فلسفه التعلیم فی النظریات الغربیه ونقدها

0

تتناول (النظریه التوفیقیه) أهم الأرکان التی تبتنی علیها (المدرسه) فی النظام التعلیمی. فهذه النظریه تؤمن بأن المدرسه والنظام التعلیمی المشرف علیها تحفظ روحیه النظام الاجتماعی الحضاریه من خلال نقل معتقدات الآباء إلى أبنائهم، ونشر الثقافه العامه التی توحد توجهات المجتمع، وتطویر شخصیات الأفراد، وتأهیلهم للعمل التخصصی، وإثراء الثقافه الاجتماعیه، وتعلیم الأفراد إطاعه السلطه السیاسیه۱٫

فعلى صعید نقل معتقدات الآباء إلى أبنائهم، فان هذه النظریه تؤمن بأن المجتمع لا یمکن أن یحیا حیاه اجتماعیه طبیعیه دون أن تنتقل الثقافه والمعرفه من الجیل السابق إلى الجیل اللاحق. فالمدرسه تغذی أفراد المجتمع بشتى أنواع العلوم والمهارات والقیم، التی یعتبرها النظام الاجتماعی من الأولویات الأساسیه لبقائه ووجوده الحضاری. فتعلم لغه الوطن التی یتفاهم بها الفرد مع أقرانه، وجغرافیه الدوله التی یعیش فیها، وترکیبتها السکانیه والعرقیه تعتبر من أهم مکاسب النظام التعلیمی، حیث تنعکس فوائدها على النظام الاجتماعی کلیاً. وربما یعتبر الدفاع عن الدوله والنظام السیاسی من أهم ثمار شجره التعلیم.

وعلى صعید نشر الثقافه العامه التی توحد توجهات المجتمع الفکریه، فان المجتمعات الإنسانیه على الأغلب، تترکب من أقلیات عرقیه ودینیه متعدده تسکن أرضاً واحده. فلا یمکن توحید توجهات هذه الأقلیات ما لم یتم صهرها تحت سقف نظام تعلیمی واحد یستخدم لغه واحده."

وعلى صعید تطویر شخصیه الفرد، فان المدرسه تمنح الأفراد فرصه تعلم المهارات المهنیه التی تؤهلهم للاشتغال والاکتساب فی مستقبل حیاتهم، حیث تساهم هذه المدرسه فی منح الأفراد فرصه استخدام ما منحهم الخالق عز وجل من نعمه التفکیر وطاقه کامنه للإبداع والتطویر. ولکن المدرسه لا تضمن تخریج أفراد مثقفین بل إنها تسعى لتفتیح عقولهم الیافعه کما یساهم نسیم الربیع فی تفتیح براعم الأزهار… وذلک من خلال مساهمتها فی تعریف الفرد بنفسه وبالعالم المحیط به.

وعلى صعید تأهیل الأفراد للعمل التخصصی، تساهم المدرسه فی ضمان مستقبل الفرد المهنی ورفد النظام الاجتماعی والاقتصادی والسیاسی بالمتخصصین فی مختلف الحقول التی تحتاجها، فتضبط المدارس المتخصصه ـ کالطب والتمریض والهندسه والکیمیاء ونحوها ـ عدد الطلبه الذین یحتاجهم المجتمع حتى لا یحصل الاضطراب الفنی بتراکم الطلبه على اختصاص دون غیره.

وعلى صعید إثراء الثقافه الاجتماعیه والعلمیه، فان المؤسسات التعلیمیه تساهم بشکل أساسی فی زیاده المعرفه البشریه حول الحیاه والکون والإنسان، وتساعد الطالب على فهم تاریخه الإنسانی وحضارته ومجتمعه، وتفتح باباً للنقاش العلمی والنقد البناء، وتعطی الأساتذه والباحثین فرصاً واسعه لانجاز مختلف البحوث العلمیه فی شتى المعارف البشریه. وتعتبر الجامعات أعمده البحوث العلمیه النظریه التی تساهم فی وضع الفرضیات والنظریات وإقامه البراهین والأدله على صحه أو فساد فرضیات أو نظریات أخرى أنشأها علماء طبیعیون آخرون. ولما کانت الفکره الرأسمالیه تؤمن بتطویر منتوجاتها الصناعیه بشکل مستمر حتى تجد أسواقاً دائمیه لاستهلاکها، أصبحت الجامعات التجریبیه الغربیه العقل الرئیسی للمؤسسات الصناعیه الرأسمالیه العملاقه۲٫

وعلى صعید حقن الأفراد بأفکار تمجد بأهمیه النظام والسلطه السیاسیه، فان المؤسسات التعلیمیه تساهم بشکل فعال فی ترسیخ فکره النظام الاجتماعی وضروره احترامه، وأهمیه السلطه السیاسیه واحترام القانون، ووجوب الامتثال أمام المحاکمه القضائیه إذا طلب ذلک. وبالجمله، فان المدرسه تنشئ اعتقاداً لدى الفرد بأن النظام السیاسی إنما صمم أساساً لخدمه أفراد المجتمع جمیعاً، فلهم الحقوق التی أقرها القانون وعلیهم الواجبات التی کلفهم بها النظام الاجتماعی.

ولاشک أن النظریه التوفیقیه تطرح بدیهیات النظریه التعلیمیه دون أن تتطرق إلى دور الطبقات الاجتماعیه المتصارعه فی استخدام النظام التعلیمی کمطیه لتیسیر عملیه مسک زمام السلطه، وکسب الثروه، وتحقیق الرفعه الاجتماعیه. بمعنى أن النظریه التوفیقیه تتجاهل الحقائق التی تدین النظام التعلیمی فی الدوله الرأسمالیه، خصوصاً فیما یتعلق بطبیعه التعلیم وتصمیم المناهج الدراسیه. وتمضی هذه النظریه، ممارسات النظام التعلیمی الأمریکی فی القرنین الماضیین بخصوص حرمان الزنوج والهنود الحمر من حق التعلیم۳، وهو تناقض واضح فی مبتنیات تلک النظریه، لأن التعلیم المبنی على الأساس الطبقی والتمییزی لا یوحد المجتمع على الصعیدین الثقافی والتاریخی، کما تزعم تلک النظریه.

وقد تولت نظریه الصراع الاجتماعی نقد هذه النظریه التوفیقیه وکشف إفلاسها الفکری، فقالت بأن التعلیم عنصر مهم فی وضع الفرد الطبقی، لأن الفرد المتعلم یستطیع أن یحتل موقعاً أعلى فی السلم الاجتماعی من خلال وظیفته التی تحتاج إلى کمیه معینه من العلوم والاختصاصات۴٫ فالطبیب والمهندس مثلاً، یحتلان موقعاً اجتماعیاً أرفع من ذلک الذی یحتله العامل غیر الماهر.

ولاشک أن الآباء الأغنیاء من الطبقه العلیا ینظرون إلى مستقبل أبنائهم نظره خاصه تضمن لهم الوصول إلى الطبقه المسیطره. ولذلک، فإنهم یمهدون لهم طرقاً خاصه لتحقیق أحلامهم. ففی النظام التعلیمی البریطانی مثلاً، یدخل أبناء الطبقه الرأسمالیه المدارس الخاصه المعدوده المسماه بمدارس (القواعد النحویه)، التی تضمن لخریجیها مستقبلاً سیاسیاً مشرقاً وعضویه دائمه فی الطبقه الثریه. وفی روسیا، یدخل أبناء الوزراء وأعضاء الحزب الشیوعی المسیطرین على النظام السیاسی لفتره قریبه، مدارس خاصه بأبناء الطبقه العلیا. وفی أمریکا تتلون المدارس التعلیمیه بلون الطبقه الاجتماعیه التی ینتمی إلیها الفرد.

وتتهم نظریه الصراع، الطبقه الرأسمالیه بتکریس النظام التعلیمی الطبقی للحفاظ على مصالحها الحیویه فی السیطره على مقدرات النظام الاجتماعی، وتقدم دلیلاً على ذلک، وهو أن الطبقه الرأسمالیه تحصل دائماً على أعلى مستویات التعلیم، لأن الآباء یصرفون جزءاً کبیراً من أموالهم على وسائل التعلیم الخاصه بالطبقه الغنیه، وان الأبناء متفرغون للدرس والتحصیل. وهکذا یمتص النظام الاجتماعی أبناء الطبقه الفقیره کعمال، بینما یستوعب أبناء الطبقه الرأسمالیه کأفراد یحظون بأهمیه عظمى فی السلم الاجتماعی.

وأخیراً، فان النظام التعلیمی فی المجتمع الرأسمالی لا یحافظ على الوضع الطبقی فحسب، بل یجعل الطبقیه مسأله شرعیه، لأن النظریه الرأسمالیه ترى أن من حق الطبقه العلیا السیطره على النظام الاجتماعی لأنها تملک الثروه ووسائل الإنتاج الاقتصادی. وإذا ما نجحت المؤسسه التعلیمیه فی إقناع الفقراء بأن حقوق الطبقه الرأسمالیه فی الثراء وما یترتب علیها إنما هی حقوق عادله ـ لأن أمولهم قد جاءت عن طریق الجهد وعرق الجبین، وان الفرص متاحه لکل من أراد الثراء ـ نجح الرأسمالیون ـ عندئذٍ ـ فی السیطره على مقدرات النظام الاجتماعی بکل ما فیه من خیرات، والى أمد غیر محدود.

ولکن نظریه الصراع الاجتماعی لا یتم إلا بإنشاء صراع جدید آخر مع الطبقه الرأسمالیه. وتقع فی خطأ آخر عندما تتصور إنها تستطیع ـ مطلقاً ـ توحید الأجور والمکافآت الاجتماعیه للأدوار التی یقوم بها الأفراد فی النظام الاجتماعی. وأمام أخطاء هذه النظریات یقدم القرآن الکریم رسالته الدینیه بأروع صورها، وهی رساله العداله الاجتماعیه القائمه على أصلین، الأول: أصاله الأخوه الإسلامیه بین جمیع أفراد النظام الاجتماعی: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَهٌ…﴾۵٫ والثانی: إعاده توزیع الثروه الاجتماعیه عن طریق فرض الضرائب الشرعیه على أموال الأفراد: ﴿… وَفِی أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾۶٫ وتنضوی تحت رایه العداله الاجتماعیه القرآنیه العداله التعلیمیه التی هی جزء لا یتجزأ من جوهر الفکره الدینیه. ولاشک أن رساله القرآن أصلح للإنسانیه والنظام الاجتماعی من رساله النظریه التوفیقیه التی ترکن للظلم الرأسمالی، وأصلح من رساله نظریه الصراع التی تسلب فکره الأخوه والتآخی من مبانی النظام الاجتماعی للإنسانیه المعذبه.
ـــــــــــــــ
۱- (الکسندر آستن). الوصول الى الامتیاز التعلیمی. سان فرانسسکو: بوسى ـ باس، ۱۹۸۵ م.
۲- (هربرت هیمان) وآخرون. التأثیرات الثابته للتعلیم. شیکاغو: مطبعه جامعه شیکاغو: ۱۹۷۵ م.
۳- (ریجنالد کلارک). الحیاه العائلیه والتحصیل المدرسی. شیکاغو: مطبعه جامعه شیکاغو، ۱۹۸۳ م.
۴- (کارل مارکس). المخطوطات الاقتصادیه والسیاسیه لعام ۱۸۴۴ م. نیویورک: الناشرون الدولیون، ۱۹۶۴ م.
۵- الحجرات:۱۰٫
۶- الذاریات:۱۹٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.