أنواع المدرکات

0

النوم أمر طبیعی، حاصل لکل حی، وما یراه الإنسان النائم أیضاً أمر طبیعی، فهو المنفذ إلى عالم سوى عالم الکائنات. لذا، نستنتج طبیعیاً أن: "ما جاز فی النوم لا یمتنع فی غیره من الأحوال" (ص ۱۸۳). التجربه هی التی تدعونا إلى الاعتقاد أن الإنسان مکون من ثلاثه عناصر (الجسم والنفس والعقل)، وأن النفوس البشریه غیر متکافئه.
هناک نفس العالم، ونعنی به هنا من یجیل نظره فی عالم الحوادث. وهناک نفس أعلى، نفس الولی الذی یستطیع أن یمکث طویلاً فی ذلک العالم غیر المرئی الذی لا نلمحه عاده إلا من حین إلى حین ولمده قصیره عن طریق الرؤیا. وذلک العالم الذی یطلع علیه الولی هو عالم التکوین. وهناک نفس من نوع ثالث أعلى من السابقه، تمتاز علیها بکونها تستطیع بفطرتها أن تنسلخ بالمره عن الإنسانیه وتمکث فی العالم المحجوب عنا مکوثاً أطول وتدرکه إدراکاً أتمّ. فتذهب من عالم التکوین إلى عالم العناصر. وتلک النفس هی نفس الأنبیاء (ص ۱۷۰). فعلوم الأنبیاء، خلافاً لعلوم الأولیاء وأحرى علوم العقلاء من البشر، "علوم شهاده وعیان، لا یلحقها خطأ ولا زلل، بل المطابقه فیها ذاتیه". (ص ۸۴۶). وهذا الانتقال من عالم المرئیات إلى عالم المحجوب والمستور هو الوحی "الذی یعنی فی اللغه الإسراع" (ص ۱۵۹).
هذا مجرد احتمال نستخلصه من تجربه الرؤیا. متى قبلناه سلمنا بأن عالم البشر هو جزء فقط من عالم أوسع، نصطلح على تسمیته بعالم الأرواح أو عالم الملائکه (۸۴۴). وبما أنه غیر ممتنع عقلاً فلنسمع فی شأنه لما یقوله لنا عنه بعض الأولیاء، مع شیء من التحفظ لأن ما یخبرون به یمس فی الغالب الجزئیات والخاصیات، مما قد یصعب تأویله وربطه بقواعده. ولنسمع فیه بالأصل وبدون تحفظ لما یخبرنا به عنه الأنبیاء المرسلون، إذ لا وسیله لنا غیرهم لمعرفه ما هو خارج مدرکاتنا.
بناءاً على هذا نستطیع أن نمیز المدارک إلى أنواع ثلاثه: الحسیه والعقلیه واللدنیه. المدارک هنا هی المسالک، طرق العلم، لا المضامین والمعارف. إذا نظرنا إلى هذه الأخیره میزنا بین علوم نقلیه وأخرى عقلیه وثالثه لدنیه. العلوم النقلیه حسیه من جهه المسلک، إذ نتلقاها عن طریق السمع، ولدنیه من جهه الأصل والمضمون، بما أنها تأتینا عن طریق الوحی. هذا التداخل بین النظر إلى العلوم من جهه المسلک ومن جهه المضمون هو ما أدّى بابن خلدون فی موضع آخر إلى الکلام على أربعه أحوال أو أطوار: الطور الجسمانی أولاً، ثم عالم النوم ثانیاً، ثم حاله النبوه ثالثاً، ثم حاله الموت رابعاً، أو بعباره أخرى: حاله الیقظه والوعی، ثم حاله النوم، ثم حاله الوحی، ثم حاله المعاد. ویقول إن الطورین الأولین، أی الیقظه والنوم، شاهدهما وجدانی، وحاله النبوه شاهدهما المعجزه، وحاله المعاد، أی ما بعد الموت، شاهدها الوحی والتنزیل (ص ۸۵۶).
لکل علم أو نوع من العلوم مسلک وماده وحامل. الأنبیاء هم الذین یعلمون، ویخبرون عن، أحوال المعاد، عما ینتظرنا بعد انفصال الروح عن الجسد وانقطاع علاقتنا بعالمنا عن طریق الحواس. ویعلمون ما یخبرون به عن طریق الوحی. مسلکهم للعلم خاص بهم لأن نفسهم مفطوره لتصیر "فی لمحه ملکاً بالفعل" (ص ۱۷۰) وتعلم بالوحی "الکائنات المغیبه عن البشر التی لا سبیل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم" (ص ۱۵۹).
یأتی بعد الأنبیاء الأولیاء، وعلوم هؤلاء دون علوم أولئک. یوسعون نطاق الإدراک البشری بالتجرید المتواصل، بکونهم یموتون قبل موتهم، فیتصلون بعالم غیر المرئی. طریقهم إلى العلم الخاص بهم هو صدق التوجه وحرص الإقبال والانسلاخ عن حاله البشر. ما یمیزهم عن الأنبیاء أنهم یصلون بالصناعه إلى ما یصل إلیه الأنبیاء بالفطره (ص ۱۷۱). إلا أن توجهم یفتح لهم آفاقاً لا حدّ لها، فیدلوننا على أن غیر المدرک أوسع بکثیر من المدرک لدینا. وکما أن الرؤیا شأن طبیعی فوجود الأولیاء بیننا طبیعی، بل مغزى اجتهادهم هو الدلیل على أن سبیلهم مفتوح لکل إنسان إذا صدق عزمه وحسنت نیته.
ونصل أخیراً إلى مستوى العلماء بالمعنى العادی، أصحاب العلوم التصوریه التصدیقیه، وکلها "خیالی منحصر نطاقه" (ص ۱۷۰). مسلکهم إلى العلم هو الخیال "القوه التی تمثل الشیء المحسوس فی النفس کما هو مجرد عن المواد الخارجه فقط" (ص۱۶۹)، المقابل لمسلکی الکشف الخاص بالأولیاء والوحی الخاص بالأنبیاء. العلماء هم الحاملون للعلوم، وبالضبط العلوم البشریه، المخالفه لعلوم الملائکه حیث یتحد العقل والعاقل والمعقول (ص ۸۴۴). العلوم البشریه هی المتعلقه بعالم البشر، عالم الحوادث والوقائع، والمکتسبه من مسلک بشری.

Leave A Reply

Your email address will not be published.