الشرعية والعدالة في الفكر السياسي الشيعي
الشرعية والعدالة في الفكر السياسي الشيعي
الملخّص
ما الشرعية؟ وهل يمكن تقديم تصور شامل ومتكامل لها؟ غالباً ما تنظر النظريات الشائعة في الإجابة عن مسألة الشرعية إليها بوصفها أمراً بسيطاً ذا سبب واحد، وتربطها في الغالب بشخص الحاكم، في حين أن تبرير شرعية أي حكومة يقتضي أيضاً النظر في مضمون سياساتها، وإجراءاتها، والجوانب المعيارية المتعلقة بالحكم والطاعة.
تسعى هذه المقالة، بعد عرض نظريات الشرعية، إلى تقديم تصور قائم على العدالة لهذا المفهوم، بالاستناد إلى النصوص الدينية. وتدفع أهمية العدالة في القرآن الكريم والروايات، ولا سيما في التراث الشيعي، إلى تبنّي هذا التصور. ووفقاً لنتائج البحث، يمكن النظر إلى العدالة بوصفها معياراً شاملاً للشرعية. فالشرعية القائمة على العدالة تنقل اهتمامنا من الشكل إلى المضمون، وتفتح المجال للانتقال من الشرعية الشكلية والإجرائية والفردية إلى الشرعية المضمونية. كما أن جعل العدالة شرطاً للشرعية يبرز الأبعاد الأخلاقية للسياسة، ويرتقي بمنطق الحكم والطاعة.
المقدمة
تُعدّ الشرعية والعدالة مفهومين أساسيين في الفكر السياسي، ولكل واحد منهما تاريخ طويل في الفكر الإنساني ومجموعة واسعة من النظريات والفلسفات. ولكن ما العلاقة بين هذين المفهومين؟ وكيف يمكن إقامة صلة بين هاتين الفضيلتين الأساسيتين في المؤسسات السياسية؟
تسعى هذه الدراسة، من خلال طرح نظرية الشرعية القائمة على العدالة، إلى إيجاد سبيل للربط بين هاتين الفضيلتين في الفكر الديني. ومن منظور هذه المقالة، يمكن لهذه النظرية أن تقدّم تصوراً أكثر شمولاً وفاعلية للشرعية السياسية، وأن تفتح نافذة لمعالجة جانب من الإشكالات النظرية القائمة.
في الأدبيات السياسية الشائعة، يُنظر عادةً إلى العدالة والشرعية بوصفهما فضيلتين متميزتين، ويُبحث في كل منهما ضمن مجال مستقل. ومع ذلك، فإن الجمع بينهما ليس أمراً غير مسبوق؛ فقد حاول عدد من المفكرين من قبل الارتقاء بالسياسة من خلال الربط بين هاتين الفضيلتين.
فالفيلسوف الكبير في مجال العدالة، جون رولز، مع تمييزه بين المفهومين، يرى العدالة أسمى فضائل المؤسسات الاجتماعية، بينما يجعل مفهوم الشرعية أضيق نطاقاً منها. فالشرعية عنده تهتم بالإجراءات بدرجة أكبر، في حين تتجه العدالة إلى المضمون. ويرى رولز أن الإصرار على الشرعية، أو ـ بحسب تعبيره ـ التركيز على الإجراءات القانونية والتشاورية، كما يظهر في نظرية هابرماس، قد يؤدي إلى التضحية بالعدالة. ولذلك ينبغي التأمل في مضمون القوانين والقرارات ونتائجها، حتى لو كانت قد صدرت وفق إجراءات مشروعة، وتقييمها وفق معايير عامة للعدالة.
ويجعل رولز العدالة معياراً لتقييم المؤسسات السياسية والاجتماعية، ويرى أنه على الرغم من أن أية مؤسسة بشرية لا يمكن أن تكون عادلة بصورة كاملة، فإنه لا ينبغي لها أن تكون ظالمة. وإن عدم عدالة القوانين والنتائج المترتبة عليها، حتى لو كانت تتمتع في البداية بقدر من الشرعية، سيؤدي على المدى البعيد إلى تآكل شرعيتها. ولذلك نحتاج دائماً إلى تقييم مضمون القوانين ونتائجها في ضوء مبادئ العدالة. وهكذا، فإن رولز، وإن جعل العدالة أسمى من الشرعية، ينتهي في نهاية المطاف إلى نوع من الربط بينهما.
ويُعدّ بوكانان أيضاً من المفكرين الذين سعوا إلى تقديم تصور للشرعية قائم على العدالة. فمن خلال ربط الشرعية بالتبرير الأخلاقي، يرى أن ممارسة السلطة السياسية لا يمكن تبريرها أخلاقياً إلا إذا استوفت الحد الأدنى من معايير العدالة، وهي المعايير الكامنة في حفظ حقوق الإنسان الأساسية واحترامها. وبذلك يقيم صلة بين حقوق الإنسان والعدالة والشرعية. ويرى أن هدف السلطة السياسية هو تحقيق العدالة، وإلا فإنه، مع افتراض أن السلطة السياسية تحدّ من حرية الإنسان ومساواته وتفرض عليه القيود، لا يبقى مبرر آخر لوجودها.
وكما يتضح من هاتين النظريتين، فقد طُرحت العدالة إما بوصفها أمراً يتجاوز الشرعية، أو باعتبارها أساساً للشرعية.
ويمكن العثور على ملامح هذا الربط أيضاً لدى المفكرين المسلمين؛ فالترابط الذي أقامه منظرو أهل السنة في القرون الوسطى بين تطبيق الشريعة والعدالة والشرعية، وإصرار الشيعة على عدالة الحاكم وتقديم العدالة على الأمن والقوة في تاريخ هذا المذهب، يدل على وجود مثل هذا الارتباط. ومن الأمثلة التاريخية على العلاقة بين العدالة والشرعية في التاريخ الشيعي حكم ابن طاووس وبعض العلماء الشيعة في القرن السابع الهجري بتفضيل حكم الكافر العادل على حكم المؤمن الظالم.
ومع ذلك، فإن الاتجاه الغالب في نظريات الشرعية، ولا سيما في إيران المعاصرة، يميل إلى الفصل بين هذين المفهومين ودراسة كل واحد منهما بصورة مستقلة. ومن وجهة نظر هذه الدراسة، فإن الربط بين العدالة والشرعية، بالنظر إلى المكانة الرفيعة التي تحتلها العدالة في الفكر الشيعي، أمر منطقي وضروري. ولهذا الغرض، وبعد تعريف المفهومين، سنبحث في إمكانية إقامة هذا الارتباط بينهما.
الشرعية
الشرعية في علم السياسة مفهوم مهم، لكنه غامض. وتكمن أهميتها في أنها تتولى تبرير مسألتين في آن واحد: السلطة والطاعة، كما تبرر الإكراه السياسي وحق الحكم. أما غموضها فيعود إلى عدم وجود تعريف معياري متفق عليه لها، وإلى اتساع نطاقها ليشمل مجموعة من المفاهيم المترابطة ومستويات مختلفة.
وغالباً ما تُعرّف الشرعية بأنها حق ممارسة السلطة أو حق الحكم. ومن ثم، فإن تحليل السياسة من منظور الشرعية يبحث في العلاقة بين الأمر والطاعة على أساس الحق. فإذا اعتبرنا دولة ما شرعية، أصبح المواطنون ملزمين أخلاقياً بطاعتها، وأصبح الحكام أصحاب حق في ممارسة الحكم والحصول على الطاعة. وبعبارة أخرى، فإن رعايا الدولة الشرعية ـ سواء أكانوا موافقين أم مخالفين ـ يكونون ملزمين أخلاقياً بطاعتها. ولهذا عُرّفت الشرعية أحياناً بأنها إضفاء الطابع الأخلاقي على السلطة.
ويمكن، بناءً على ذلك، تعريف الشرعية بأنها الحق الأخلاقي والحصري لمؤسسة ما في فرض واجبات ملزمة على جماعة أو فرد، وإلزامهم بأداء تلك الواجبات.
وتكمن أهمية الشرعية في أنها توفر الأسباب والدوافع الأخلاقية اللازمة للتعاون والطاعة من جانب الناس والخاضعين للسلطة. فعندما تتآكل الشرعية، يلجأ النظام السياسي إلى القوة؛ غير أن القوة، وإن كانت قادرة على منع الناس من القيام بعمل ما، لا تستطيع وحدها تحفيزهم على التعاون والطاعة. كما أن النظام والاستقرار وكفاءة النظام السياسي واستمراره، ولا سيما في أوقات الأزمات، ترتبط بولاء الناس، وهو ما يُعدّ من النتائج المباشرة للشرعية.
ولا تُعدّ الشرعية قوة محفزة في السياسة فحسب، بل تُعتبر أيضاً خيراً أخلاقياً؛ إذ يتمتع الناس في الدول ذات الشرعية، من الناحية الأخلاقية، بمكانة أسمى، لأن صلتهم بالمؤسسة السياسية تقوم على الأخلاق والمعايير المشتركة، لا على المصالح الشخصية أو القوة المجردة.
وبوجه عام، يمكن التمييز بين مقاربتين فلسفية وسوسيولوجية للشرعية. فالمقاربة الفلسفية تهتم أساساً بكيفية تنظيم علاقات السلطة داخل المجتمع، وما التبرير المناسب والمقبول لهذه العلاقات. ومن هذا المنظور، يرى الفيلسوف الأخلاقي أو السياسي أن السلطة تكون شرعية عندما تكون القوانين والقواعد الحاكمة لها قابلة للتبرير وفق مبادئ معيارية عامة يمكن الدفاع عنها عقلياً.
أما المقاربة السوسيولوجية، فتركز على تفسير الشرعية في سياقات اجتماعية محددة، وتدرس العلاقات الاجتماعية القائمة بالفعل، لا العلاقات المنشودة. وتكون معايير الشرعية في هذه المقاربة نسبية، وقد تختلف من مجتمع إلى آخر. لكنها، في نهاية المطاف، تركز على السؤال: ما الذي يجعل السلطة شرعية في مجتمع معين؟
وإذا كانت الشرعية تعني إيجاد حق وواجب أخلاقيين، فإنها تحتاج إلى تبرير عقلاني، ولا يمكن الاكتفاء بالتصور السوسيولوجي وحده.
وقد تراجعت المقاربة الفلسفية في الفكر الغربي تدريجياً لصالح المقاربة السوسيولوجية، واتجه المفكرون بصورة أكبر إلى البحث عن الأسس الاجتماعية للشرعية. ويشير الانتقال التدريجي لأساس الشرعية من الحق الإلهي والحقوق الطبيعية في العصور الوسطى إلى الرضا في العصر الحديث إلى هذا التحول التاريخي.
وتقوم نظرية الرضا على أن الدول تستمد سلطتها العادلة من رضا المحكومين. وبناءً على ذلك، ترتبط شرعية الدولة برضا المواطنين والتزامهم، ولا تكون ممارسة السلطة مشروعة إلا عندما يكون الشعب قد منح الحكام هذا الحق.
وقد أسهم الفيلسوف الإنجليزي جون لوك بدرجة كبيرة في تطوير نظرية الرضا وترسيخها؛ إذ اعتبر الرضا ضرورياً لتأسيس السلطة السياسية في بدايتها، وكذلك لاستمرارها.
غير أن نظرية الرضا، ولا سيما في تفسير لوك لها، واجهت نقداً مفاده أن الدول القائمة نشأت عملياً في كثير من الأحيان عن طريق العنف، ولا توجد فيها علامات واضحة على الرضا أو الخضوع الطوعي. ومن ثم، فإن إضفاء الشرعية على السلطة السياسية من خلال الرضا قد يكون مجرد تصور مثالي، كما أنه من غير المرجح عملياً أن يوافق جميع المواطنين في مجتمع ما على حكومتهم.
فالناس غالباً ما يقبلون نظامهم السياسي أو يخضعون له لمجرد أنهم لا يعرفون بديلاً أفضل. وعلى أي حال، وحتى مع افتراض إمكان تحقق الرضا، لا يمكن منطقياً استنتاج شرعية النظام السياسي والواجب الأخلاقي المترتب على ذلك، أي واجب الطاعة، من رضا الناس وحده.
وبعبارة أخرى، لا يمكن إثبات شرعية النظام السياسي بالاستناد إلى رضا الجمهور؛ إذ قد توجد أنظمة استبدادية وظالمة تحظى برضا عامة الناس، أو تتمكن من صناعة هذا الرضا بوسائل مختلفة، ثم ترتكب جرائم جسيمة في ظل رضا الأغلبية أو صمتها. وقد شكّل ظهور الأنظمة الشمولية والشعبوية في القرن العشرين شاهداً على هذه الإشكالية، وأبرز المخاطر الكامنة في تأسيس الشرعية على رضا الجمهور.
ولا يعني هذا النقد تجاهل دور نظرية الرضا في الشرعية. فحتى هيوم، الذي كان من منتقدي نظرية العقد والرضا، أشار إلى أهمية الرضا في الشرعية. غير أن الإشكال يكمن في أن رضا الأفراد وحده لا يستطيع أن ينشئ حقاً وواجباً أخلاقيين.
ويرى بعض منظري الفكر الغربي أن الوظائف الضرورية للدولة وفائدتها يمكن أن تكون أساساً لتبرير السلطة وحق الحكم، ومن هنا ظهرت فكرة الشرعية الوظيفية أو الشرعية القائمة على النتائج.
فقد جعل هوبز دور الدولة في توفير النظام والأمن أساساً لحق الطاعة. ويرى أن موافقتنا على الدولة وأفعالها ترتبط بالآثار التي تترتب عليها بالنسبة إلى الناس، ومنهم نحن. كما اعتبر فيبر المصالح المتبادلة من الدوافع الأساسية للطاعة. وأكد النفعيون كذلك هذا الاتجاه؛ فقد جعل بنتهام سعادة الناس ورفاههم معياراً لشرعية القوانين.
وفي القرن العشرين أيضاً حظي هذا الاتجاه بمؤيدين كثيرين. فعلى سبيل المثال، يرى ديفيد إيستون أن الشرعية لا تتحقق إلا في ظل الاعتقاد بالمصلحة العامة والمصالح المشتركة، وأن شرعية الدولة هي نتيجة نجاحها في تحقيق هذه المعايير. ومن هذا المنظور ترتبط شرعية الدولة عملياً بكفاءتها على المدى الطويل وقدرتها على تلبية حاجات الناس.
ومن ثم، فإن عوامل مثل الفشل في الأداء، أو السعي وراء المصالح الخاصة، أو إساءة استخدام المنصب، يمكن أن تؤدي إلى تآكل شرعية النظام السياسي. وفي هذا التصور تصبح العلاقة بين السلطة والطاعة نوعاً من التبادل المادي القائم على حساب الربح والخسارة؛ حيث يقدّم المواطنون الطاعة للحكام مقابل الحصول على المنافع.
ومع ازدياد وظائف الدولة في العصر الحديث وهيمنة نموذج دولة الرفاه، ازداد الاهتمام بهذا النوع من الشرعية، حتى تحدث بعض الباحثين عن هيمنة الشرعية القائمة على النتائج أو الوظائف في العصر الحديث.
وتؤدي الكفاءة أيضاً دوراً مهماً في استمرار الشرعية واستقرارها. فالدولة غير الكفؤة تضطر، للمحافظة على شرعيتها، إلى إنفاق موارد أخرى، وإذا استمر ضعف الكفاءة على المدى الطويل فإن شرعيتها ستتعرض للتآكل. ولذلك فإن حداً أدنى من الكفاءة ضروري لاستمرار الشرعية، وتضطر الدول الحديثة إلى توفير المصالح العامة والاستجابة لحاجات المجتمع.
ومع ذلك، فإن المنفعة والكفاءة وحدهما لا يمكن أن يؤديا إلى إثبات شرعية الدولة أو إيجاد التزام أخلاقي بطاعتها. فالمنفعة، في أقصى حدودها، تبرر وجود الدولة وضرورة استمرارها، لا شرعيتها. ولذلك ينبغي التمييز بين تبرير وجود الدولة وبين شرعيتها. فوظائف الدولة تجعل وجودها ضرورياً، لكنها لا تمنحها الشرعية بالضرورة.
نظرية ماكس فيبر في الشرعية
قدّم عالم الاجتماع الألماني البارز ماكس فيبر في القرن العشرين أشهر نظريات الشرعية، وميّز بين ثلاثة أنواع منها: الشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، والشرعية القانونية ـ العقلانية.
ويقوم تصور فيبر على مقاربة سوسيولوجية وصفية، تركز على معتقدات الناس واتجاهاتهم تجاه السلطة السياسية، ولا تتضمن معياراً معيارياً للحكم على شرعية السلطة.
وقد اتبع كثير من المفكرين بعد فيبر هذا الأسلوب في تفسير الشرعية، فساووا، على غرار فيبر، بين الشرعية وبين آراء المواطنين واتجاهاتهم وتصوراتهم ومواقفهم الإيجابية تجاه المجتمع والحكومة، واكتفوا في الواقع بوصف سوسيولوجي، وأحياناً نفسي، بسيط للشرعية.
وقد أدى تأثير فيبر إلى هيمنة المقاربة السوسيولوجية على دراسة الشرعية. ولهذا انتقد بعض المفكرين هذه الهيمنة بشدة. ومن الانتقادات الموجهة إلى نظرية فيبر أن ولاء المواطنين وحسن نيتهم لا يؤديان بالضرورة إلى نشوء حق في إصدار الأوامر أو واجب في الطاعة.
كما يمكن للدولة أن تصنع شرعيتها وتحافظ عليها من خلال التلقين والتعليم والسيطرة على وسائل الإعلام. وقد تتمتع الدولة بالشرعية فقط بسبب بساطة المواطنين المفرطة، أو بسبب لامبالاتهم، أو سوء فهمهم، أو تجاهلهم للقضايا الأخلاقية، في حين أن الشرعية نوع من الحق والسلطة الأخلاقية، والحق لا يمكن أن يكون مجرد نتاج لمواقف المواطنين.
ويظهر التاريخ أن شعوباً كثيرة خضعت لحكامها وآمنت بحقهم في الحكم، من دون أن تكون تلك الحكومات متمتعة بأي سلطة أخلاقية حقيقية. فالشرعية القائمة على اتجاهات المواطنين تتجاهل مثل هذه الحقائق التاريخية، وتهمل الجوانب الأخلاقية للحكم والطاعة، كما أنها، بالاعتماد على الرؤية الوضعية، تفصل السياسة عن القيم الأخلاقية، وتغفل أن السياسة المجردة من الأخلاق قد تقود المجتمع إلى الصراع والعداء.
ومن ثم، فإن الشرعية ليست ظاهرة موضوعية ووصفية وسوسيولوجية فحسب، بل ينبغي أيضاً مراعاة جوانبها الفلسفية والمعيارية والأخلاقية.
القانون والشرعية
يُعدّ التأكيد على القانون بوصفه أكثر معايير الشرعية شيوعاً في العصر الحديث من خصائص نظرية فيبر. غير أن انتشار هذا النوع من الشرعية في العصر الحديث لا يعني غيابه في العصور التقليدية؛ فقد رافق القانون الحياة الاجتماعية للإنسان دائماً بأشكال مختلفة، عرفية كانت أم إلهية أم طبيعية أم عقلانية، وكان دائماً معياراً لقياس شرعية الحكومات.
وما يميز القانون الحديث عن القوانين التقليدية، والذي أكد عليه فيبر، هو جوانبه العقلانية والدقيقة.
ومع ذلك، فإن الالتزام بالقانون يحتل مكانة مهمة ضمن مصادر الشرعية، حتى إن بعض الباحثين اعتبروه المستوى الأول والأساسي للشرعية. لكن المشكلة في النظرية القانونية للشرعية هي أن المبادئ القانونية والقوانين وحدها لا تستطيع أن تضمن شرعية السلطة.
ولكي ينتج القانون شرعية، لا بد من النظر، إلى جانب البنية الرسمية للسلطة وطريقة تطبيق القانون، في مضمونه وأهدافه أيضاً. وبعبارة أخرى، ينبغي أن نسأل: أي قانون نقصد؟
ومن هذا المنظور، ينبغي لحكم القانون أن يستند إلى القيم الأساسية. فالشرعية والقانونية لا تتطابقان إلا بقدر ما يكون القانون تعبيراً عن القيم. وبعبارة أخرى، ينبغي الانتقال من الشرعية الإجرائية القائمة على القانون إلى الشرعية المضمونية، وتقييم مضمون القانون في ضوء المبادئ الأخلاقية والمعيارية العامة.
نظريات الشرعية متعددة الأبعاد
على الرغم من أن الشرعية تُعدّ من الموضوعات المحورية في العلوم الاجتماعية، فإن قدراً من الاضطراب والغموض يظهر في تفسيرها. وقد أدى هذا الاضطراب إلى العجز عن بناء مفهوم مناسب وكافٍ للشرعية، أو تقديم تقييم منسجم لما يجعل السلطة مشروعة في مجتمعات معينة.
ومن عوامل هذا الاضطراب الفصل بين الرؤية الفلسفية والمعيارية والرؤية السوسيولوجية، والاعتماد على تفسير خاص وأحادي البعد للشرعية.
فإذا اعتبرنا الشرعية حقاً في ممارسة السلطة والتزاماً أخلاقياً بالطاعة، فلن تستطيع أي نظرية أو أي بُعد من الأبعاد المذكورة وحده أن يبرر حق الحكم والالتزام الأخلاقي بالطاعة.
ولهذا اعتبر بعض المفكرين الشرعية ظاهرة متعددة الأبعاد والمستويات، تتكون من مجموعة من العوامل.
فعلى سبيل المثال، يرى ديفيد بيتهام أن الشرعية ظاهرة متعددة الأبعاد، تتضمن ثلاثة عناصر أو مستويات محددة، يختلف كل منها عن الآخر من الناحية النوعية. ويمكن وصف السلطة بأنها شرعية بقدر ما:
أ) تكون منسجمة مع القواعد المستقرة ومتوافقة معها؛
ب) يمكن تبرير هذه القواعد بالرجوع إلى المعتقدات المشتركة بين الحاكم والمحكوم؛
ج) توجد أدلة وشواهد على رضا الخاضعين للسلطة بعلاقة السلطة القائمة.
وبذلك يتصور بيتهام الشرعية أمراً معقداً ومتعدد المستويات، تتكون من ثلاثة عناصر هي: القانون، والمعايير المشتركة، والرضا.
ويركز الركن الثاني في هذه النظرية على المعتقدات المشتركة بين الحكام والرعايا في المجتمع المعني، ومن هذه الجهة يميل إلى نوع من المحلية والابتعاد عن القيم العامة والكونية، ويحول دون الوصول إلى معيار عام للشرعية.
كما يرى بروس جيلي، متأثراً ببيتهام، أن الشرعية تقوم على ثلاثة أركان: الرضا، والقانون، وقابلية التبرير.
ويرى مفكر آخر، مع تأكيده أن الشرعية ليست أمراً بسيطاً أو أحادي البعد، ضرورة التمييز بين الشرعية البسيطة أو الأساسية والشرعية الكاملة أو القوية. ففي الحالة الثانية فقط ينشأ الالتزام الأخلاقي بالطاعة، بسبب تعدد وجوه الشرعية التي تتمتع بها الدولة.
وتؤكد هذه النظريات جميعاً تعدد أبعاد الشرعية، لكنها لا تزال متأثرة، إلى حد ما، بالمقاربة السوسيولوجية؛ لأنها تتحدث عن قيم ومعتقدات المجتمع المعني بدلاً من الحديث عن قيم عامة. وكما أشرنا، فإن المقاربة السوسيولوجية وحدها لا تكفي لدراسة الشرعية.
وسنرى لاحقاً أن مفهوم العدالة، بسبب طابعه العام والشامل، وبسبب جوانبه التطبيقية، يمكنه أن يجمع بين الأبعاد الفلسفية والسوسيولوجية للشرعية، وأن يقدم تصوراً أخلاقياً لعلاقات السلطة.
نظريات الشرعية في الفقه الشيعي المعاصر
يمكن تقسيم نظريات الشرعية في الفكر الشيعي، بصورة أولية، إلى مرحلتي الحضور والغيبة.
ففي عصر الحضور، وعلى الرغم من أن بعض العلماء المعاصرين ذهبوا، في رأي نادر، إلى الشرعية الشعبية، فإن الغالبية العظمى من علماء الشيعة أسسوا الشرعية السياسية للنبي والأئمة على التنصيب الإلهي وحده.
وبناءً على ذلك، لا تكون حكومة الآخرين مشروعة في عصر حضور الإمام من المنظور الشيعي. وبالنظر إلى نظرية الإمامة، يمكن القول إن الشرعية الكاملة، بالمعنى الذي يقتضي الولاء المطلق من جانب الرعية، لا تتحقق إلا في عصر حضور الإمام.
أما في عصر الغيبة فلا يوجد مثل هذا الإجماع، بل تظهر نظريات متعددة واختلافات واسعة في هذا المجال.
وينبغي هنا الانتباه إلى أن نموذج الإمامة ظل، حتى في عصر الغيبة، بمثابة البوصلة التي توجه الفكر الشيعي. ولذلك جاءت النظريات السياسية الشيعية في الغالب امتداداً لفكرة الإمامة ومستوحاة منها.
ومن آثار نقل خصائص عصر الحضور إلى عصر الغيبة: النظر إلى الحكومة بوصفها أمراً مثالياً، والنظر إلى الشرعية بوصفها إلهية، والتأكيد على القائد ورأس السلطة، وربط الشرعية بشخص الحاكم. كما ينبغي ملاحظة أن نظريات الشرعية في الفكر الشيعي تميل إلى التصور الفلسفي للشرعية أكثر من اهتمامها بالتفسير السوسيولوجي لها.
وبصورة أولية، يمكن الحديث عن فئتين من النظريات في عصر الغيبة:
الفئة الأولى تميل إلى تعطيل أو نفي إمكانية إقامة حكومة شرعية في عصر الغيبة.
والفئة الثانية تبحث عن آليات لإضفاء الشرعية على الحكومة في هذه المرحلة.
ويبدو أن قسماً كبيراً من فقهاء الشيعة حتى العصر الحديث كان يرى أن الحكومة الشرعية مختصة بعصر الحضور، ولم يؤمن بإمكان إقامة حكومة شرعية في عصر الغيبة، ولذلك لم يتناول هذه المسألة بصورة جادة ومنهجية.
ولهذا قلّ أن نجد فقيهاً خلّف دراسة منهجية ونصاً متكاملاً حول السياسة والحكم. ويبدو أن الأمل في الظهور، وفساد الحكومات القائمة وشرها المفرط، أسهما في ترسيخ تصور استحالة إقامة حكومة مثالية، وأبعدا العلماء عن التفكير الجاد في هذه المسألة.
وكان العلماء في هذه المرحلة، بدلاً من البحث في آليات شرعية الحكومة، يركزون على مسائل مثل جواز التعاون مع دولة الجور أو عدمه، وحرمة هدايا الملوك وعطاياهم أو حلّيتها، وأحكام الخراج.
وقد تهيأت الظروف النظرية والواقعية للانتقال من خطاب الرفض والصمت في بدايات العصر القاجاري. وكان الصراع بين الإخباريين والأصوليين، الذي تصاعد بالتزامن مع الصراعات السياسية التي أعقبت سقوط الدولة الصفوية في إيران، قد انتهى بانتصار الأصوليين بقيادة الوحيد البهبهاني.
وهكذا تزامن قيام الدولة القاجارية مع ترسيخ الاتجاه الأصولي والاجتهادي. وقد وفر الخطاب الأصولي الناتج عن هذا الصراع، من خلال تأكيد الاجتهاد والتقليد والصلاحيات الواسعة للمجتهدين، أرضية نظرية لتوسيع نطاق الشريعة، وبالتالي زيادة سلطة المجتهدين وصلاحياتهم.
وكان الخطاب الإخباري في تعامله مع الشأن السياسي والمجال العام محصوراً في إطار الأخبار والروايات، ولم يمتلك عملياً قدرة كبيرة على التنظير في هذه المجالات. لكن عندما دخل الوحيد البهبهاني وتلامذته ميدان العقل والاجتهاد، انفتحت آفاق جديدة أمام التنظير السياسي.
وفي الفترة نفسها، ومع دخول الدولة في الحرب مع روسيا، وجد العلماء أنفسهم، استجابة لطلب الدولة واضطراراً إلى التعامل مع مقتضيات المرحلة، أمام ضرورة الانخراط في المجال السياسي والتفكير في شرعية الدولة.
وقد نتج عن ذلك مجموعة من النظريات التي سعت، بالاستناد إلى ولاية الفقيه، إلى إيجاد سبيل لإضفاء الشرعية على البنية القائمة.
لكن مع خفوت الحروب، وبعد الهزيمة الكبيرة التي تعرضت لها إيران، خفت الحماس للتفكير السياسي أيضاً، ولم تتمكن هذه الموجة القصيرة من إسقاط الخطاب التقليدي، وبقيت مسألة شرعية الحكومة عملياً تحت ظل الرفض أو، في الحد الأدنى، الغموض.
وبعد ذلك بمدة، أكد الشيخ الأنصاري، العالم البارز في تلك المرحلة، الحكم بكون جميع الحكومات في عصر الغيبة حكومات جائرة، فأعاد بذلك تأكيد الخطاب التقليدي.
وفي سياق هذا الفكر تشكلت الحركة الدستورية. فقد أقرّ العلماء المؤيدون للمشروطة بكون الحكومات، حتى الحكومة الدستورية، حكومات جائرة، وكانوا يعدّون ذلك أحياناً من المسلمات في الفكر الشيعي.
وكانوا يبحثون عن وسيلة لتقليل ظلم الأنظمة الحاكمة، ويحللون أولوية النظام الدستوري في هذا الإطار.
من السلطنة إلى النظام السياسي الحديث
كان الخطاب التقليدي في إيران يتمحور حول السلطان، الذي كان يؤدي دور مركز متعالٍ للسلطة. وكان السلطان يُعدّ عامل توحيد المجتمع ونقطة الارتكاز النهائية في السياسة.
وقد أدّى الظلم والفساد وتزايد عدم كفاءة ملوك القاجار إلى إضعاف مكانة السلطنة، وأصبح ذلك ذريعة للإيرانيين للابتعاد عن هذا المركز المتعالي، والانتقال، من خلال الثورة الدستورية، من النظام السلطاني المتمحور حول الشخص إلى نظام حديث يتمحور حول المؤسسات.
وسعى العلماء في تلك المرحلة، في ظل غياب الإمامة، وبالاستناد إلى مفهومي الشورى والعدالة، إلى تأسيس نظام سياسي جديد في مواجهة الاستبداد والظلم، بدا أنه يمكن أن يسهم في تنظيم المجتمع الإيراني بصورة أفضل، ويفتح الطريق أمام تقدمه، ويمنع هيمنة الأجانب على هذه البلاد المسلمة.
لكن هذا النظام الجديد، الذي قُبل على عجل ومن دون تأملات نظرية عميقة، واجه تناقضات أسهمت في نشوب نزاعات واسعة، وانتهى الأمر، إلى جانب التدخلات الأجنبية، إلى فشل التجربة الدستورية.
وظلت الحكومة الدستورية تُعدّ حكومة جائرة، ولم يكن الرضا بها إلا من باب الاضطرار. وقد شبّه النائيني ذلك بجارية سوداء أُجبرت على غسل يديها الملوثتين.
ويكشف هذا التشبيه عن ضعف أساسي في النظام الجديد؛ إذ لا يمكن التأكيد على عدم شرعية نظام سياسي، ثم انتظار الولاء له من الناس في الوقت نفسه.
ولم تتمكن الحركة الدستورية قط من إزالة وصمة الجور عنها، وربما كان ذلك أحد أسباب تحولها سريعاً من موضع الأمل إلى موضع النفور.
وعلى أي حال، لم يكن الظرف التاريخي مواتياً لنمو التجربة الدستورية وإظهار إمكاناتها. وقد أدى فشل الحكومة الدستورية الناشئة ونتائجها الكارثية، التي ارتبط بعضها بالتدخل الأجنبي، إلى إضعاف المبررات العقلانية لاستمرارها.
وربما لو أُتيح لهذا الخطاب الناشئ مزيد من الوقت، ولم يتعرض سريعاً للإهمال من جانب مؤسسيه، لكان قادراً على فتح طريق جديد لمعالجة مسألة الشرعية في إيران المعاصرة. لكن بعد وفاة الآخوند، بدا أن النائيني، وهو أكبر منظري المشروطة، قد ابتعد هو الآخر عنها.
وهكذا، أُقصيت هذه الفكرة نتيجة الإخفاقات الواقعية والإهمال النظري، وأعيد بناء الاستبداد التقليدي في صورة علمانية وتحديث سلطوي، فعادت مسألة الشرعية من جديد لتفرض نفسها على السياسة الإيرانية.
نظرية ولاية الفقيه
مع ظهور الدولة البهلوية، بدا أن الدولة والعلماء قد ابتعدوا عن المشروطة، وأصبحوا يبحثون عن بديل آخر.
وفي الوقت الذي تحولت فيه الدولة الدستورية تدريجياً إلى دولة مطلقة، وظهر رضا خان في صورة حاكم سلطوي ذي توجه تحديثي، ظهرت في الحوزات العلمية أيضاً محاولات لإعادة بناء نظرية ولاية الفقيه والعودة إلى التقليد الذي كان كاشف الغطاء والنراقي قد أسسا له في القرن التاسع عشر.
وفي هذا السياق، طرح الإمام الخميني، من خلال تفسير جذري لهذه النظرية، تصوراً جديداً وصاغ إطاراً مختلفاً. فقد أعاد بناء مركز السلطة المتعالي في صورة الفقيه الجامع للشرائط، وربط النظام السياسي بفكرة الإمامة، وأعاد الشرعية إلى النظام السياسي.
واستناداً إلى مفهومي النيابة والولاية، رفع الإمام الخميني صلاحيات الولي الحاكم إلى مستوى صلاحيات الإمام المعصوم، متجاوزاً بذلك الفاصل بين عصر الحضور وعصر الغيبة.
وفي نهاية المطاف، ومع الثورة الإسلامية وتحت قيادة الإمام الخميني، أُسقط النظام الملكي الإيراني، وأُنشئت «الجمهورية الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه»، فاتحةً طريقاً جديداً أمام الإيرانيين الذين أصابهم اليأس من التجربة الدستورية الحديثة وابتعدوا عن النظام السلطاني التقليدي.
ومع أن نظريات ولاية الفقيه تُنسب غالباً إلى التقليد الفكري للإمام الخميني، فإن اتفاقاً عاماً لا يوجد بشأن أساس شرعية النظام السياسي، وقدمت تفسيرات مختلفة تماماً لموقف الإمام الخميني.
وبصورة أولية، يمكن الإشارة إلى ثلاثة اتجاهات في هذا المجال:
أولاً: نظرية التنصيب أو الشرعية الإلهية.
وفقاً لهذه النظرية، تستمد الحكومة في عصر الغيبة شرعيتها من الله تعالى، عن طريق تنصيب الأئمة بصورة مباشرة، ولا يكون لرأي الشعب تأثير في أصل الشرعية. كما أن شرعية جميع مؤسسات النظام السياسي، بما فيها المؤسسات المنتخبة، تستمد من الفقيه الحاكم.
ثانياً: نظرية الشرعية الشعبية.
تنتقد هذه النظرية الأدلة التي تستند إليها نظرية التنصيب، وتؤكد ضرورة اختيار الفقيه من قبل الشعب.
ثالثاً: النظرية الجامعة بين التنصيب والاختيار.
تحاول هذه النظرية الجمع بين الاتجاهين، وترى أن أساس الشرعية يقوم على مزيج من الاختيار والتنصيب.
وتُعدّ نظريات التنصيب امتداداً لنظرية الإمامة، ونتيجة لتوسيع شروط عصر الحضور إلى عصر الغيبة، والمساواة بين الإمام وولي الفقيه. أما نظريات الاختيار، فقد ظهرت امتداداً للنظريات الحديثة القائمة على الرضا والعقد، ونتيجة لمحاولة التوفيق بين التراث الديني ونظريات الديمقراطية الحديثة.
وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بين هذه النظريات، فإن بينها أوجه شبه أيضاً. فجميعها، متأثرة بالخطاب التقليدي، تنظر إلى البناء السياسي بوصفه متمحوراً حول الفرد، وتركز على شخص الحاكم، أو ما يمكن تسميته بالشرعية الفاعلية، وتحصر الشرعية في هذا المستوى.
كما أنها تركز غالباً على المراحل الأولى لتشكيل القيادة واختيار الحاكم أو تأسيس الدولة، ولا تولي اهتماماً كافياً لإجراءات الحكم ومضمون السياسات ووظائف الحكومة.
لكن إذا كان المطلوب من الناس أن يطيعوا الدولة بصورة مستمرة، فينبغي أن يكون أساس الشرعية مستمراً كذلك. ولذلك نحتاج في تفسير الشرعية إلى عوامل تراعي مضمون السياسات ووظائف الحكومة وأهدافها، وتوفر معياراً دائماً لتقييمها.
كما أن هذه النظريات تتعامل مع الشرعية بوصفها أمراً بسيطاً وأحادياً، ويستند كل اتجاه منها لإثبات موقفه إلى جزء من التراث الديني، بينما يهمش أجزاء أخرى، ومن ثم يعجز عن تقديم تصور عام وشامل للشرعية.
ويبدو أن التصور القائم على العدالة يمكن أن يقدم فهماً أكثر شمولاً لهذه الظاهرة، وأن يتيح إمكانية التوفيق النظري بين النظريات المتعارضة والنصوص المتنوعة.
تعريف العدالة
العدالة، مثل الشرعية، بل أكثر منها غموضاً وإثارة للخلاف، مفهوم واسع ومثير للجدل. وقد قيل إن قليلاً من الموضوعات تضاهي العدالة في كثرة اختلاف الآراء وتباين وجهات النظر.
ولعل أحد أسباب ذلك هو اتساع نطاق مفهوم العدالة وتعدد مجالات استعماله. والمقابل الإنجليزي للعدالة هو Justice، وهو مشتق من الأصل اللاتيني jus، بمعنى الحق أو القانون.
وفي اليونان القديمة، كانت كلمة dikaion تُستخدم للإشارة إلى الإنسان العادل، ومنها اشتُقت كلمة dikaiosune التي تعني العدالة، وهي تشير إلى الفضيلة التي ينبغي أن يتمتع بها المجتمع السياسي.
وكان معنى هذه الكلمة عند اليونانيين أوسع من مقابلها الإنجليزي، ويمكن ترجمتها تقريباً إلى المبادئ والمعتقدات الأخلاقية.
وكان اليونانيون يسمون كل فعل ينسجم مع المبادئ والقوانين الأخلاقية فعلاً عادلاً، ويعدون الفعل المنحرف عن ذلك فعلاً ظالماً.
ومع ذلك، لم يكن معنى الكلمة واضحاً تماماً حتى في اليونان القديمة، وقد دار حولها نقاش واسع بين الفلاسفة اليونانيين.
وكتاب الجمهورية لأفلاطون هو في الواقع بحث في التحليل الدقيق والعميق لمفهوم العدالة. وقد تناول أفلاطون العدالة بطريقة مقارنة على مستويين: الفردي والاجتماعي.
فعلى المستوى الفردي، العدالة هي التوازن القائم بين قوى العقل وضبط النفس والشجاعة، بحيث يؤدي كل منها دوره في موضعه وبالقدر المناسب.
أما على المستوى الاجتماعي، فتتحقق العدالة عندما ينشغل كل فرد وكل طبقة بعملها الخاص، ولا يتدخل في الأعمال الخارجة عن نطاق اختصاصها.
وهذا التصور قريب جداً من تفسير العدالة في إيران القديمة؛ إذ كان التركيز هناك أيضاً على النظام الطبقي وتقسيم الوظائف، بحيث يؤدي كل شخص العمل والمهنة الخاصة بالطبقة التي ينتمي إليها.
وكان معنى العدل في التصور الاجتماعي الهرمي الإيراني هو أن يكون كل شيء في موضعه. وكان العالم يُتصور على هيئة تركيب منسجم، كالعين والحاجب والخط والنقش، بحيث يكون لكل شيء موضعه الذي يحسن فيه.
العدالة عند أرسطو
تناول أرسطو أيضاً موضوع العدالة في كتاب الأخلاق النيقوماخية. ويرى أن العدالة تعني احترام القوانين واحترام مساواة المواطنين، بينما يعني الظلم تجاهل القوانين وعدم المساواة بين المواطنين. والعادل هو الذي يحترم القانون ويحترم كذلك مساواة المواطنين.
ويرى أرسطو أن العدالة فضيلة كاملة تشمل جميع الفضائل؛ فممارسة العدل تستلزم ممارسة جميع الفضائل، ولهذا عُدّت العدالة أشرف الفضائل.
فالعدالة، بهذا المعنى، ليست جزءاً من الفضيلة الأخلاقية، بل هي الفضيلة كلها، في حين أن الظلم ليس جزءاً من الرذيلة، بل هو الرذيلة الكاملة.
ويقسم أرسطو العدالة إلى أنواع مختلفة، منها العدالة التوزيعية، التي تتعلق بتوزيع الشرف والمال وسائر الأشياء، بما فيها الأعباء، بين المواطنين الذين لهم نصيب في النظام السياسي للمجتمع.
ويرى أن العدالة التوزيعية تعني مراعاة التناسب؛ أي معاملة المتساوين على قدم المساواة، ومعاملة غير المتساوين بما يتناسب مع عدم مساواتهم، وتوزيع المنافع والإمكانات وفقاً لدرجة المساواة أو عدم المساواة بين الأشخاص.
فالعدالة، بهذا المعنى، هي الوسط، ولكن ليس بالطريقة التي تكون بها الفضائل الأخرى وسطاً؛ إذ إن العدالة هي التي تحدد الوسط، بينما يؤدي الظلم إلى الإفراط والتفريط.
وهكذا تعني العدالة في الفكر الأرسطي مراعاة التناسب والاعتدال والالتزام بالقانون. كما أن صفة «تحقيق الخير في المجموع» كامنة في طبيعة العدالة لدى أفلاطون وأرسطو.
وكذلك فإن عدم المساواة في المجتمع وبين البشر كان، في التصورين الأفلاطوني والأرسطي، أمراً طبيعياً وعادلاً. فالمساواة ليست عدلاً بين الجميع، وإنما تكون عدلاً بين من هم متساوون، كما أن عدم المساواة لا يكون عدلاً بين الجميع، وإنما بين من هم غير متساوين.
العدالة في الفكر الحديث
استمرت هذه التفسيرات للعدالة، بدرجات متفاوتة، لدى العلماء المسلمين. أما في الفكر الغربي الحديث فقد حدث نوع من العودة إلى الفكر السوفسطائي، وأصبحت العدالة تُنظر إليها بوصفها أمراً اصطناعياً ومنتجاً للقوة والعقد.
ففي فكر هوبز، لا وجود للعدالة الطبيعية، وإنما يُعد الالتزام بالعقد أمراً عادلاً. واستمر هذا التصور عند هيوم؛ إذ يرى أن العدالة ليست قيمة أو فضيلة أو معياراً مستقلاً عن أذهان البشر ورغباتهم، يلتزم به الإنسان عقلاً أو بطبيعته.
فالعدالة ليست فضيلة مطلقة ودائمة في ذاتها، وإنما يحتاج الإنسان إليها في ظروف معينة. أما تعريف العدالة ومضمونها وقواعدها فهي من صنع البشر ونتيجة الاتفاق والعقد الذي يبرمه الأفراد في المجتمعات المختلفة.
وبصورة عامة، تراجعت العدالة في الفكر الحديث تدريجياً لصالح الحرية، وأُبعد هذا المفهوم الذي احتل قروناً طويلة مكان الصدارة بين الفضائل، وفقد شيئاً من مكانته السابقة.
ولم تكن الليبرالية، بوصفها الخطاب المهيمن، تميل إلى الحديث عن العدالة، في حين أن الماركسية، التي ادعت الدفاع عنها، قدمت لها، في ظل تجاربها العنيفة، صورة منفرة.
لكن مع ظهور جون رولز في النصف الثاني من القرن العشرين، عادت العدالة إلى مركز الفلسفة السياسية الحديثة.
ويرى رولز أن العدالة هي أسمى الفضائل الاجتماعية، وأن مكانتها في المجال الاجتماعي وتنظيم المؤسسات والبنى الأساسية للمجتمع تضاهي مكانة الحقيقة في مجال العلوم والمعارف الإنسانية؛ فكما أن الحقيقة معيار لتقييم القضايا والمعارف الإنسانية وقبولها، فإن العدالة معيار للحكم على المجتمع حسن التنظيم.
العدالة في التراث الإسلامي
تحتل العدالة والمفاهيم المترادفة معها مكانة رفيعة في التراث الإسلامي؛ حتى إن بعض الباحثين يرى أنه لم يُؤكد في القرآن والسنة، بعد الإيمان بالله الواحد، على مبدأ ديني أو أخلاقي بالقدر نفسه الذي أُكد فيه على الصدق والمساواة والاعتدال، وذلك أولاً بسبب القيمة الذاتية لهذه المبادئ، وثانياً بوصفها استجابة للنظام الاجتماعي الذي كان سائداً قبل الإسلام ولم يكن يهتم بالعدالة أو كان اهتمامه بها محدوداً.
وقد ورد لفظا العدل والقسط في القرآن الكريم نحو خمسين مرة، كما توجد قرابة مئة آية تحث على العدل وما يرتبط به من مفاهيم.
كما أن نحو عُشر آيات القرآن الكريم تتناول موضوع الظلم بصورة مباشرة. وقد ورد لفظ الظلم ومشتقاته في أكثر من 290 آية، وتوجد أكثر من 350 آية تتناول هذا الموضوع بصورة مباشرة وصريحة.
ومع كثرة ورود هذه المفاهيم في القرآن الكريم، فقد غُفلت، ولا سيما في المجالين السياسي والاجتماعي.
ومن الناحية اللغوية، فإن كلمة العدل اسم مجرد مشتق من الفعل «عدل»، ويقابلها «الجور»، الذي يرتبط بمعاني الظلم والطغيان والانحراف.
وقد ذكر مجيد خدوري للعدل معاني عدة، منها:
- التقويم أو الاستقامة، والتعديل والإصلاح.
- الابتعاد والانفصال، أو الانتقال من الطريق الباطل إلى الطريق المستقيم.
- التساوي أو التكافؤ، والموازنة بين الأشياء.
- تحقيق التوازن وجعل الأشياء متساوية في الوضع.
- «العِدل» بالكسر بمعنى المثل أو الشبيه.
ووفقاً لابن منظور في لسان العرب، فالعدالة هي ما يستقر في الذهن بوصفه أمراً مستقيماً وصحيحاً، كما تعني الحكم والقضاء بالحق. والعادل هو الشخص الذي يُقبل قوله وحكمه.
ومن ثم فإن كل ما لا يكون مستقيماً أو منتظماً يُعد جوراً أو ظلماً.
ويرى خدوري أن مفهومي الصواب والخطأ، عندما يُستخدمان بأوسع معانيهما ويشملان القيم الأخلاقية والدينية، يكونان متضمنين في مصطلحي العدل والجور.
فالعدل في اللغة العربية، بمعنى الصواب والاستقامة، يرتبط بمفاهيم الإنصاف والاعتدال. ومن ثم فإن المعنى اللغوي للعدل في العربية الكلاسيكية يجمع مجموعة من القيم الأخلاقية والاجتماعية، منها الإنصاف والتوازن والاعتدال، وفي نهاية المطاف الاستقامة والصواب.
العدالة عند الفارابي
استخدم الفيلسوف المسلم الكبير الفارابي مفهوم العدالة في المعاني التالية:
- الخاصية الجوهرية للنظام الحاكم في الكون.
- مراعاة الأهلية والاستحقاق والمراتب.
- الملكة الأخلاقية في الفرد التي تدفعه إلى ممارسة الفضائل الأخلاقية.
- الاعتدال وتجنب الإفراط والتفريط.
- التوزيع المتساوي للخيرات العامة المشتركة في المدينة، مثل الأمن والصحة والكرامة والمراتب.
العدالة أساساً للشرعية
تظهر العدالة في هذه الروايات بوصفها شرطاً ضرورياً للحكم الرشيد، ويمكن، في مجموعها، استنباط مفهوم الشرعية القائمة على العدالة منها.
ومن جهة أخرى، وكما يتضح من الروايات المذكورة، ترتبط العدالة بسائر أبعاد الشرعية وتستوعبها.
فالعدل، بما أنه يقوم على الحق والاستقامة، يتجسد في القانون والمعايير الاجتماعية، وينتج عنه نوع من الشرعية القانونية والمعيارية.
كما أنه، بسبب ما يوجده من رضا لدى الناس، يتضمن الشرعية القائمة على الرضا، ومن خلال توسيع الرفاه والتنمية يؤدي إلى تعزيز الشرعية الوظيفية.
وبعبارة أخرى، فإن صفة «حسن المجموع» التي تتضمنها العدالة تستوعب سائر أبعاد الشرعية.
فالعدالة تغطي الجوانب الشكلية والوظيفية والمضمونية، وتُلزم الحكومات بالأطر المعيارية والقانونية.
ومن هنا يمكن لنظرية الشرعية القائمة على العدالة أن تجمع بين المقاربة الفلسفية والمقاربة السوسيولوجية للشرعية، وأن تسهم في تجاوز الاضطراب القائم في فهم هذا المفهوم.
النتيجة
تُعدّ الشرعية من المفاهيم المحورية في العلوم الاجتماعية، وقد حاول المفكرون في هذا المجال تفسيرها في إطار مقاربتين كبيرتين: فلسفية وسوسيولوجية.
وقد أدى الإصرار على الفصل بين هاتين المقاربتين إلى نوع من الاضطراب في تبرير الشرعية وتفسيرها، حتى إن أحد الباحثين يرى أن الشرعية تبدو معلقة ومترددة بين مجموعتين منفصلتين وغير مترابطتين من النصوص.
وفي الفكر الغربي، ولا سيما بعد فيبر وتحت تأثيره، غلبت المقاربة السوسيولوجية، الأمر الذي دفع علماء الاجتماع إلى تفسير علاقات السلطة القائمة بمعزل عن أبعادها المعيارية والفلسفية.
كما تُختزل الشرعية في كثير من الأحيان إلى عامل واحد، في حين يبدو أنه إذا كانت الشرعية تعني حق الحكام في الحكم، وما يترتب عليه من واجب أخلاقي على الرعية في الطاعة، فإن أياً من الأسس أو الأبعاد المذكورة لا يستطيع بمفرده أن ينشئ هذا الحق وهذا الواجب.
ولهذا تتعامل النظريات الحديثة في الفكر الغربي عادةً مع الشرعية بوصفها أمراً متعدد الأبعاد والمستويات، يتأثر بعوامل مختلفة.
غير أن هذه النظريات لم تتمكن أيضاً من الوصول إلى تبرير كامل ومعيار عام للشرعية.
وتتمثل دعوى هذه المقالة في أن مفهوم العدالة، بالنظر إلى ما ينطوي عليه من «حسن المجموع»، يمكن أن يقدم أساساً للشرعية، وأن يستوعب الأبعاد السابقة.
كما أن مفهوم الشرعية القائمة على العدالة، إلى جانب كشفه عن جوانب جديدة من الشرعية، يمكن أن يقرب بين المقاربتين الفلسفية والسوسيولوجية، ويوفق بين النظريات القائمة، ويقدم تصوراً أكثر شمولاً.
إضافة إلى ذلك، فإن جعل العدالة شرطاً للشرعية يمكن أن يبرز الجوانب الأخلاقية للسياسة، ويرتقي بمنطق الحكم والطاعة.
أما نظريات الشرعية في الفكر الشيعي، فقد ركزت بدرجة أكبر على كيفية انعقاد الحكومة، وأكدت التنصيب أو اختيار الحاكم.
ومن هذا المنظور، ترتبط الشرعية بشخص الحاكم ولحظة وصوله إلى السلطة. كما يركز هذا التصور بصورة أساسية على الإجراءات والأشكال، ولا يولي اهتماماً كافياً للبنية والمضمون.
ويبدو أن اعتماد العدالة بوصفها شرطاً ضرورياً للشرعية، وإن لم تكن بالضرورة شرطاً كافياً، يمكن أن يسهم في استكمال النظريات القائمة.
إن المكانة المهمة التي تحتلها العدالة في الإسلام، ولا سيما في التراث الشيعي، وما يرتبط بها من مباحث فقهية وكلامية، يمكن أن تشكل سنداً نظرياً لنظرية الشرعية القائمة على العدالة.
فالعدالة في التراث الشيعي تحتل مكانة رفيعة، حتى أُدرجت ضمن أصول الدين، وجاءت إلى جانب التوحيد، وأصبحت من أبرز السمات المميزة للمذهب الشيعي.
ويتميز الشيعة عن سائر الفرق الإسلامية بمفهومي العدالة والإمامة. وكلما تحدث الشيعة عن الحكومة المثالية أكدوا على الإمام العادل، كما أن أهم خصائص الحكومة الموعودة في الفكر الشيعي في آخر الزمان تتمثل في نشر العدل في العالم.
فإذا كان الحرمان من حضور الإمام المعصوم أمراً لا مفر منه في عصر الغيبة، فينبغي الاستناد إلى الركن الآخر من هذا التصور، أي إقامة الحكم على أساس العدل.
وعلى الرغم من أهمية العدالة في أبعادها السياسية والاجتماعية، فإن البحث التفصيلي فيها كان محدوداً نسبياً، وكانت معظم التصورات تركز على العدالة الفردية، مثل عدالة الإمام والخليفة والسلطان والحاكم والقاضي وإمام الجماعة وغيرهم.
ويبدو أن غلبة الأنظمة السياسية الاستبدادية من جهة، والخوف من انعدام الأمن وانهيار النظام الاجتماعي من جهة أخرى، أديا تدريجياً إلى إعطاء الأولوية للقوة والأمن، ودفعا بالعدالة إلى المجالات الفردية الأقل خطراً.
وهكذا، بدلاً من دراسة العدالة في المجال السياسي والاجتماعي، حُصرت في مباحث أخلاقية وكلامية وفقهية فردية معقدة، وغُفلت أبعادها السياسية والاجتماعية.
ومن هذا المنظور، فإن توسيع وتوضيح التصور السياسي والاجتماعي للعدالة والحكومة العادلة، والانتقال من العدالة الفردية إلى العدالة المرتبطة بالنظام، يمكن أن يشكل سبيلاً إلى تفسير أكثر دقة للشرعية في الفكر الشيعي.
فإذا كان الفقه الشيعي يربط شرعية الحاكم والقاضي وإمام الجماعة والشاهد وغيرهم بالعدالة، فلماذا لا يُفعل الأمر نفسه في المجال السياسي والاجتماعي، بحيث تُربط شرعية الحكومة بالعدالة المضمونية، ويُجعل حق الحكم وواجب الطاعة ثمناً لعدالة الحكومة؟
وبطبيعة الحال، يتطلب ذلك جهداً مستمراً لصياغة نظريات دقيقة للعدالة، وتحديد المبادئ التي ينبغي أن تحكم المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية في المجتمع، وتلزمها بها.
وكما أشرنا، فإن مفهوم العدالة في الفكر اليوناني والإسلامي يتضمن مجموعة من الفضائل. ولذلك فهو مفهوم عام يشمل مفاهيم مثل المساواة، والحق، وسيادة القانون، والصدق، والاعتدال، والجدارة، والإنصاف.
ومن هذه الجهة، يمكن استخدام العدالة معياراً عاماً لتقييم الحكومات.
فالعدالة بهذا المعنى تفتح الطريق للانتقال من الشرعية الشكلية والإجرائية والفردية إلى الشرعية المضمونية، وتنقل اهتمام المراقبين من الشكل إلى المضمون.
الهوامش
- Originating consent.
- Joining consent.
- Result-based legitimacy.
- Substantive legitimacy.
- Legality, justification, consent.
- Weak or basic legitimacy.
- Strong or full legitimacy.
النصوص الواردة في الهوامش
[8] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. (النساء: 58)
[9] «وإن حقكم عليه إنصافكم، والتعديل بينكم، والكف عنكم، فإذا فعل ذلك وجبت طاعته بما وافق الحق، ونصرته على سيرته».
[10] ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. (الشورى: 15)
[11] ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. (الحديد: 25)
[12] ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. (المائدة: 8)
[13] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. (النحل: 90)
[14] ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. (النحل: 76)
[15] «العدل ميزان الله في الأرض، فمن أخذه قاده إلى الجنة، ومن تركه ساقه إلى النار».
[16] «ملاك السياسة العدل».
[17] «العدل فضيلة السلطان».
[18] «العدل أقوى أساس».
[19] «بالعدل تصلح الرعية، العدل يصلح البرية، صلاح الرعية العدل».
[20] «لن تُحَصَّنَ الدول بمثل استعمال العدل فيها، يحكم العدل نظام الأمر، العدل جُنَّة الدول، من عمل بالعدل حصّن الله ملكه».
[21] «في العدل الاقتداء بسنة الله وثبات الدول».
[22] «الناس يستغنون إذا عُدل بينهم».
[23] «ما عُمّرت البلدان بمثل العدل».
[24] «بالعدل تتضاعف البركات».
[25] «إمام عادل خير من مطر وابل».
[26] «إذا بُني الملك على قواعد العدل ودعائم العقل نصر الله مواليه وخذل معاديه».
[27] «فأصبحتم الباءَ لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصحّ لكم فيهم».
[28] «إنما يراد من الإمام قسطه وعدله؛ إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز».
المراجع
- ابن طاووس، رضي الدين، كشف المحجة لثمرة المهجة، النجف: منشورات المطبعة الحيدرية، 1370هـ ش.
- ابن طاووس، علي بن موسى، مقتل الحسين عليه السلام المسمى باللهوف في قتلى الطفوف، طهران: دار الأسوة، 1417هـ ق.
- ابن طقطقي، محمد بن علي بن طباطبا، تاريخ فخري، ترجمة محمد وحيد گلپايگاني، ط2، طهران: بنگاه ترجمه و نشر کتاب، 1360هـ ش.
- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، 1414هـ ق.
- أخوان كاظمي، بهرام، العدالة في الأفكار السياسية للإسلام، قم: بوستان كتاب، 1386هـ ش.
- الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، بيروت: دار الأضواء، 1403هـ ق.
- أرسطو، السياسة، ترجمة حميد عنايت، ط3، طهران: انتشارات وآموزش انقلاب إسلامي، 1371هـ ش.
- آل سيد غفور، سيد محسن، المكانة السياسية للعالم الديني في المدرستين الأخبارية والأصولية، قم: بوستان كتاب، 1384هـ ش.
- بيتهام، ديفيد، إضفاء الشرعية على السلطة، ترجمة محمد عابدي أردكاني، يزد: جامعة يزد، 1382هـ ش.
- التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، قم: دار الكتاب الإسلامي، 1410هـ ق.
- حائري اليزدي، مهدي، الحكمة والحكومة، لندن: شادي، 1995م.
- خدوري، مجيد، تصور المسلمين للعدالة، ترجمة مصطفى يونسي وصمد ظهيري، قم: جامعة المفيد، 1394هـ ش.
- دلشاد طهراني، مصطفى، دولة الشمس، طهران: خانه اندیشه جوان، 1377هـ ش.
- زرگري نژاد، غلام حسين، رسائل المشروطة، طهران: كوير، 1377هـ ش.
- الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ترجمة محمد باقر الموسوي الهمداني، قم: الدفتر الإسلامي، دون تاريخ.
- فوستر، مايكل ب.، أرباب الفكر السياسي، ترجمة جواد شيخ الإسلام، طهران: علمي ـ فرهنگي، 1373هـ ش.
- فیرحي، داود، «الشيعة ومسألة الشرعية: بين النظرية والنص»، مجلة كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران، العدد 57، 1381هـ ش.
- فیرحي، داود، النظام السياسي والدولة في الإسلام، طهران: سمت، 1382هـ ش.
- فیرحي، داود، الفقه والسياسة في إيران المعاصرة، طهران: ني، 1393هـ ش.
- القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1985م.
- الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب، الكافي، طهران: دار الحديث، 1430هـ ق.
- مجتبائي، فتح الله، مدينة أفلاطون الجميلة والملكية المثالية في إيران، طهران: جمعية الثقافة الإيرانية القديمة، 1352هـ ش.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء، 1983م.
- محمدي الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، قم: دار الحديث.
- مسجد جامعي، محمد، مقدمات الفكر السياسي في مجال التشيع والتسنن، طهران: الهدى.
- مسكوب، شاهرخ، إرمغان مور: بحث في الشاهنامة، طهران: نشر ني، 1384هـ ش.
- مطهري، مرتضى، الإسلام وحاجات العصر، طهران: المؤسسة العلمية والثقافية للأستاذ الشهيد مرتضى مطهري، 1381هـ ش.
- مطهري، مرتضى، مبادئ الاقتصاد الإسلامي، طهران: حكمت، 1409هـ ق.
- ميل، جون ستيوارت، رسالة في الحرية، ترجمة جواد شيخ الإسلام، ط4، طهران: علمي ـ فرهنگي، 1375هـ ش.
- النائيني، محمد حسين، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، تحقيق سيد جواد ورعي، قم: بوستان كتاب، 1382هـ ش.
- النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم: آل البيت، 1364هـ ش.
- نهج البلاغة، ترجمة جعفر شهيدي، ط9، طهران: علمي ـ فرهنگي، 1375هـ ش.
- واعظي، أحمد، نقد ودراسة نظريات العدالة، قم: مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1388هـ ش.
- فيبر، ماكس، الاقتصاد والمجتمع، ترجمة عباس منوچهري ومهرداد ترابي نجاد ومصطفى عمادزاده، طهران: سمت، 1384هـ ش.
المراجع الأجنبية
Beetham, David. (1991). Max Weber and the Legitimacy of the Modern State. Analyse & Kritik 13, 1991, pp. 34–45.
Buchanan, Allen. (2004). Justice, Legitimacy, and Self-Determination: Moral Foundations for International Law. Oxford: Oxford University Press.
Coicaud, Jean-Marc. (2004). Legitimacy and Politics: A Contribution to the Study of Political Right and Political Responsibility. Translated and edited by David Ames Curtis. Cambridge University Press.
Gilley, Bruce. (2009). The Right to Rule: How States Win and Lose Legitimacy. New York: Columbia University Press.
Hardin, Russell. (2007). “Compliance, Consent, and Legitimacy.” In The Oxford Handbook of Comparative Politics, edited by Carles Boix and Susan C. Stokes. Oxford University Press.
Hume, David. (1987). “Of the Original Contract.” In Hume’s Essays, Moral, Political, and Literary, edited by Eugene F. Miller. Liberty Fund, Inc.
Johnston, David. (2009). “A History of Consent in Western Thought.” In The Ethics of Consent: Theory and Practice, edited by F. Miller and A. Wertheimer. Oxford: Oxford University Press.
Lipset, Seymour M. (1993). “The Social Requisites of Democracy Revisited: 1993 Presidential Address.” American Sociological Review, Vol. 59, No. 1, February 1994, pp. 1–22.
Morris, Christopher. (2008). “State Legitimacy and Social Order.” In J. Kuhnelt (ed.), Political Legitimization without Morality? Springer Science+Business Media.
Musonda, M. Anthony. (2006). Political Legitimacy: The Quest for the Moral Authority of the State: A Philosophical Analysis. LMU Bibliothek, München.
Parkinson, John. (2006). Deliberating in the Real World: Problems of Legitimacy in Deliberative Democracy. Oxford University Press.
Peter, Fabienne. (2010). “Political Legitimacy.” In Stanford Encyclopedia of Philosophy.
Peters, B. G. (2011). “Bureaucracy and Democracy: Towards Result-Based Legitimacy?” In J.-M. Eymeri-Douzans and J. Pierre (eds.), Administrative Reforms and Democratic Governance. London: Routledge.
Rawls, John. (1990). A Theory of Justice. Harvard University Press.
Rawls, John. (2005). Political Liberalism. Columbia University Press.
Rawls, John. (2007). Lectures on the History of Political Philosophy. Cambridge: Harvard University Press.
Raz, Joseph. (1983). Essays on Law and Morality: The Authority of Law. Oxford University Press, USA.
Simmons, John. (2001). Justification and Legitimacy: Essays on Rights and Obligations. Cambridge University Press.
Walzer, Michael. (1982). Obligations: Essays on Disobedience, War, and Citizenship. 4th ed. Cambridge, Mass.