإمام السجاد (عليه السلام)، وقد عاش في زمن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، وقام في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) واستُشهد. ونذكر فيما يلي بعض الروايات الواردة في تأييد قيامه.
الرواية الأولى
روى ابن أبي عبدون عن أبيه أنه قال:
«لما جيء بزيد بن موسى بن جعفر، وقد خرج بالبصرة وأحرق دور بني العباس، إلى المأمون… قال له الرضا (عليه السلام): لا تقس أخي زيداً بزيد بن علي؛ فإنه كان من علماء آل محمد، غضب لله عز وجل…».
ثم قال الإمام الرضا (عليه السلام):
«حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد بن علي (عليهم السلام)، قال: رحم الله عمي زيداً؛ فإنه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه».
ثم بعد ذهاب زيد، قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه». (ابن بابويه، 1396ق، ج1، ص248).
الرواية الثانية
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للإمام الحسين (عليه السلام):
«يا حسين، يخرج من صلبك رجل اسمه زيد، هو وأصحابه يوم القيامة يمرون على الناس بوجوه مشرقة، ويدخلون الجنة بغير حساب». (المصدر نفسه، ص249).
وكما يتضح من هاتين الروايتين، فقد ورد الثناء على زيد وقيامه، ولو كان أصل القيام ممنوعاً، لما صدر عن الأئمة هذا الثناء عليه.
ب) قيام شهيد فخ
الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن (عليه السلام) بن علي (عليه السلام)، المعروف بشهيد فخ، هو من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). وقد قام في زمن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، واستُشهد في منطقة قريبة من المدينة تُعرف بفخ. وقد وردت روايات عديدة في مدحه ومدح قيامه، نذكر منها:
روى الإمام الباقر (عليه السلام):
«مرّ النبي (صلى الله عليه وآله) يوماً بأرض فخ، فلما بلغ موضع فخ نزل عن دابته وصلى فيه ركعتين، فلما كان في الركعة الثانية بكى بكاءً شديداً… ثم بيّن النبي سبب بكائه فقال: كنت في الركعة الأولى من الصلاة إذ نزل عليّ جبرئيل وأخبرني: يا محمد، سيُقتل رجل من ولدك في هذا الموضع، وثواب من استشهد معه كأجر شهيدين». (المجلسي، 1403ق، ج48، ص170).
ج) قيام إدريس بن عبد الله
إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى، من أبناء الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وكان من الشخصيات البارزة في قيام شهيد فخ. فقد قاتل إلى جانب شهيد فخ، لكنه لم يُقتل، ثم فرّ إلى أفريقيا، وقام هناك وشكّل حكومة، عُدّت أول حكومة شيعية مستقلة.
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في حقه:
«كان إدريس من شجعان آل محمد، والله ما جاء فينا مثله».
وهذا يدل على أن الأئمة (عليهم السلام) لم يقتصروا على تأييد بعض القيامات التي وقعت في زمانهم، بل وردت عنهم أيضاً روايات تؤيد بعض القيامات التي ستقع في زمن غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، وهذا يتعارض كذلك مع القول بمنع القيام مطلقاً. ونذكر فيما يلي بعض النماذج:
أ) رجل من قم
ورد في الرواية:
«يخرج رجل من قم فيدعو الناس إلى الحق، فيجتمع إليه قوم قلوبهم كقطع الحديد، لا تزلزلهم الرياح العاصفة، ولا يملّون من الحرب، ولا يخافون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين». (المجلسي، 1403ق، ج57، ص216).
ب) قيام اليماني
قال الإمام الباقر (عليه السلام):
«ليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى».
وذلك لأنه يدعو الناس إلى حكومة الإمام المهدي (عليه السلام). وعند خروج اليماني يحرم على الناس وعلى كل مسلم بيع السلاح، فإذا خرج اليماني فاسعوا إليه، فإن رايته راية هدى.
ولا يحلّ لمسلم أن يخالفه، ومن خالفه فهو من أهل النار؛ لأن اليماني يدعو إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. (المجلسي، 1403ق، ج52، ص232).
ج) قيام أهل المشرق
عن أبي خالد الكابلي، عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، أنه قال:
«كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يُعطونه، ثم يطلبونه فلا يُعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر». (المجلسي، 1403ق، ج52، ص243).
هذه نماذج من الروايات التي تؤيد بعض القيامات.
أما الإشكال الثاني على قول القائلين بمنع القيام، فهو أن الإمام الباقر (عليه السلام) قيّد في إحدى الروايات الراية بوصف «راية الضلالة».
ففي هذه الرواية قيّد الإمام (عليه السلام) لفظ «الراية» بالضلال، وبناءً على ذلك يمكن تقييد حديث «كل راية» المطلق بهذا القيد، وهو ما يُعبّر عنه في علم الأصول بحمل المطلق على المقيد.
وعليه يمكن تقسيم القيامات إلى قسمين:
- قيام وراية باطلة وضالة.
- قيام وراية تسير في طريق الحق.
ومن المؤكد أن الأئمة (عليهم السلام) لا ينهون عن الراية التي تسير في طريق الحق.
ومما يؤيد هذا التقسيم رواية الإمام الصادق (عليه السلام)، المعروفة بصحيحة عيص بن القاسم، والتي يقسم فيها الإمام القيامات إلى نوعين. والرواية معتبرة من الناحية السندية.
عن عيص بن القاسم قال: سمعت الإمام الصادق (عليه السلام) يقول:
«عليكم بتقوى الله… فإذا جاءكم رجل منّا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا: خرج زيد؛ فإن زيداً كان عالماً صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (عليهم السلام). ولكن الخارج اليوم ما يدعوكم إليه؟ أإلى الرضا من آل محمد؟ إنّا نشهدكم أنّا لسنا نرضى به، وهو اليوم عاصٍ لنا، فإذا كانت الرايات والألوية خلفه، كان أولى بعدم طاعتنا، إلا من اجتمعت عليه بنو فاطمة…». (الحر العاملي، 1403ق، ج15، ص50؛ المجلسي، 1403ق، ج52، ص302؛ الكليني، 1405ق، ج8، ص264).
وكما يتضح من الرواية، فإن الإمام (عليه السلام) يضع معياراً يتعلق بهدف القيام وقائده؛ فإذا كان القيام بقيادة عالم واعٍ ومتدين، وكان يسير في خط أهل البيت (عليهم السلام)، وكان هدفه منسجماً مع أهدافهم، فإن هذا القيام يكون صحيحاً. أما إذا كان للقيام هدف آخر غير أهداف أهل البيت (عليهم السلام)، فإنه لا يكون مرضياً عندهم.
ومن ذلك قيام محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، ابن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، الذي ادعى المهدوية، وواجه معارضة شديدة من الإمام الصادق (عليه السلام). ولعل الرواية المتقدمة ناظرة إلى هذه الواقعة. (المجلسي، 1403ق، ج47، ص277؛ الكليني، 1405ق، ج1، ص363-367).
وفي نهاية المطاف، نخلص إلى أن هاتين الروايتين اللتين أشرنا إليهما في بداية البحث لا تدلان على النهي عن مطلق القيام.
الرواية الثانية الناهية عن القيام
قال الإمام السجاد (عليه السلام):
«والله لا يخرج واحد منا قبل خروج القائم (عليه السلام)، إلا كان مثله مثل فرخ طائر طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه، فأخذه الصبيان فعبثوا به». (الحر العاملي، 1403ق، ج15، ح19965؛ المجلسي، 1403ق، ج52، ص302).
وقد روى النعماني هذه الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) بطريق آخر، مع اختلاف يسير في اللفظ:
«إن خروج قائمنا أهل البيت مثل خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام قائمنا كمثل فرخ طائر طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه، فيكون لعباً للصبيان». (النعماني، 1379ق، ص199؛ النوري، 1408ق، ج11، ص37).
دراسة سند الرواية
الطريق الأول لهذه الرواية يُعدّ في اصطلاح أهل الحديث مرفوعاً، ولا يمكن الاستناد إليه؛ لأن عدداً من الرواة قد حُذفوا من سند الرواية. ذلك أن ربعياً كان من أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم (عليهما السلام)، ولم يدرك الإمام الباقر (عليه السلام) قطعاً حتى يروي عنه. (النجاشي، 1416ق، ص167؛ الطوسي، 1373، ص205).
أما الطريق الثاني فلا يمكن الاعتماد عليه أيضاً؛ إذ إن عدداً من رجاله مجهولون أو مهملون، مثل أحمد بن علي الجعفي، ومحمد بن المثنى الحضرمي، وعثمان بن زيد الجهني. (الخوئي، 1410ق، ج2، ص168).
وثانياً، فإن جعفر بن محمد بن مالك، المعروف بجعفر بن محمد الفزاري، قد ضعّفه النجاشي صراحة، ووصفه بأنه «ضعيف الحديث وفاسد المذهب». (النجاشي، 1416ق، ص122).
وقال ابن الغضائري في وصفه إنه كذاب، وأن جميع أحاديثه متروكة وغير معتمدة، وأن في عقيدته غلواً، وأنه يروي عن الضعفاء والمجاهيل، وقد اجتمعت فيه جميع عيوب الضعفاء. (الواسطي البغدادي، 1364، ص48).
وعليه، فإن هذا الطريق أيضاً محل إشكال ولا يمكن الاعتماد عليه.
دراسة دلالة الحديث
استُدل بهذين الحديثين على أن القيام من أجل إقامة الحكومة الإسلامية باطل ولا ثمرة له، وأنه لا يؤدي إلا إلى زيادة المشكلات. غير أن الاستدلال بهما على ذلك مردود من جهات:
أولاً: لا يوجد في هذين الحديثين ما يدل صراحة على نفي جواز القيام، وإنما غاية ما يُفهم منهما أن القيام ـ في بعض الحالات ـ لن يحقق النجاح. وكما سبق في ذيل الرواية الأولى الناهية عن القيام، فإن حمل هذه الروايات على نفي الجواز يؤدي إلى التعارض مع قيام الإمام الحسين (عليه السلام)، وزيد بن علي، وشهيد فخ وأمثالهم، ممن حظيت قياماتهم بتأييد الأئمة (عليهم السلام).
ثانياً: العلم بعدم تحقق النجاح في أمر ما لا يستلزم سقوط التكليف به، ولا سيما في قضية القيام.
ويمكن أن نضرب لذلك مثلاً بقيام الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان يعلم بشهادته وشهادة أصحابه، ومع ذلك قام. وكذلك في حرب صفين، شاع أن معاوية قد مات، ففرح الناس بهذا الخبر، لكن الإمام (عليه السلام) قال أمام فرحهم:
«والذي نفسي بيده، لن يهلك معاوية حتى يجتمع الناس عليه».
فسألوه: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تقاتله؟ فقال:
«أريد أن أعذر فيما بيني وبين ربي». (المجلسي، 1403ق، ج41، ص299).
وكما يتضح من هذه الرواية، فقد كان العلم بعدم تحقق النصر موجوداً، ومع ذلك كان القيام في مواجهة الظلم واجباً.
وقد تكون لبعض القيامات التي تنتهي بالهزيمة آثار إيجابية عظيمة؛ ومن أبرز الأمثلة قيام الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي أسهم في إيقاظ الأمة ومهّد لانهيار حكم بني أمية.
ثالثاً: يحتمل أن يكون المقصود من تعبير «منا أهل البيت» و«أحد منا» الوارد في الرواية هو خصوص أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم؛ أي إنهم، في مواجهة الطلبات المتكررة التي كان الناس وأصحابهم يوجهونها إليهم من أجل القيام، كانوا يخبرونهم بحقيقة غيبية مفادها أن قيامهم سيؤدي إلى الهزيمة، وأن الذي سيحقق النصر النهائي هو الإمام المهدي (عليه السلام).
ومما يؤيد هذا الفهم قيام الشعب الإيراني وانتصار ثورته بقيادة أحد أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكذلك قيام الفاطميين في مصر. (الكليني، 1405ق، ج8، ص264؛ المجلسي، 1403ق، ج52، ص303؛ الحر العاملي، 1403ق، ج15، ح19966).
وعليه، حتى لو تجاوزنا ضعف سند هاتين الروايتين، فلا نجد فيهما دلالة على النهي عن القيام وتشكيل الحكومة في زمن غيبة الإمام المهدي (عليه السلام).
الرواية الثالثة الناهية عن القيام
قال الإمام الصادق (عليه السلام) مخاطباً أحد أصحابه، وهو سدير:
«يا سدير، اجلس في بيتك وكن حِلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج، فائتنا ولو على رجلك». (الكليني، 1405ق، ج8، ص264؛ المجلسي، 1403ق، ج52، ص303؛ الحر العاملي، 1403ق، ج15، ح19966).
سند الرواية
سند هذا الحديث لا يخلو، كسائر الأحاديث السابقة، من الإشكال؛ إذ يرد فيه عثمان بن عيسى العامري الكوفي الكلابي، وقد اختلفت أقوال العلماء فيه.
فقد كتب الشيخ الطوسي في رجاله:
«عثمان بن عيسى العامري واقفي المذهب». (الطوسي، 1373، ص346).
وقال أيضاً:
«واقفي له كتاب». (الطوسي، 1373، ص348).
وذكر النجاشي في رجاله أنه كان من كبار الواقفة وأوجههم، وأنه كان أحد الوكلاء الذين استولوا على أموال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ولم يسلموها إلى الإمام الرضا (عليه السلام). (النجاشي، 1416ق، ص300).
وقال الكشي في رجاله، نقلاً عن نصر بن الصباح، إنه كان واقفياً ووكيلاً للإمام الكاظم (عليه السلام)، وكانت في يده أموال للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فلم يدفعها إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، فغضب عليه الإمام الرضا، ثم تاب وردّ المال. (الكشي، 1409ق، ج1، ص597).
غير أن المرحوم الخوئي، وبعد دراسة هذه الأقوال، يرى خلاف ذلك، ويقول:
«لا شك في أنه كان منحرفاً عن الحق، وكان معادياً للإمام الرضا، ولم يكن معترفاً بإمامته، واستحل أموال الإمام لنفسه ولم يدفعها إليه، إلا أن توبته وردّه المال غير ثابت؛ لأن الرواية الواردة في ذلك ضعيفة. ومع ذلك، فقد شهد بوثاقته ابن قولويه، والشيخ القمي، وعلي بن إبراهيم، وابن شهر آشوب». (الخوئي، 1410ق، ج11، ص120).
كما يرد في سند هذه الرواية أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وقد أُثير إشكال في بعض الأشخاص الذين روى عنهم، (النجاشي، 1416ق، ص76؛ الخوئي، 1410ق، ج2، ص261)، إلا أنه في نفسه ثقة.
دلالة الحديث
لتوضيح مفهوم هذه الرواية، لا بد من الإشارة إلى نقطتين:
النقطة الأولى: قد تَرِد في بعض الروايات قضية ارتبطت بظروف خاصة، فنقوم بتعميم الحكم على كل مورد تتحقق فيه تلك الظروف، ويُعبّر عن ذلك في علم الأصول بـ«إلغاء الخصوصية».
لكن هذا التعميم لا يصح في بعض الروايات، لأنها تتعلق بحقيقة خارجية معينة، ولا يمكن نقل مضمونها إلى أشخاص أو أزمنة أو أمكنة أخرى؛ إذ بزوال تلك الحقيقة الخارجية يزول موضوع الرواية، ولا يبقى مجال لتعميمها.
النقطة الثانية: بالنظر إلى القرائن المرتبطة بزمان صدور الرواية وشخص المخاطب، وهو سدير بن حكيم، يمكن القول إن هذه الرواية من النوع الثاني الذي أشرنا إليه، أي إنها مرتبطة بقضية خارجية معينة.
فبالنظر إلى شخصية سدير، الذي كان سريع التأثر بالأجواء المحيطة به، وإلى زمان صدور الرواية، الذي يحتمل ـ بحسب القرائن ـ أن يكون في فترة قيام أبي مسلم الخراساني، يمكن الوصول إلى أن خطاب الإمام في هذه الرواية كان موجهاً إلى سدير وأمثاله، وليس إلى جميع الناس في كل زمان، ومن ثم فإن الرواية من قبيل «القضية الخارجية» ولا يمكن استخراج حكم كلي منها يحكم على جميع القيامات.
ولتوضيح الأمر بصورة أكبر، من المفيد أن نستعرض شيئاً من شخصية سدير.
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه لما ذُكر سدير عنده قال:
«سدير مخبّط في كل لون».
أي إنه لم يكن ذا موقف ثابت ومستقر، بل كان يتغير موقفه من يوم إلى آخر، أو ـ بحسب تعبير آخر ـ كان يتبع اتجاه الريح، يميل مع من غلب.
وقد حاول بعضهم تفسير كلام الإمام الصادق (عليه السلام) بأن سدير كان شديد التبحر في التقية. (الحراني، 1404ق، ص325).
لكن بالنظر إلى رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) دعا فيها لتحرير سدير من السجن، يتضح أن ما ذكره ابن شعبة في «تحف العقول» في تفسير هذه الرواية ليس دقيقاً؛ إذ لو كان سدير من أهل التقية الشديدة لما وقع في السجن.
ومن خلال دراسة سيرته وأحواله يتضح أن عواطفه كانت في كثير من الأحيان تغلب تدبيره وتفكيره. وكان ممن يظن أن بالإمكان التأثير في الإمام الصادق (عليه السلام) عاطفياً ودفعه إلى القيام في تلك المرحلة الحساسة، ولذلك كان يلحّ على الإمام باستمرار كي يخرج ويقوم.
فجاءت هذه الرواية لتفهمه أن وقت القيام لم يحن بعد، وأن قيام الإمام المهدي (عليه السلام) وقيام حكومته العالمية يرتبط بعلامة، وهي خروج السفياني. ولذلك كان الإمام (عليه السلام) يرشد سديراً وأمثاله ممن كانوا يتأثرون بالأجواء والعواطف ويظنون أن وقت القيام قد حان.
وقد ورد في رواية:
«حملت عدة كتب من عبد السلام بن نعيم وسدير وعدة آخرين إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، حين ظهرت الرايات السوداء وقبل خروج بني العباس، كتبوا فيها: إنا قد قدرنا أن الأمر يصير إليك، فما تأمرنا؟ فطرح أبو عبد الله (عليه السلام) الكتب من يده وقال: أفٍّ أفٍّ، أنا إمام هؤلاء؟ أما علموا أن المهدي يقتل السفياني؟». (الحر العاملي، 1403ق، ج15، ح19971).
وكما يتضح من هذه الرواية، فإن سديراً كان قد تأثر بدعاية أبي مسلم، وظن أن العباسيين يريدون فعلاً إعادة الخلافة إلى أهل البيت، ولذلك كتب إلى الإمام يستفهم منه عن موقفه. وتوجد روايات أخرى تكشف بصورة أوضح عن طبيعة شخصيته.
وعلى أي حال، وبناءً على ما تقدم، لا يمكن إلغاء خصوصية هذه الرواية والقول إن وظيفة الجميع في عصرنا هي الجلوس في البيوت والسكوت.
الرواية الرابعة الناهية عن القيام
قال الإمام الباقر (عليه السلام):
«الغبرة على من أثارها، والهلاك على الخيل التي تحمّلت. قلت: جعلت فداك، ما الخيل التي تحمّلت؟ قال: المستعجلون، يقتلون الذين في أيديهم أو يصيبونهم».
ثم قال:
«يا أبا المرهف، قلت: نعم. قال: هل رأيت قوماً جعلوا أنفسهم لله، فلم يجعل الله لهم فرجاً؟ بلى والله، جعل الله لهم فرجاً». (الحر العاملي، 1404ق، ج15، ح19967؛ الكليني، 1405ق، ج8، ص273).
سند الرواية
سند هذه الرواية أيضاً لا يخلو من الإشكال، وذلك من جهتين:
أولاً: أبو المرهف مجهول في سند الرواية.
ثانياً: أبو سمينة الوارد في سندها قد ضعّفه علماء الرجال.
قال النجاشي في كتابه عنه:
«محمد بن علي أبو سمينة ضعيف جداً، فاسد الاعتقاد، لا يُعتمد عليه في شيء. وكان قد ورد قم، وقد اشتهر بالكذب بالكوفة، ونزل على أحمد بن محمد بن عيسى مدة، ثم اشتهر بالغلو، فجفا وأخرجه أحمد بن محمد بن عيسى عن قم، وله قصة». (النجاشي، 1416ق، ص332).
وقال الكشي:
«قال حمدويه عن بعض مشايخه: محمد بن علي رمي بالغلو». (الكشي، 1409ق، ص545).
وقال أيضاً:
«ذكر الفضل في بعض كتبه: الكذابون المشهورون أبو الخطاب ويونس بن ظبيان ويزيد الصائغ ومحمد بن سنان وأبو سمينة أشهرهم…» (الكشي، 1409ق، ص546؛ الخوئي، 1410ق، ج16، ص297-298).
وكما يتضح، فإن سند هذه الرواية أيضاً لا يصلح للاعتماد عليه.
دلالة الحديث
هذه الرواية أيضاً لا تدل على النهي عن جميع القيامات، ويتضح ذلك بالنظر الدقيق في مضمونها؛ فالإمام ينهى الناس عن الإقدام من دون تهيئة الشروط والمقدمات اللازمة، ويحذر من هلاك الشخص المتعجل، أي من تدفعه العواطف العابرة إلى القيام والتحرك من دون حساب.
فلعل الشخص الذي يقدم على عمل متسرع يكشف تنظيم الشيعة ـ الذين كانوا يعيشون آنذاك في ظروف التقية ـ ويعرّضهم لضربات قاسية من أعدائهم.
وعلى أي حال، لا يمكن حمل هذه الرواية على النهي عن القيام عند تحقق الشروط المناسبة ووجود الظرف الملائم.
وعلى الرغم من أن هذه الروايات تأمر بالسكون وعدم التسرع، فإن ذلك لا يعني التخلي عن كل عمل وإتاحة المجال للكفار كي يسيطروا على أرواح المسلمين وأموالهم وأعراضهم؛ بل المقصود هو اختيار أفضل وقت للقيام في مواجهة الظلم والاستبداد، مع التحلي بالدقة والوعي الكاملين.
وقد شهد التاريخ قيامات عديدة نشأت من دون مراعاة الظروف المناسبة، وانضم إليها الناس بنوايا صادقة، لكنها انتهت إلى الفشل بسبب الاستعجال وعدم اكتمال مقدماتها.
النتيجة
حتى على فرض قبول الأحاديث الناهية عن القيام، وغضّ النظر عن الإشكالات السندية والدلالية التي أشرنا إليها، فإن دعوى القائلين بمنع القيام تتعارض مع إطلاق الروايات الدالة على وجوب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يوجد دليل معتبر يقتضي تقديم الروايات الناهية عن القيام على الإطلاقات الواردة في الروايات الصحيحة والمعتبرة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد.
وبصورة عامة، يمكن تلخيص الإشكالات الواردة على الروايات الناهية عن القيام في النقاط الآتية:
أولاً: إن هذه الروايات لا تتمتع جميعها بأسانيد يمكن الاعتماد عليها.
ثانياً: عند التأمل الدقيق في دلالات هذه الروايات، يمكن تقسيمها إلى عدة طوائف:
- طائفة منها جاء الخطاب فيها موجهاً إلى شخص أو أشخاص معينين، فهي من قبيل «القضية الخارجية».
- طائفة أخرى تدل على أن الشيعة ينبغي ألا يتعجلوا في القيام وألا يقدموا عليه قبل أوانه.
- طائفة تدل على أن أي قيام يصدر عن أهل البيت (عليهم السلام) قبل قيام الإمام المهدي (عليه السلام) سيواجه الفشل.
- وطائفة أخرى تنهى عن الانضمام إلى قيام يدعي فيه القائم مقام الإمامة.
وعليه، يمكن القول إن هذه الروايات لا تهدف إلى النهي عن مطلق القيام، بل إذا قام شخص تتوفر فيه شروط القيادة، ولم يدّع الإمامة، وكانت ظروف القيام ومقدماته مهيأة، فإن قيامه لا يكون مشمولاً بالنهي، بل يكون من الواجب على الشيعة دعمه ونصرته.
المصادر والمراجع
- الأميني، إبراهيم، (1392ش)، دادگستر جهان، قم، انتشارات شفق.
- ابن بابويه (الصدوق)، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن، (1396ق)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، طهران، انتشارات إسلامية.
- الخوئي، أبو القاسم، (1410ق)، معجم رجال الحديث، قم، آثار الشيعة، الطبعة الرابعة.
- الحر العاملي، محمد بن الحسن، (1403ق)، وسائل الشيعة، قم، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الخامسة.
- الحسيني الحائري، السيد كاظم، (1414ق)، ولاية الأمر في عصر الغيبة، قم، مجمع الفكر الإسلامي.
- الحلي، حسن بن يوسف، (1411ق)، رجال العلامة الحلي، قم، دار الذخائر.
- الحراني، ابن شعبة، (1404ق)، تحف العقول عن آل الرسول (عليهم السلام)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية.
- الخميني، الإمام السيد روح الله، (د.ت)، ولاية الفقيه، طهران، مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني (رحمه الله).
- رضوي أردكاني، السيد أبو الفاضل، (د.ت)، ماهية قيام فخ، قم، مكتب الإعلام الإسلامي.
- عميد زنجاني، عباس علي، (د.ت)، الفقه السياسي، طهران، انتشارات أمير كبير.
- طبسي، نجم الدين، (1388)، حتى الظهور، قم، المؤسسة الثقافية للإمام المهدي (عج).
- الطوسي، محمد بن الحسن، (1373)، رجال الطوسي، ترجمة جواد القيومي الأصفهاني، قم، انتشارات جامعة المدرسين.
- الكشي، محمد بن عمر، (1409ق)، رجال الكشي، ترجمة حسن المصطفوي، قم، نشر جامعة مشهد.
- الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، (1405ق)، الكافي، ترجمة علي أكبر الغفاري، بيروت، دار الأضواء.
- المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، (1403ق)، بحار الأنوار، طبعة بيروت، قم، دار إحياء التراث العربي.
- منتظري النجف آبادي، حسين علي، (1409ق)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، قم، نشر تفكر، الطبعة الثانية.
- محمد بن إبراهيم بن جعفر، (1379ق)، الغيبة، طهران، مكتبة الصدوق.
- النجاشي، أحمد بن علي، (1416ق)، رجال النجاشي، قم، انتشارات جامعة المدرسين.