آیه التطهیر وعصمه أهل البیت (ع)
و أداء حقّ الآیه فی التفسیر ، یتوقف على البحث عن النقاط التالیه:
۱ ـ ما هو المراد من الرّجس؟
۲ ـ هل الإراده فی الآیه ، إراده تکوینیه خاصه بأهل البیت ، أو تشریعیه
تعمّ کلّ إنسان بالغ واقع فی إطار التکلیف؟
۳ ـ مَن المراد من أهل البیت؟
۴ ـ مشکله السیاق فی الآیه لو کان المراد منهم غیر نسائه ـ صلوات الله علیه
وآله وسلم ـ .
۵ ـ أهل البیت فی حدیث النبی ، الذی یکون مفسّراً لإجمال الآیه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره الأحزاب: الآیه ۳۳٫
**********
الصفحه ۱۲۶
والبحث عن هذه الأُمور یحوجنا إلى تألیف مفرد ، وهو خارج عن وضع کتابنا (۱) ، إلاّ أنّ المهم هنا هو الترکیز على أنّ الإراده فی الآیه تکوینیه ، خاصه بأهل البیت ، ولیست تشریعیه ، وأمّا المقصود من أهل البیت ، فقد تقدّمت
المأثورات فیهم عند البحث عن حدیث الثقلین.
الإراده تکوینیه لاتشریعیه إنّ انقسام ارادته سبحانه إلى القسمین المذکورین ، من الانقسامات الواضحه ، ومجمل القول فیهما أنّه إذا تعلقت إرادته سبحانه على إیجاد شیء وتکوینه فی صحیفه الوجود ، فالإراده تکوینیه لا تتخلف عن المراد.
قال سبحانه : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَیْئًا أَنْ یَقُولَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ} (۲).
و أما إذا تعلّقت بتشریع حکم وقانون ، لفرض عمل المکلّف به ، فالإراده تشریعیه ، ومتعلّقها هو التشریع ، وأمّا امتثال المکلف فهو من غایات التشریع ، ربما یقع ویترتب علیه ، وربما ینفک عنه.
و القرائن تدلّ على أنّ المراد هنا هو الأوّل من الإرادتین ، بمعنى أنّ إرادته سبحانه ، تعلّقت على إذهاب الرجس عن أهل البیت وتطهیرهم من کل شیء یتنفر منه ، على غرار تعلق إرادته بإیجاد الأشیاء فی صحیفه الوجود
و الذی یدلّ على ذلک أُمور:
۱ـ إنّ الإراده التشریعیه لا تختص بطائفه دون طائفه ، بل هی تعمّ
المکلّفین عامه ، یقول سبحانه ، بعد أمره بالوضوء والتیمم عند فقدان الماء:
{ وَلَکِنْ یُرِیدُ لِیُطَهِّرَکُمْ وَلِیُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَیْکُمْ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ} (۳).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – قد أفاض الشیخ الأُستاذ الکلام فی هذه المواضیع فی موسوعته التفسیریّه ، مفاهیم القرآن : ج ۵ ،
ص ۲۱۵ ـ ۳۲۲٫
(۲) – سوره یس: الآیه ۸۲٫
(۳) – سوره المائده: الآیه ۶٫
**********
الصفحه ۱۲۷
ولکنّه سبحانه خصّص إرادته فی الآیه المبحوث عنها ، بجمع خاص ، تجمعهم کلمه أهل البیت ، وخصّهم بالخطاب وقال{ عَنْکُمْ … أَهْلَ الْبَیْتِ } ، أی لا غیرکم ، فتخصیص الإراده بجمع خاص على الوجه المذکور ، یمنع من
تفسیرها بالتشریعیه.
۲ـ إنّ العنایه البارزه فی الآیه المبارکه ، أقوى شاهد على أنّ المقصود هو التکوینیه ، لوضوح أنّ تعلّق الإراده التشریعیه لا یحتاج إلى العنایات التالیه:
أ ـ ابتداء سبحانه کلامه بلفظ الحصر ، وقال: { إِنَّمَا } ، ولا معنى للحصر
إذا کانت تشریعیه ، لعمومها لکلّ مکلّف.
ب ـ عیّن تعالى متعلّق إرادته بصوره الاختصاص ، فقال : { أَهْلَ الْبَیْتِ } ، وهو منصوب على الاختصاص (۱). أی أخصّکم أهل البیت.
ج ـ قد بیّن متعلق إرادته بالتأکید ، وقال بعد قوله: { لِیُذْهِبَ عَنْکُمْ الرِّجْسَ } ، ( لیطهرکم ) .
د ـ قد أکّده بالإتیان بمصدره بعد الفعل ، وقال: { وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا } ،
لیکون أوفى فی التأکید.
هـ ـ إنّه سبحانه قد أتى بالمصدر نکره ، لیدلّ على الإکبار والإعجاب ، أی تطهیراً عظیماً معجباً.
و ـ إنّ الآیه فی مقام المدح والثناء ، فلو کانت الإراده تشریعیه ، لما ناسب الثناء والمدح.
و على الجمله : العنایه البارزه فی الآیه ، تدلّ بوضوح على أنّ الإراده فی المقام تغایر الإراده العامه المتعلقه بکلّ إنسان حاضر ، أوباد. وللمحقّقین من الشیعه الإمامیه کلمات وافیه حول الآیه تلاحظ فی مواضعها (۲).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – الاختصاص من أقسام المنادى ، یقول ابن مالک:
الاختصاص کنداء دون یا * کأیّها الفتى بإثر ارجونیا
(۲) – تفسیر التبیان : للشیخ الطوسی ، ( ت ۳۸۳ ـ م ۴۶۰) ، ج ۸ ، ص ۳۴۰٫ ومجمع البیان :
=
**********
الصفحه ۱۲۸
فالإراده فی الآیه الشریفه ، نظیر الإراده الوارده فی الآیات التالیه:
{ وَنُرِیدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّهً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ} (۱).
{ وَیُرِیدُ اللَّهُ أَنْ یُحِقَّ الْحَقَّ بِکَلِمَاتِهِ وَیَقْطَعَ دَابِرَ الْکَافِرِینَ} (۲).
{ وَمَنْ یُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِکَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَیْئًا أُوْلَئِکَ الَّذِینَ لَمْ یُرِدْ اللَّهُ أَنْ یُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِی الدُّنْیَا خِزْیٌ وَلَهُمْ فِی الآخِرَهِ عَذَابٌ عَظِیمٌ} (۳).
وأمّا دلالتها على العصمه : فتظهر إذا اطّلعنا على أنّ المراد من الرجس هو القذاره المعنویه لا المادیه. توضیح ذلک : إنّ الرجس فی اللغه هو القذر (۴) ، وقد یعبّر به عن الحرام ، والفعل القبیح ، والعذاب ، واللعن ، والکفر ، قال
الزجاج : « الرّجس ـ فی اللغه ـ کل ما استقذر من عمل ، فبالغ الله فی ذمّ أشیاء سماها رجساً » . وقال ابن الکلبی : « رجس من عمل الشیطان ، أی مأثم » (5).
والمتفحص فی کلمات أئمه أهل اللغه ، والآیات الوارده فیها تلک اللفظه ، یصل إلى أنّها موضوعه للقذاره التی تنفر منها النفوس ، سواء أکانت مادیه کما فی قوله تعالى: { إِلاَّ أَنْ یَکُونَ مَیْتَهً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِیرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسٌ } (۶) . أو معنویه کما فی الکافر وعابد الوثن ، وصنمه ، قال سبحانه:
{ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ } (۷).
ــــــــــــــــــــــــــــ
=
للشیخ الطبرسی ، ( ت ۴۷۱ ـ م ۵۴۸) ، ج ۴، ص ۳۰۷٫ وریاض السالکین : للسیّد علی المدنی (م ۱۱۱۸)، الروضه 47، ص ۴۹۷٫
(۱) – سوره القصص: الآیه ۵٫
(۲) – سوره الأنفال: الآیه ۷٫
(۳) – سوره المائده: الآیه ۴۱٫
(۴) – مقاییس اللغه : ج ۲، ص ۴۹۰، ولسان العرب : ج ۶ ص ۹۴٫
(۵) – لسان العرب : ج ۶، ص ۹۴٫
(۶) – سوره الأنعام: الآیه ۱۴۵٫
(۷) – سوره الحج: الآیه ۳۰٫
**********
الصفحه ۱۲۹
وقال سبحانه : { کَذَلِکَ یَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِینَ لاَ یُؤْمِنُونَ} (۱).
فلو وصف العمل القبیح بالرجس ؛ فلأنّه عمل قذر ، تتنفر منه الطباع السلیمه.
وعلى ضوء هذا ، فالمراد من الرّجس فی الآیه ، کلّ عمل قبیح عرفاً أو شرعاً ، لا تقبله الطباع ، ولذلک قال سبحانه بعد تلک اللفظه : { وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا } ، فلیس المراد من التطهیر ، إلاّ تطهیرهم من الرجس المعنوی الذی
تعدّ المعاصی والمآثم من أظهر مصادیقه.
وقد ورد نظیر الآیه فی حق السیّده مریم ، قال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاکِ وَطَهَّرَکِ وَاصْطَفَاکِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِینَ} (۲).
ومن المعلوم أنّ تعلّق الإراده التکوینیه على إذهاب کلّ رجس وقذاره ، وکلّ عمل منفّر عرفاً أو شرعاً ، یجعل مَن تعلّقت به الإراده، إنساناً مثالیاً ، نزیهاً عن کل عَیْب وشَیْن ، ووصمه عار (۳).
إلى هنا ظهر بوضوح أنّ العصمه شرط للإمام بالمعنى الذی یتبنّاه الإمامیه فی مجال الإمامه ، والآیتان الأولیان تدلاّن على عصمه الإمام مطلقاً ، والآیه الثالثه تدلّ على عصمه أهل البیت الذین نزلت فیهم الآیه ، وفسّرت فی غیر واحد من
الروایات ، وهم مَن کان إماماً وخلیفهً للرسول کعلی والحسنین ـ علیهما السَّلام ـ ، ومَن کانت طاهرهً مطهّرهً کالسیّده فاطمه الزهراء ـ علیها السَّلام ـ ، وإن لم تکن إماماً .
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره الأنعام: الآیه ۱۲۵٫
(۲) – سوره آل عمران: الآیه ۴۲٫
(۳) – وحول الآیه أبحاث لطیفه ، فمَن أراد التبسّط فلیرجع إلى المصدر الذی تقدّم الإیعاز إلیه.