محمّد (ص) المثل الأعلى
أما أنا فلا أستطیع أن أرى هذا الرأی أبداً ، ولو أنّ الکذب والغش یروجان عند خلق الله هذا الرواج ، ویصادفان منهم مثل ذلک التصدیق والقبول ، فما الناس إلا بُلّه ومجانین، وما الحیاه إلاّ سخف وعبث وأُضلوله ، کان الأولى بها أن لا تُخلق .
فوا أسفاه ! ما أسوأ هذا الزعم وما أضعف أهله وأحقّهم بالرثاء والرحمه !
وبعد ، فعلى مَن أراد أن یبلغ منزله ما فی علوم الکائنات أن لا یصدّق شیئاً البته من أقوال أولئک ؛ فإنّها نتائج جیل کفر ، وعصر جحودٍ وإلحاد ، وهی دلیل على موت الأرواح فی حیاه الأبدان ، ولعل العالم لم یرَ قط رأیاً أکفر من هذا وألأَم .
وهل رأیتم قط ، معشر الإخوان ، أنّ رجلاً کاذباً یستطیع أن یوجد دیناً ؟! إنّ الرجل الکاذب لا یقدر أن یبنی بیتاً من الطوب ! فهو إذا لم یکن علیماً بخصائص الجیر والجُص والتراب وما شاکل ذلک فما ذلک الذی یبنیه ببیت ، وإنّما هو تل من الأنّقاض ، وکثیب من أخلاط المواد ، نعم ، ولیس جدیراً أن یبقى على دعائمه اثنی عشر قرناً ، یسکنه مئتا ملیون من الأنفس ، ولکنّه جدیر أن تنهار أرکانه فینهدم فکأنّه لم یکن .
ثمّ إذا نظرت إلى کلمات العظیم ، شاعراً کان أو فیلسوفاً ، أو نبیاً ، أو فارساً ، أو ملکاً ، ألا تراها ضرباً من الوحی ! والرجل العظیم فی نظری مخلوق من فؤاد الدنیا وأحشاء الکون ، فهو جزء من الحقائق الجوهریه للأشیاء ، وقد دلّ الله على وجوده بعده آیات ، أرى أنّ أحدثها وأجدّها هو الرجل العظیم الذی علّمه الله العلم والحکمه ، فوجب علینا أن نصغی إلیه قبل کل شیء .
وعلى ذلک فلسنا نعدُّ محمّداً هذا قطّ رجلاً کاذباً متصنِّعاً یتذرّع بالحیل والوسائل إلى بغیه ، أو یطمح إلى درجه ملک أو سلطان ، أو غیر ذلک من الحقائر والصغائر ، وما الرساله التی أدّاها إلاّ حقّ صراح ، وما کلمته إلاّ صوت صادق صادر من العالم المجهول ، کلا ! ما محمّد بالکاذب ، ولا الملفّق ؛ وإنّما هو قطعه من الحیاه قد تفطر عنها قلب الطبیعه فإذا هی شهاب قد أضاء العالم أجمع ، ذلک أمر الله ، وذلک فضل الله یؤتیه مَن یشاء ، والله ذو الفضل العظیم ، وهذه حقیقه تدمغ کل باطل ، وتدحض حجّه القوم الکافرین .
العرب وصفه جزیره العرب :
کانت عرب الجاهلیه أمّه کریمه ، تسکن بلاداً کریمه ، وکأنّما خلق الله البلاد وأهلها على تمام وفاق ، فکان ثمّه شبه قریب بین وعوره جبالها ووعوره أخلاقهم ، وبین جفاء منظرها وجفاء طباعهم ، وکان یلطّف من قسوه قلوبهم مزاج من اللین والدماثه ، کما کان یبسط من عبوس وجوه البلاد ، ریاضٌ خضراء وقیعان ذات أمواه وأکلاء ، وکان الأعرابی صامتاً لا یتکّلم إلا فیما یعنیه ، إذ کان یسکن أرضاً قفراً یبابا خرساء ، تخالها بحراً من الرمل یصطلی جمره النهار طوله ، ویکافح بحرِّ وجهه نفحات القرّ لیلَه .
ولا أحسب أناساً شأنهم الانفراد وسط البید والقِفار ، یحادثون ظواهر الطبیعه ، ویناجون أسرارها إلاّ أن یکونوا أذکیاء القلوب ، حداد الخواطر ، خفاف الحرکه ثاقبی النظر ، وإذا صح أنّ الفرس هم فرنسیو المشرق ، فالعرب لا شکّ طلیانه ، والحقّ أقول لقد کان أولئک العرب قوماً أقویاء النفوس ، کأنّ أخلاقهم سیول دفّاقه ، لها من شدّه حزمهم وقوّه إرادتهم أحصنَ سور ، وأمنع حاجز ، وهذه ـ وأبیکم ـ أم الفضائل ، وذروه الشرف الباذخ ، وقد کان أحدهم یضیفه ألدّ أعدائه فیّکرم مثواه وینحر له ، فإذا أزمع الرحیل خلع علیه وحمله وشیّعه ، ثمّ هو بعد کل ذلک لا یحجم عن أن یقاتله متى عادت به إلیه الفرص ، وکان العربی أغلب وقته صامتاً ! فإذا قال ، أفصح .
ویزعمون أنّ العرب من عنصر الیهود ، والحقیقه أنّهم شارکوا الیهود فی مراره الجدّ ، وخالفوهم فی حلاوه الشمائل ، ورقه الظرف ، وفی ألمعیه القریحه ، وأریحیّه القلب ، وکان لهم قبل زمن محمّد (ع) منافسات فی الشعر ، یُجرونها بسوق عکاظ فی جنوب البلاد ، حیث کانت تقام أسواق التجاره ، فإذا انتهت الأسواق تناشد الشعراء القصائد ، ابتغاء جائزه تُجعل للأجود قریضاً ، والأحکم قافیه ، فکان الأعراب الجفاه ذوو الطباع الوعره ، یرتاحون لنغمات القصید ، ویجدون لرنّاتها أیه لذه ، فیتهافتون على المنشد کالفَراش ، ویتهالکون .
مولد محمّد ونشأته :
وکان بین هؤلاء العرب التی تلک حالهم ، أن ولد محمّد (ع) عام ۵۷۰ میلادیه ، وکان من أسره هاشم من قبیله قریش ، وقد مات أبوه عقب مولده ، ولما بلغ عمره سته أعوام توفّیت أمّه ـ وکان لها شهرهً بالجمال والفضل والعقل ـ فقام علیه جدّه وهو شیخ قد ناهز المئه من عمره وکان صالحاً باراً، وکان ابنه عبد الله أحبّ أولاده إلیه ، فأبصرت عینه الهرمه فی محمّد صوره عبد الله ، فأحبّ الیتیم الصغیر بملء قلبه ، وکان یقول : ینبغی أن یحسن القیام على ذلک الصبی الجمیل ، الذی قد فاق سائر الأسره والقبیله حُسناً وفضلاً ، ولمّا حضرت الشیخَ الوفاهُ والغلام لم یتجاوز العامین، عهد به إلى أبی طالب أکبر أعمامه ، رأس الأسره بعده ، فربّاه عمّه ـ وکان رجلاً عاقلاً کما یشهد بذلک کل دلیل ـ على أحسن نظام عربی .
صدق محمّد منذ طفولته :
ولُحظ علیه منذ فتائه أنّه کان شاباً مفکّراً ، وقد سمّاه رفقاؤه الأمین ـ رجل الصدق والوفاء ـ الصدق فی أفعاله وأقواله وأفکاره ، وقد لاحظوا أنّ ما من کلمه تخرج من فیه إلاّ وفیها حکمه بلیغه ، وإنّی لأعرف عنه أنّه کان کثیر الصمت ، یسکت حیث لا موجب للکلام ، فإذا نطق ، فما شئت ؛ من لبٍ ، وفضلٍ ، وإخلاص ، وحکمه ، لا یتناول غرضاً فیترکه إلاّ وقد أنار شبهته ، وکشف ظلمته ، وأبان حجّته ، واستثار دفینته ، وهکذا یکون الکلام وإلاّ فلا ، وقد رأیناه طول حیاته ، رجلاً راسخ المبدأ ، صارم العزم ، بعید الهمه ، کریماً ، براً رؤفاً ، تقیّاً فاضلاً حراً ـ رجلاً شدید الجد مخلصاً ، وهو مع ذلک سهل الجانب ، لیّن العریکه ، جم البشر والطلاقه ، حمید العِشره ، حلو الإیناس ، بل ربّما مازح وداعب .
محمّد بریء من الطمع الدنیوی :
ویزعم المتعصبون من النصارى والملحدون : أنّ محمّداً لم یکن یرید بقیامه إلاّ الشهره الشخصیه ، ومفاخر الجاه والسلطان ، کلاّ ـ وایم الله ـ لقد أکنّ فی فؤاد ذلک الرجل الکبیر ـ ابن القفار والفلوات ، المتوقد المقلتین ، العظیم النفس ، المملوء رحمه وخیراً ، وحناناً وبرّاً، وحکمه وحُجى ، وإربه ونهى ـ أفکار غیر الطمع الدنیوی ، ونوایا خلاف طلب السلطه والجاه .
ابتداء البعثه :
فلمّا کان فی الأربعین من عمره وقد خلا إلى نفسه فی غارٍ بجبل (حراء) قرب مکّه ، شهر رمضان ، لیفکر فی تلک المسائل الکبرى ، إذا هو قد خرج إلى خدیجه ذات یوم وکان قد استصحبها ذلک العام وأنزلها قریباً من مکان خلوته ، فقال لها : إنّه بفضل الله قد استجلى غامض السر ، واستثار کامن الأمر ، وأنّه قد أنارت الشبهه ، وانجلى الشک وبرح الخفاء وأن جمیع هذه الأصنام محال ولیست إلاّ أخشاباً حقیره ، وأنّ لا إله إلا الله وحده لا شریک له ، فهو الحقّ وکل ما خلاه باطل ، خلقنا ویرزقنا . وما نحن وسائل الخلق والکائنات إلاّ ظل له وستار یحجب النور الأبدی والرونق السرمدی ، الله أکبر ، ولله الحمد .
الوحی وجبریل :
فمن فضائل الإسلام : تضحیه النفس فی سبیل الله ، وهذا أشرف ما نزل من السماء على بنی الأرض ، نعم هو نور الله قد سطع فی روح ذلک الرجل ، فأنار ظلماتها ، هو ضیاء باهر ، کشف تلک الظلمات التی کانت تؤذن بالخسران والهلاک ، وقد سماه محمّد (ع) وحیاً و( جبریل ) ، وأیّنا یستطیع أن یُحدث له اسماً ؟! ألم یجیء فی الإنجیل أنّ وحی الله یهبنا الفهم والإدراک ؟ ولا شکّ أنّ العلم والنفاذ إلى صمیم الأمور وجواهر الأشیاء لسرّ من أغمض الأسرار ، لا یکاد المنطقیون یلمسون منه إلا قشوره ، وقد قال نوفالیس : ( ألیس الإیمان هو المعجزه الحقّه الداله على الله ؟! ) فشعور محمّد إذ اشتعلت روحه بلهیب هذه الحقیقه الساطعه ، بأنّ الحقیقه المذکوره هی أهم ما یجب على الناس علمه لم یکُ إلاّ أمراً بدیهیاً .
معنى کلمه محمّد رسول الله :
وکون الله قد أنعم علیه بکشفها له ، ونجّاه من الهلاک والظلمه وکونه قد أصبح مضطراً إلى إظهارها للعالم أجمع ـ هذا کله هو معنى کلمه (محمّد رسول الله) وهذا هو الصدق الجلی والحق المبین .
الرد على القائلین بأنّ الإسلام انتشر بالسیف :
وکانت نیه محمّد حتى الآن أن ینشر دینه بالحکمه ، والموعظه الحسنه فقط ، فلمّا وجد أنّ القوم الظالمین لم یکتفوا برفض رسالته السماویه ، وعدم الإصغاء إلى صوت ضمیره وصیحه لبّه ، حتى أرادوا أن یسکتوه فلا ینطق بالرساله ـ عزم ابن الصحراء على أن یدافع عن نفسه ، دفاع رجل ، ثمّ دفاع عربی ، ولسان حاله یقول : أمَا وقد أبت قریش إلا الحرب، فلینظروا أیّ فتیان هیجاء نحن ؟!
وحقاً رأى ! فإنّ أولئک القوم أغلقوا آذانهم عن کلمه الحقّ ، وشریعه الصدق ، وأبوا إلاّ تمادیاً فی ضلالهم یستبیحون الحریم ، ویهتکون الحرمات ، ویسلبون وینهبون ، ویقتلون النفس التی حرّم الله قتلها ، ویأتون کل إثم ومنکر، وقد جاءهم محمّد من طریق الرفق والأناه ، فأبوا إلاّ عتواً وطغیاناً، فلیجعل الأمر إذن إلى الحسام المهنّد ، والوشیج المقوّم ، وإلى کل مسروده حصداء ، وسابحه جرداء ، وکذلک قضى محمّد بقیه عمره ـ وهی عشر سنین أخرى ـ فی حرب وجهاد ، لم یسترح غمضه عین ، وکانت النتیجه ما تعلمون ؟
ولقد قیل کثیراً فی شأن نشر محمّد دینه بالسیف ، فإذا جعل الناس ذلک دلیلاً على کذبه فاشدّ ما أخطأوا وجاروا، فهم یقولون : ما کان الدین لینتشر لولا السیف ، ولکن ما هو الذی أوجد السیف ؟ هو قوه ذلک الدین وأنّه حق ، والرأی الجدید أوّل ما ینشأ یکون فی رأس رجل واحد ، فالذی یعتقده هو فرد ، فردٌ ضد العالم أجمع ، فإذا تناول هذا الفرد سیفاً وقام فی وجه الدنیا فقلما والله یضیع ، وأرى على العموم أنّ لحق ینشر نفسه بأیه طریقه ، حسبما تقتضیه الحال ، أو لم تروا أنّ النصرانیه کانت لا تأنف أن تستخدم السیف أحیاناً .. ؟! وحسبکم ما فعل شارلمان بقبائل السکسون ، وأنا لا أحفل أکان انتشار الحق بالسیف ، أم باللسان أو بأیه آله أخرى .
القرآن وإعجازه :
أمّا القرآن ، فإنّ فرط إعجاب المسلمین به وقولهم بإعجازه هو أکبر دلیل على اختلاف الأذواق فی الأمم المختلفه ، هذا وإنّ الترجمه تذهب بأکثر جمال الصنعه ، وسحن الصیاغه ، ولذلک لا عجب إذا قلت : إنّ الأوروبی یجد فی قراءه القرآن أکبر عناء ، فهو یقرؤه کما یقرأ الجرائد ، لا یزال یقطع فی صفحاتها قفاراً من القول المملّ المتعب ، ویحمل على ذهنه هضاباً وجبالاً من الکم ، لکی یعثر فی خلال ذلک على کلمه مفیده ، أمّا العرب فیرونه على عکس ذلک لما بین آیاته وبین أذواقهم من الملاءمه ، ولأنّ لا ترجمه ذهبت بحسنه ورونقه ، فلذلک رآه العرب من المعجزات وأعطوه من التبجیل ما لم یعطه أتقى النصارى لإنجیلهم .
وما برح فی کل زمان ومکان قاعده التشریع والعمل والقانون المتبع فی شؤون الحیاه ومسائلها ، والوحی المنزّل من السماء هدى للناس وسراجاً منیراً ، یضیء لهم سبل العیش ویهدیهم صراطاً مستقیماً ، ومصدر أحکام القضاه ، والدرس الواجب على کل مسلم حفظه ، والاستناره به فی غیاهب الحیاه ، وفی بلاد المسلمین مساجد یتلى فیها القرآن جمیعه کل یوم مرّه ، یتقاسمه ثلاثون قارئاً على التوالی ، وکذلک ما برح هذا الکتاب یرن صوته فی آذان الألوف ـ من خلق الله وفی قلوبهم ـ اثنی عشر قرناً فی کل آن ولحظه ، ویقال إنّ من الفقهاء من قرأه سبعین ألف مره !!
براءه محمّد من الشهوات وتواضعه وتقشّفه :
وما کان محمّد أخا شهوات ، برغم ما اتُّهم به ظلماً وعدواناً ، وشد ما نجور ونخطئ إذا حسبناه رجلاً شهویاً ، لا همّ له إلا قضاء مآربه من الملاذ . کلا ، فما أبعد ما کان بینه وبین الملاذ أیه کانت ، لقد کان زاهداً متقشفاً فی مسکنه ، ومأکله ، ومشربه ، وملبسه ، وسائر أموره وأحواله ، وکان طعامه عاده الخبز والماء ، وربما تتابعت الشهور ولم توقد بداره نار وإنّهم لیذکرون ـ ونعم ما یذکرون ـ أنه کان یصلح ویرفو ثوبه بیده ، فهل بعد ذلک مکرمه ومفخره ؟!
فحبّذا محمّد من رجل خشن اللباس ، خشن الطعام ، مجتهد فی الله قائم النهار ، ساهر اللیل دائباً فی نشر دین الله ، غیر طامح إلى ما یطمح إلیه أصاغر الرجال من رتبه أو دوله أو سلطان . غیر متطلعٍ إلى ذکر أو شهره کیفما کانت ، رجل عظیم وربّکم ! وإلاّ فما کان ملاقیاً من أولئک العرب الغلاظ توقیراً واحتراماً وإکباراً وإعظاماً ، وما کان یمکنه أن یقودهم ویعاشرهم معظم أوقاته ، ثلاثاً وعشرین حجّه وهم ملتفّون به یقاتلون بین یدیه ویجاهدون حوله . لقد کان فی هؤلاء العرب جفاءً ، وغلظه ، وبادره ، وعجرفیه ، وکانوا حماه الأنوف ، أباه الضیم ، وُعر المقَاده ، صعاب الشکیمه ، فمن قدر على ریاضتهم وتذلیل جانبهم حتى رضخوا له واستقادوا ؟! فذلکم وایم الله بطل کبیر ، ولولا ما أبصروا فیه من آیات النبل والفضل ، لما خضعوا له ولا أذعنوا ، وکیف وقد کانوا أطوع له من بنانه .
وظنّی أنه لو کان أتیح لهم بدل محمّد قیصر من القیاصره بتاجه وصولجانه لما کان مصیباً من طاعتهم مقدار ما ناله محمّد فی ثوبه المرقع بیده ، فکذلک تکون العظمه ، وهکذا تکون الأبطال .
تأثیر الإسلام على العرب وفضله علیهم :
ولقد أخرج الله العربَ بالإسلاممن الظلمات إلى النور , وأحیى به من العرب أمّه هامده وأرضاها مدّه ، وهل کانت إلاّ فئه من جواله الأعراب ، خامله فقیره تجوب الفلاه ، منذ بدء العالم ، لا یسمع لها صوت ولا تحسّ منها حرکه ، فأرسل الله لهم نبیاً بکلمه من لدنه ورساله من قبله ، فإذا الخمول قد استحال شهره ، والغموض نبهه ، والضعه رفعه ، والضعف قوه ، والشراره حریقاً ، وسع نوره الأنحاء وعمّ ضوء الأرجاء ، وعقد شعاعه الشمال بالجنوب ، والمشرق بالمغرب ، وما هو إلاّ قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدوله العرب رجل فی الهند ورجل فی الأندلس وأشرقت دوله الإسلام حقباً عدیده ودهور مدیده بنور الفضل والنبل ، والمروءه والبأس ، والنجده ، ورونق الحق والهدى على نصف المعموره .
وکذلک الإیمان عظیم وهو مبعث الحیاه ، ومنبع القوّه ، وما زال للأمّه رقی فی درج الفضل ، وتعریج إلى ذرى المجد ، ما دام مذهبها الیقین ومنهاجها الإیمان ، ألستم ترون فی حاله أولئک الأعراب ومحمّدهم وعصرهم ، کأنّما قد وقعت من السماء شراره على تلک الرمال ، التی کان لا یبصر بها فضل ، ولا یرجى فیها خیر ؟! فإذا هی بارود سریع الانفجار وما هی برمل میت ، وإذا هی قد تأججت واشتعلت ، واتصلت نیرانها بین غرناطه ودلهی .
ولطالما قلت : إنّ الرجل العظیم کالشهاب من السماء ، وسائر الناس فی انتظاره کالحطب ، فما هو إلاّ أن یسقط حتى یتأججوا ویلتهبوا !