الحوار فی القرآن الکریم

0

 
کذلک الحوار الذی تم بین إبراهیم وابنه إسماعیل علیهما السلام حین أراد أن یذبحه تنفیذاً لأمر الله.
کما نجد أنّ القرآن الکریم حفل بحوار الأنبیاء علیهم السلام مع أقوامهم، کحوار نوح ولوط وصالح وهود وشعیب وغیرهم من الأنبیاء علیهم الصلاه والسلام.
وکثره الحوار فی القرآن الکریم تدل على أهمیته الشدیده فی سبیل إحقاق الحق وإبطال الباطل وجلاء الحقائق.
والمتأمل فی الحوار بالقرآن الکریم یلاحظ أنه یتسم بأمور عده من أهمها:
۱- تقدیم الأدله والبراهین من أجل إقناع الطرف الآخر:
فالمتتبع للحوار فی القرآن الکریم یلاحظ کثره تقدیم الأدله والبراهین والحجج من أجل إقناع الطرف الآخر وإزاله الشبه والملابسات فی سبیل الوصول إلى الحق. فهذا نبی الله صالح (ع) یقدم دلیلاً لقومه على صدق دعواه، بخروج ناقه من صخره صماء عیّنوها بأنفسهم قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ یَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَکُمْ مِنْ إِلَهٍ غَیْرُهُ قَدْ جَاءَتْکُمْ بَیِّنَهٌ مِنْ رَبِّکُمْ هَذِهِ نَاقَهُ اللَّهِ لَکُمْ آیَهً فَذَرُوهَا تَأْکُلْ فِی أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَیَأْخُذَکُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ) (الأعراف/ ۷۳).
قال ابن کثیر – رحمه الله –: (أی قد جاءتکم حجه من الله على صدق ما جئتکم به).
کذلک یطالب القرآن الکریم من الطرف الآخر تقدیم الأدله والبراهین لإثبات صحه دعواه، ومثال ذلک قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ یَدْخُلَ الْجَنَّهَ إِلا مَنْ کَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْکَ أَمَانِیُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِینَ) (البقره/ ۱۱۱).
۲- إنّ الحوار فی القرآن الکریم یتسم بالتنوع ویشمل جمیع أوجه الحیاه:
فأحیاناً یتناول الحوار ترسیخ معانی العقیده والوحدانیه لله سبحانه وتعالى کمحاوره نوح علیه السلام لقومه، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّی لَکُمْ نَذِیرٌ مُبِینٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّی أَخَافُ عَلَیْکُمْ عَذَابَ یَوْمٍ أَلِیمٍ) (هود/ ۲۵-۲۶). وتاره یتناول الحوار أموراً اقتصادیه کمحاوره شعیب علیه السلام لقومه قال تعالى: (وَإِلَى مَدْیَنَ أَخَاهُمْ شُعَیْبًا قَالَ یَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَکُمْ مِنْ إِلَهٍ غَیْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِکْیَالَ وَالْمِیزَانَ إِنِّی أَرَاکُمْ بِخَیْرٍ وَإِنِّی أَخَافُ عَلَیْکُمْ عَذَابَ یَوْمٍ مُحِیطٍ * وَیَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِکْیَالَ وَالْمِیزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْیَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِی الأرْضِ مُفْسِدِینَ) (هود/ ۸۴-۸۵).
وتاره یتناول أموراً اجتماعیه وأخلاقیه، کمحاوره لوط (ع) لقومه، قال تعالى: (قَالَ یَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِی هُنَّ أَطْهَرُ لَکُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِی فِی ضَیْفِی أَلَیْسَ مِنْکُمْ رَجُلٌ رَشِیدٌ) (هود/ ۷۸).
وتاره یتناول أموراً تربویه تعلیمیه، کمحاوره موسى (ع) للعبد الصالح قال تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَیْنَاهُ رَحْمَهً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُکَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْرًا * وَکَیْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِی إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِی لَکَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِی فَلا تَسْأَلْنِی عَنْ شَیْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَکَ مِنْهُ ذِکْرًا) (الکهف/ ۶۵-۷۰). وهکذا یتسم الحوار فی القرآن الکریم بالتنوع والشمول.
 3- البعد عن المماراه والمشاحنه والتعصب والمغالطات:
فهو حوار یهدف إلى الوصول للحق، کما أنّه یتّسم بالتجرد وعدم التعصب لوجهه النظر مسبقاً، والإعلان عن الاستعداد التام للوصول إلى الحقیقه، ومثال ذلک: محاوره الرسول (ص) للمشرکین، حیث قال (ص) فی محاورته لهم – کما جاء فی سوره سبأ –: (وَإِنَّا أَوْ إِیَّاکُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِی ضَلالٍ مُبِینٍ) (سبأ/ ۲۴).
وفی هذا دلاله عظیمه على نشدان الحقیقه أنّى کانت، والبعد عن التعصب والتجرد التام من أجل الوصول إلى الحق.
 4- إنصاف الخصم:
من السمات الواضحه فی محاوره القرآن الکریم: (المحافظه على حق الخصم وإنصافه من کل وجه، سواء أکان المحاور الذی یمثله القرآن شخصاً مؤمناً عادیاً أم کان شخصَ نبیٍّ من الأنبیاء) ویتجسد هذا الإنصاف فی الأمور الآتیه:
أ. احترام الطرف الآخر: فمهما بلغ الخصم من الضعف فی رأیه والخطأ فی محاورته نجد أنّ القرآن الکریم یحاوره دون أذى أو تسفیه أو تحقیر أو نحو ذلک، مما یفسد القلوب ویهیج النفوس ویورث الحقد. ومثال ذلک محاوره من أنکر البعث وقدره الله فی إحیاء الموتى، قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِیَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ یُحْیِی الْعِظَامَ وَهِیَ رَمِیمٌ * قُلْ یُحْیِیهَا الَّذِی أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّهٍ وَهُوَ بِکُلِّ خَلْقٍ عَلِیمٌ * الَّذِی جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَیْسَ الَّذِی خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ یَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِیمُ) (یس/ ۷۸-۸۱).
فالمتأمل فی الرد على المنکرین للبعث یلاحظ ورود أدله متعدده تبرهن على قدره الله التامه على إحیاء الموتى وإحیاء العظام وهی رمیم، دون تسفیه آراء المنکرین أو شتمهم أو الانتقاص منهم.
ب. إعلان المساواه للخصم: "وهی درجه أعلى من حمایه الخصم أو عدم إیذائه، حیث نلمس فی محاورات القرآن إشعار الخسم بمساواته مع محاوره أثناء المحاوره، وهذا یعدّ قمه العداله حیث یشعر الخصم أنه مساوٍ لخصمه".
ومثال ذلک قوله تعالى: (قُلْ یَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى کَلِمَهٍ سَوَاءٍ بَیْنَنَا وَبَیْنَکُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِکَ بِهِ شَیْئًا وَلا یَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران/ ۶۴).
قال ابن کثیر – رحمه الله – فی قوله تعالى: (سواء بیننا وبینکم، أی عدل ونصف نستوی نحن وأنتم فیها). فهی دعوه إلى أمر لا یتمیز فیه أحد على الآخر فی شیء وهذا قمه المساواه والإنصاف للخصم.
 5- تحدید الهدف والغایه:
یهتم القرآن الکریم بإبراز الهدف والغایه من الحوار، فالحوار دون هدف واضح یؤدی إلى الجدل العقیم وتضییع الوقت، لذلک نجد أنّ السمه العامه للحوار فی القرآن الکریم هی التدرج للوصول إلى أهداف وغایات محدده. ومثال ذلک محاوره إبراهیم (ع) للمشرکین فی عبادتهم للکواکب قال تعالى: (وَکَذَلِکَ نُرِی إِبْرَاهِیمَ مَلَکُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِیَکُونَ مِنَ الْمُوقِنِینَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَیْهِ اللَّیْلُ رَأَى کَوْکَبًا قَالَ هَذَا رَبِّی فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِینَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّی فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ یَهْدِنِی رَبِّی لأکُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّینَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَهً قَالَ هَذَا رَبِّی هَذَا أَکْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ یَا قَوْمِ إِنِّی بَرِیءٌ مِمَّا تُشْرِکُونَ * إِنِّی وَجَّهْتُ وَجْهِیَ لِلَّذِی فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِیفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِکِینَ) (الأنعام/ ۷۵-۷۹).
فقد بین علیه السلام أنّ هذه الکواکب والقمر والشمس لا تصلح إلهاً فهی مخلوقات مسخره لا تملک لنفسها نفعاً ولا ضراً، ثمّ أعلن براءته من عبادتهم لها، ثمّ بین لهم أنّ المستحق للعباده هو الله الذی خلق السماوات والأرض مدبر الکون الذی بیده ملکوت کل شیء.
وهکذا نجد أنّ إبراهیم (ع) حدد الهدف والغایه من الحوار وهو الوصول إلى الإله المستحق للعباده وإبطال عباده غیر الله.
 6- طلب الحق:
المتتبع للحوار فی القرآن الکریم – لا سیما بین الأنبیاء وأقوامهم – یلاحظ أنّه لا یتطلع إلى تحقیق هدف شخصی أو مصلحه ذاتیه أو غیر ذلک من الغایات التی تقع بین الناس. إنّما الهدف الأساس هو الوصول إلى الحق، وأولى الحقوق هو وحدانیه الله سبحانه وتعالى وتحقیق مصالح العباد فی الدارین الدنیا والآخره.
لذا نجد أنّ الأنبیاء علیهم الصلاه والسلام یوضحون لأقوالهم أثناء محاورتهم أن لا منفعه شخصیه ستعود علیهم، بل هدفهم هو تحقیق مصالح أقوامهم فی الدنیا والآخره، فهذا نبی الله هود (ع) یقول لقومه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِیعُونِ * وَمَا أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِیَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِینَ) (الشعراء/ ۱۲۶-۱۲۷).
کذلک نبی الله صالح (ع)، قال تعالى: (کَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِینَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّی لَکُمْ رَسُولٌ أَمِینٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِیعُونِ * وَمَا أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِیَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِینَ) الشعراء/ ۱۴۱-۱۴۵).
۷- مراعاه أحوال المخاطبین:
یتسم الحوار فی القرآن الکریم بمراعاه أحوال المخاطبین، ومعامله الخصم بما یتناسب مع أحواله الفکریه والاعتقادیه، فمحاوره المشرکین – فیما یتعلق بالبعث والنشور والیوم الآخر وإحیاء الموتى وبیان قدره الله – تختلف عن محاوره أهل الکتاب، إذ إن أهل الکتاب لا ینقصهم العلم والحجج والبراهین بخلاف المشرکین الذین یحتاجون إلى أدله وبراهین وحجج. کذلک محاوره المنافقین تتسم بالشده والغلظه علیهم، لأنّهم لا ینقصهم معرفه الحق ولا یخفى علیهم دلائل الهدى وإنما ینقصهم الالتزام بالإیمان والعمل به.
والمتأمل فی أوائل سوره البقره یلاحظ أن خطاب المنافقین اتسم بالغلظه والشده، بخلاف دعوه الناس إلى عباده الله فإنّها اتسمت بذکر الأدله والبراهین على استحقاق الله للعباده، قال تعالى: (یَا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ وَالَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَکُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقره/ ۲۱-۲۲).

Leave A Reply

Your email address will not be published.