مفهوم الذکاء عبر الثقافات المختلفه
وربما کانت من أولیات محاولات استکشاف مفهوم الذکاء فی الثقافات غیر الغربیه دراسات وبر فی السبعینیات من القرن الماضی، حیث درس مفهوم الذکاء لدى قطاعات مختلفه فی المجتمع الأوغندی فی ذلک الوقت.
وقد وجد اختلافاً فی مفهوم الذکاء لدى السکان فی القرى البدائیه بین وصف الشخص بأنه "ذکی" من ناحیه، وصفه بأنه سریع الاستجابه Swift ورزین، اقتصر مفهوم الذکاء لدى السکان فی المدن والأکثر ارتباطا بطرق التفکیر الغربیه على سرعه الاستجابه، کذلک وجد وبر أن مسلمی أوغندا ربطوا بین کون الشخص ذکیاً وکونه لطیفاً، ونبیلاً، واجتماعیاً. وقد تأکد هذا البعد الاجتماعی للذکاء فی دراسه أجراها جیل وکیتس سنه ۱۹۸۰، حیث کان مُمیزاً للطلاب المالیزیین عند مقارنتهم بنظرائهم الأسترالیین. وفی دراسه لاحقه قارن کیتس بین مفهومی الذکاء عند الأسترالیین والصینین، وقد وجد أن الشخص الذکی – حسب المفهوم الصینی للذکاء – هو شخص یتحمل المسؤولیه، وعملی، ویتصرف بشکل لائق اجتماعیاً. إلا إن هذا النموذج لا یعطی أهمیه کبرى للقدرات النقدیه أو الاستکشافیه. ومن ناحیه أخرى، وجد کیتس أن الشخص الذکی – حسب المفهوم الأسترالی للذکاء – هو شخص ذو مهارات عالیه فی اللغه والاتصال وحل المشکلات والاستدلال المنطقی ولدیه حب للاستطلاع وقدره نقدیه عالیه، کما کان الإنجاز الأکادیمی مکوناً رئیسیاً فی مفهوم الذکاء لدى الأسترالیین.
وهکذا فإن الثقافات الشرقیه تدخل القیم الاجتماعیه واستدماج الأعراف والتقالید کجزء أساسی من الذکاء على عکس الثقافات الغربیه التی تمیل إلى تأکید الجانب المعرفی وجانب التحصیل الأکادیمی فی الذکاء. وتتأکد هذه النتائج السابقه فی العدید من الدراسات. ففی دراسه أجراها أوکاجاکی وسترنبرغ العام ۱۹۹۲ على مفهوم الذکاء لدى آباء الأطفال الأمریکیین من أصول آسیویه ولاتینیه، وجدا أن الآباء من جمیع الجماعات العرقیه – ماعدا جماعات البیض الرئیسیه السائده فی الولایات المتحده – یرون أن خصائص مثل الواقعیه، والمهارات الاجتماعیه، والمهارات العلمیه فی المدرسه هی مؤشرات أهم من حیث الدلاله على مستوى الذکاء من مجرد الأداء الأکادیمی. کذلک درس نیفو وبن قادر العام ۱۹۹۵ مفهوم الذکاء لدى أمهات الأطفال السنغافوریین من الهنود والصینین والمالیزیین.
وقد وجدا أن مفهوم الذکاء یشمل – بالإضافه إلى العوامل المعرفیه والتفاعل الاجتماعی – ما یُسمى کیاسو Kiasu وهو مفهوم یعبر عن جوانب السلوک المقبوله فی المجتمع مثل التروی والأدب والطاعه. وکما هی الحال فی دراسات ووبر وکیتس التی سبقت الإشاره إلیها، کانت الأمهات المالیزیات یضعن وزنا أکبر للعوامل الأخلاقیه کجزء من مکونات الذکاء مثل "الاحترام الأکبر سنا" و"معرفه الصواب من الخطا"، على حین کانت الأمهات الصینیات یضعن وزنا أکبر لعوامل الدافعیه ومعاییر الإنجاز، على الرغم من أن الأمهات الهندیات – تلیهن المالیزیات – کن الأکثر تأکیدا على الجوانب المعرفیه والأکادیمیه.
ومن الوسائل التی تلقی الضوء على مفهوم الذکاء فی الثقافات المختلفه أسلوب التقییم الذاتی Self estimation، حیث یُطلب من المفحوصین تقدیر ارتفاع أو انخفاض مستواهم فی القدرات المختلفه، وذلک بافتراض أن الناس یمیلون إلى المبالغه فی حجم أدائهم فیما یتعلق بالقدرات أو المهارات التی تعتبر أجزاء أساسیه فی مفهوم الذکاء فی مجتمعاتهم. ومن الدراسات الحدیثه فی هذا الصدد دراسه قام بها فرنهام وموتابو عام ۲۰۰۴، حیث قارنا بین التقدیرات الذاتیه للذکاء لدى عینه من ۱۱۸ طالبا مصریا و۱۵۱ طالبا بریطانیا.
وقد أظهرت النتائج أن تقدیرات کل من الطلبه المصریین والبریطانیین لذکائهم الکلی کانت متقاربه للغایه، کذلک اشترکت المجموعتان فی نتیجه أساسیه تتعلق بالفروق بین الجنسین: فقد کان الذکور من المصریین والبریطانیین یقدرون ذکاءهم بشکل أعلى من تقدیر الإناث. وعلى الرغم من ذلک، فقد أظهرت المجموعتان اختلافا واضحاً فیما یتعلق بتقدیراتهما لمستوى قدراتهما على المکونات الفرعیه المختلفه للذکاء.
ففی حین کان تقدیر المصریین لذکائهم أعلى من البریطانیین فیما یتعلق بالقدرات اللفظیه والسمعیه والقدره على التهجی وطلاقه الکلمات والسرعه الإدراکیه، کان تقدیر البریطانیین لذکائهم أعلى من المصریین فیما یتعلق بالقدرات المیکانیکیه والقدره على إنتاج الأفکار الجدیده. وهی نتائج ربما تعکس تباینا فی أهمیه هذه القدرات الفرعیه للذکاء بین المجتمعین المصری والبریطانی، واتساقا مع طبیعه کل من المجتمعین.
أظهرت النتائج کذلک أن المصریین – بوجه عام – یمیلون إلى تقدیر ذکاء والدیهم تقدیرا أعلى من تقدیر البریطانیین، على أنه من المهم أن نلاحظ أن هذه الدراسه سعت إلى دراسه الفروق الثقافیه فی تقدیر کل من المصریین والبریطانیین لذکائهم من منظور غربی. فهی أولا حصرت جوانب الذکاء التی تُقدَّر فی تلک الجوانب المتضمنه فی قائمه کاتل المکونه من ۲۰ جانباً للذکاء، والتی تقوم على نظریه غربیه للذکاء.
ومن ناحیه أخرى، فإن العینه المصریه التی حُصِلَ على بیاناتها فی هذه الدراسه کانت عینه متحیزه، ربما لا تمثل الثقافه المصریه تمثیلاً حقیقیاً، إذ تکونت من طلاب وطالبات تلقوا تعلیماً ذا نوع غربی لفتره طویله، إلى الحد الذی جعل ترجمه قائمه کاتل أمرا غیر ضروری؛ نظراً لإجاده هؤلاء الطلاب اللغه الإنجلیزیه إجاده عالیه حسب ما ورد فی الدراسه.
وعلى هذا افتقرت دراسه فرنهام وموتابو إلى فهم عمیق لمفهوم الذکاء فی الثقافه المصریه، وذلک لافتقادها البعد الأنثروبولوجی فی تقدیر الذکاء. ومن أبرز الدراسات التی حاولت دراسه تعمق مفهوم الذکاء فی المجتمعات غیر الغربیه الدراسه التی قامت بها ألین غریغورنیکو وزملاؤها فی العام ۲۰۰۱ حول مفهوم الذکاء لدى شعب لوو Luo people، وهی جماعه بدائیه تعیش على الزراعه وصید الأسماک فی قریه أوغینغو Ugingo على شواطئ بحیره فیکتوریا غربی کینیا.
وقد اختیر ۸۶ طفلا (۴۳ ذکرا و۴۳ أنثى) للمشارکه فی هذه الدراسه، حیث قدرت جماعه أخرى من أفراد القریه ذکاء وخصائص هؤلاء الأطفال. وقد انقسم هؤلاء الأفراد الذین قاموا بالتقییم إلى ثلاث جماعات فرعیه: الأولى جماعه رفاق وأصدقاء الأطفال، حیث طلب من أصدقاء ورفاق کل طفل تقدیر ذکائه وقدراته، على حین کانت المجموعه الثانیه تتکون من معلمی الأطفال المشارکین فی التجربه.
أما المجموعه الثالثه التی قدرت ذکاء الأطفال فقد تکونت من راشدین على معرفه بهم. وبالإضافه إلى ذلک طبق على هؤلاء الأطفال اختباران للمفردات (واحد لقیاس اللغه المحلیه وتسمى لغه الدهولو Dholou، والآخر للغه الإنجلیزیه، وهی اللغه الرسمیه للدوله والمستخدمه فی المدارس). واختبار رافن للمصفوفات المتتابعه. وقد أشارت النتائج إلى وجود أربعه مفاهیم رئیسیه للذکاء لدى شعب اللو: الأول هو مفهوم الریکو Rieko، ویعبر عن المهاره والمعرفه والقدره والکفاءه، وهو مفهوم یکاد یکون مقابلاً لمفهوم الذکاء فی الغرب، کما أنه یتمیز بثنائیه أخلاقیه، فهو یمکن أن یستخدم فی الخیر (لعلاج الأمراض مثلا) أو فی الشر (مثل استخدام السحر فی القتل).
أما المفهوم الثانی فهو اللورو Luro، ویعبر عن الخصائص الاجتماعیه مثل الاحترام والعنایه بالآخرین والطاعه والاستعداد للمشارکه مع الآخرین. وهو دائماً ذو قیمه أخلاقیه موجبه. وعند المقارنه بین الأهمیه النسبیه لکل من اللورو والریکو، یمیل أفراد شعب اللو إلى تفضیل اللورو. واللورو یمکن النظر إلیه کثنائی القطب من الناحیه العملیه، فهو تسلطی عندما یشیر إلى الطاعه، والنظام، وهو تعاونی عندما یشیر إلى الاستعداد للمشارکه والمساعده وإلى الشعور بالتعاطف مع الآخرین.
أما المکون الثالث فهو مفهوم بارو Paro، ویشیر إلى عملیات التفکیر وإلى الطبیعه الإجرائیه للذکاء. فهو یشیر إلى عملیات التفکیر التی یقوم بها الفرد من أجل التعرف على المشکله والاستجابه لها وإیجاد حل ملائم. کذلک یتضمن البارو الاستجابات الابتکاریه، ویتضمن التفرقه بین أنواع التفکیر لدى الرجال والنساء. ویشیر المکون الرابع، وهو وینجو Winjo، إلى فهم ما هو ملائم أو غیر ملائم لموقف معین. فهو مثلا فهم ما ینبغی أن یُقال فی موقف معین، أو فهم ما یمکن استنتاجه من هذا الموقف.
ویشیر هذا التحلیل – بوجه عام – إلى أن مفهومین من هذه المفاهیم، وهما ریکو وبارو، یتفقان مع المفهوم الغربی للذکاء، فی حین أن المفهومین الآخرین وهما لورو ووینجو یؤکدان على نواحی العلاقات الشخصیه والمهارات الاجتماعیه. وقد تأکد هذا الفهم فی ضوء نتائج التحلیل العاملی لتقدیرات کل من الأصدقاء والمعلمین والراشدین ذوی الصله بالأطفال المشارکین فی الدراسه، حیث وجد الباحثون عاملین أساسیین یفسران معظم التباینات فی تقدیرات کل واحده من المجموعات الثلاث، وهما عامل الکفاءه المعرفیه Cognitive competence، وعامل الکفاءه الاجتماعیه – الانفعالیه Social – emotional competence. ومن الواضح أن العامل الأول أقرب إلى مفهومی ریکو وبارو، أی إلى المفهوم الغربی للذکاء، فی حین أن العامل الثانی أقرب إلى مفهومی لورو ووینجو وإلى مفهوم اجتماعی سیاقی له.
وتشیر هذه الدراسه والدراسات الأخرى التی سبق تناولها إلى أهمیه دراسه مفهوم الذکاء فی الثقافات المختلفه لإثراء هذا المفهوم والتعرف على منظورات مختلفه فی فهمه، مما یقدم منظورا أشمل وادق له. ومن ناحیه أخرى یشیر هذا الاتّجاه إلى أهمیه تقییم کل إنسان فی إطار المفهوم الضمنی السائد عن الذکاء (والقدرات الفرعیه المکونه له) السائد فی ثقافته. فالإصرار على مفهوم واحد ومحکات عامه للذکاء لدى الناس فی جمیع الثقافات یمکن أن ینتج عنه تقدیر إنسان ما على أنه غیر ذکی، فی حین أنه یتمیز بالذکاء فی ضوء حاجات مجتمعه وخصائصه.
وهکذا فهناک حاجه إلى بناء اختبارات للذکاء تقیس المهارات التوافقیه المهمه داخل سیاق حضاری معین، وهی ما یطلق علیها أحیاناً الاختبار ذات الصله بالثقافه Culture relevant test ومن أمثله هذه الاختبارات اختبار "اصنع شخصا" Make – a – person test، الذی صممه کاثوریا وسیربل العام ۱۹۹۸ لقیاس ذکاء الأطفال فی زامبیا، حیث یُطلب من الأطفال عمل أشکال تشبه الإنسان من الصلصال، بحیث تحاکی صورهٌ قدمت له من قبل لمده ۳۰ ثانیه، وهو اختبار یعتمد على الصلصال، وهو ماده شائعه فی زامبیا وأکثر تلاؤما مع ما هو متاح لأطفال القبائل هناک. ومن أبرز هذه الاختبارات – کذلک – اختبار المعارف العشبیه Herbal knowledge Inventory (HKI) الذی صممه سترنبرغ وزملاؤه عام ۲۰۰۱ لقیاس ذکاء أطفال شعب اللوو. وهو اختبار یقیس معارف مهمه وذات أهمیه توافقیه لهذا الشعب (کالمعرفه بأنواع الأعشاب وخصائص کل منها)، کما أنه متسق مع مفهوم الذکاء الشائع لدى هذا الشعب. وتشکل هذه الاختیارات نقله مهمه من نقد اختبارات الذکاء الموجوده والمشتقه فی الأغلب من اختبارات مأخوذه من الحضاره الغربیه، إلى بناء اختبارات مصممه للثقافات الأخرى. إلا أن هناک حاجه إلى مزید من الجهد من أجل تحدید أسس هذه الاختبارات وفنیات بنائها.