المرأه بین خطاب الجسد والإغواء، والقیم المضاده للإباحیه
ولتلبیه الطلب المتزاید من الجمهور العریض المغفل عملت وسائل الدعایه على رفع وتیره العرض وحولت الجسد إلى ماده استهلاکیه متاحه قادره على إثاره الفضول وحب الاستکشاف والاستطلاع تحت ذریعه ((کل ممنوع مرغوب))، لأن المقدّس لایوجد إلا للخرق فی منظور الغرب، وهکذا تجری إعاده تشکیل تذوق الجمال عند الإنسان المعلوم لأسباب تجاریه، وباختصار یتم تقدیم المرأه الآن کجاریه عصریه تبیع مفاتنها للعامه، إمرأه تقایض شرفها بنظرات الرجال الجائعه الملیئه بالرغبه والغریزه.
وبهذا المعنى فإن المرأه لیست سوى ذلک الجسد الذی تتلصص علیه عیون المشاهدین.. جسد تنهشه النظرات، وتتطلع إلیه الرغبات.. جسد تسلٌط علیه الموضه آله تصویر شرهه تفترسه وتنفث فیه نار دعایه مسعوره.. جسد تستغله وسائل الإعلام وتمتهنه دور الإعلانات کماده لتثمین مفاتن المرأه ومنح جاذبیه أکثر لصورتها.
عملیات التبرج تجعل المرأه کائناً مظهریاً بامتیاز، أی کائن من أجل الآخر، ذلک أن التزیین یعد من جانب المرأه دعوه للغوایه ولعبتها الصامته فی الإغراء، فهو ذو بعد إیحائی واضح، فالوجه المجمّل وجه مستعار یصلح کمدخل لبوابه الرغبه والغوایه بحیث توجد بینه وبین الوجه الأصلی علاقه قرابه کتلک الموجوده بین ماده اللوحه واللوحه نفسها. أخطر من هذا لغه العین التی تقول فی التواصل الغوائی مالا یقوله اللسان، لهذا تحضرنا هنا حکمه غض البصر، ولهذا یتم فی الکثیر من الأحیان تحویل الوجه والعینین إلى جسد کامل فی الخطاب الإشهاری، ویتم اختزال الجسد بأکمله فی الوجه وتحویله إلى مشهد دائم للتواصل الإغرائی، وبما أن العین فی هذا الإطار تغدو حلقه الوصل بین الرغبه الباطنه وتعبیرها الإشهاری الرمزی، فإن زینه الوجه تشکّل بالنسبه للجسد صوره جدیده تتجاوز بکثیر الوظیفه التی یقوم بها اللباس بجمیع أشکاله.
لامساحه للنساء خارج الجسد فی الخطاب الفاضح، فالنساء هکذا دائماً لا یرین أبعد من أجسادهن. فحتى فنون الطبخ أصبح یقدمها الرجال ویعرضونها فی البرامج على الشاشه وعلى المرأه أن تعیش على الأکل الجاهز، ولا ولیمه لها غیر جسدها، أما اللباس فقد صارأکثر من سلوک، لقد أصبح لغه.
وما زال الخطاب الإشهاری یجهد نفسه ویسرف فی استحضار المرأه بوصفها ماده لإغراء الرجل باستعمال شتى أسالیب الإغراء والإکراه النفسی، بل یمکننا القول أن وسائل الإعلام حوّلت المرأه وصورتها إلى غوایه بتسلیط الأضواء على الأجسام العارضه والمعروضه على حساب العقول المفکره، فالمرأه فی هذا السیاق معروضه للبیع بالتقسیط وبالجمله، جسداً وصوتاً وطیفاً فی الإعلانات والأفلام وفی خلفیات ((الفیدیو کلیب)) وعلى هوامش برامج المنوعات، وکعلاقه ثیاب ولباس فی عروض الأزیاء عبر ثقافه المرأه إلى تنعیم بشرتها وتربیه شعرها.
فالصور فی الفضاء المفضوح لاتخفی وراءها أی شیء، هی مجرد أداه فنیه وجمالیه للإغراء السحری والفاتن للمشاهد حیث الخیال یسبق الواقع والتضلیل سابق على الحقیقه، لأن سلطه الإشهار تتکلم بمنطق الرغبه وهاجس الغرائز، أما الصور فهی لاتعکس واقعاً ولاتصور مشهداً، إنها تدل على ذاتها وکأنها سطح دون عمق ومرآه دون انعکاس وشاشه دون مشهد، هی سلعه معروضه للبیع لها قیمتها التجاریه التی تکتسبها من الربح فی السرعه وفی اللغه للحکم على کل شیء (الفعالیه ـ الجوده ـ إلخ) لأن فن الإشهار ضد منطق الکفاف، فهو یعتمد منطق الغنى بالشیء عوض الغنى عن الشیء.
على النساء أن یتساءلن: لماذا یقف الرجل الإعلامی بلباسه السابغ الساتر بینما تقف نظیرته المرأه إلى جانبه کغانیه؟ لماذا ترتدی المرأه الغربیه على السواحل ملابس السباحه بکل سهوله وتختلط مع الرجال لکنها إذا ذهبت لاقتناء ملابس فی محل ما فلا تجربه أمام الناس، بل تأخذ القطعه إلى مکان مخصص لقیاسها؟ والمرأه المسلمه المؤمنه ترتدی الحجاب حین خروجها من المنزل، لکنها تنزعه أمام بعلها لأنها تملک رصیداً من القیم المضاده للإباحیه تکسبها المناعه ضد الإنحلال. لماذا تُختصر المرأه فی دورها الاستعراضی المثیر للغرائز ویُلغى دورها الحضاری؟
الترکیز على الشکل فی الخطاب الفاضح لایعمل فقط على إلغاء المعنى بل یقتصر على إفقاره وإبعاده ویجعله رهن إشارته، لأن بلاغه الصوره تستوقف المشاهد لتثیر فیه الرغبه والاستجابه عبر الوظیفه الجمالیه التی ترمی بدورها إلى إثاره الذوق بهدف الترویج للبضاعه، والوظیفه الإباحیه للصوره التی هی تعبیر یغازل الوجدان ویغذیِ الأحلام وهی تروم إفشال الملکه النقدیه لدى المشاهد عبر استمالته لفعل الشراء. فلا غرابه إذا أشهر الغرب سلاح الزمن فی وجه المرأه، وسلٌط علیها سوط الشباب الدائم، فهی إما أن تبقى صبیه دائمه النضاره کی تحظى بمرکز الاهتمام، أو ترمى بقسوه على أقرب رف معتم تقاوم فیه شبح التجاعید، أو تسرع إلى اقتناء ما یعرض علیها من مواد الزینه والتبرج، لهذا نجد النساء فی الغرب یلهثن وراء الموضه حتى یطاردهن الرجال، لأن الموضه عند النساء هی التجدید، والتجدید بریق الشباب الذی تصبو إلیه المرأه دائماً، هکذا تنقلب الرذیله فی الموضه إلى فضیله حتى أن دهاء الفطنه یکاد یسقط أمام سخافه الموضه.
سوتیترات
* إن المرأه لیست سوى ذلک الجسد الذی تتلصص علیه عیون المشاهدین.. جسد تنهشه النظرات، وتتطلع إلیه الرغبات.. جسد تسلط علیه الموضه آله تصویر شرهه تفترسه وتنفث فیه نار دعایه مسعوره.. جسد تستغله وسائل الإعلام وتمتهنه دور الإعلانات کماده لتثمین مفاتن المرأه ومنح جاذبیه أکثر لصورتها.
* لامساحه للنساء خارج الجسد فی الخطاب الفاضح، فالنساء هکذا دائماً لایرین أبعد من أجسادهن. فحتى فنون الطبخ أصبح یقدمها الرجال ویعرضونها فی البرامج على الشاشه وعلى المرأه أن تعیش على الأکل الجاهز، ولا ولیمه لها غیر جسدها، أما اللباس فقد صارأکثر من سلوک، لقد أصبح لغه.