ثقافتنا فی ظل ثوره الإنفومیدیا

0

تمهید
للثقافه معانی ودلالات عدیده، والدلاله التی نعنیها فی هذه المقاربه، ینصرف نحو کل ماله علاقه باکتساب المعارف وتنمیتها من جانب، والتأدب فی معناه السلوکی والأخلاقی من جانب آخر، فالثقافه لها دور وتأثیر مباشر وغیر مباشر فی الارتقاء بالإنسان وفکره، وتهذیب روحه وأخلاقه.
والحدیث عن واقع الثقافه ومستقبلها فی مجتمعاتنا، یأتی فی ظل ما یمر به العالم من تطور تقنی مذهل وکبیر، یتسبب فی حدوث تبدلات وتغیرات وتحولات سریعه الایقاع. فنحن الیوم نعیش زمن الثوره التکنولوجیه والإعلامیه والمعلوماتیه، وتطور وسائل الاتصال والتواصل بین البشر، حیث ارتفع مؤشر استخدام وسائط تکنولوجیا الاتصالات والمعلومات الحدیثه بشکل واسع، سواء على مستوى الدول ومؤسساتها، أو فی الحیاه الیومیه للأفراد.
والسؤال الذی ندعو للتفکیر فیه هو: ما أثر وتأثیر ما یدعى بثوره الإنفومیدیا «الإعلام والمعلوماتیه» على معارف الفرد ووعیه وثقافته من جانب، وعلى سلوکه وأخلاقه وطباعه من جانب آخر؟ وکیف نقیم واقع مجتمعاتنا الیوم فی ظل هذه الثوره؟ وما هو المستقبل الذی ینتظرها فی قابل الأیام؟
لقد أضحت وسائل التقنیه الحدیثه، من دون أدنى شک، تلعب الیوم دوراً أساسیا فی تشکیل وعی الفرد وثقافته فی مجتمعاتنا، فالطوفان الإعلامی والمعلوماتی الحالی له تأثیره البالغ فی هیکله ثقافه الفرد، فهو رافد من روافد ثقافتنا، وبه تتشکل عقولنا وعقول أبنائنا، ومن خلال ذلک، یتم قولبه أخلاقنا وقیمنا، التی ینبع منها سلوکنا وتصرفاتنا، فالبرامج الثقافیه الرصینه، والندوات والمحاضرات الهادفه، مثلها مثل الأفلام والأغانی الهابطه، و«التغریدات» السطحیه، والرسائل النصیه المتواضعه، والإشاعات التی ینقلها الهاتف النقال بالصوت والصوره والنص، کلها یمکن أن تؤثر، سلبا أو ایجابا، فی وعی الفرد، وتساهم فی تشکیل ثقافته، وسلوکه وطباعه.
هوس اقتناء وسائل التقنیه الحدیثه
ونتیجه الوفره المالیه، تحول اقتناء وسائل التقنیه الحدیثه إلى هوس عند الکثیر من الناس، وأصبح ظاهره مرضیه، فالأسواق تعج بآخر المکتشفات والاختراعات والأجهزه الالکترونیه، والمستهلک الخلیجی دائما ما یعمل على تغییر واستبدال مقتنیاته، خاصه تلک التی تتعلق بالمظاهر أو الوجاهه الخارجیه، حیث أن أعین المنتجین معقوده على أسواق بلدان منطقه الخلیج، بسبب معرفتهم الجیده بحمى الاستهلاک، والمظاهر الاستعراضیه التی تتصف بها المجتمعات هذه المنطقه.
ولا یقتصر هوس الاقتناء على شراء واستبدال المقتنیات فقط، بل أیضا من خلال الإسراف المفرط فی استخدامها لأغراض هامشیه أو سلبیه، حین تُدفع المبالغ الطائله للاتصال بقنوات السحر والشعوذه والمسابقات والطرب وغیرها من البرامج التی تعتمد على اتصالات المشاهدین، أو المستمعین، فمع تطور وسائل الاتصال والتواصل الحدیثه، استغل أصحاب هذه المحطات وسائل التقنیه الحدیثه، واستعانوا بأدوات التواصل المعاصره لتحقیق مآربهم، من خلال الانترنت والفضائیات والرسائل القصیره، وتحویل رصید التلیفون المحمول للتواصل مع الجمهور.
فی السنوات الأولى لدخول الإنترنت کانت الرسائل الإلکترونیه یُعمل لها «فورورد» «إعاده توجیه»، ما بین صنادیق البرید الإلکترونیه الشخصیه، والمجموعات البریدیه، والتی کانت تحتوی على کم هائل من المعلومات المغلوطه، والرسائل السطحیه والتسطیحیه، حیث یختلط فیها الغث بالسمین. والیوم ومع تطور أجهزه الاتصال الذکیه، والتی اصبحت فی کل ید، فإن مشکله الفورورد ما زالت کما هی قائمه.
لقد أصبحنا مسرفین ومبالغین ومندفعین فی تعاملنا مع التقنیه وأجهزتها وبرامجها، حیث المبالغه فی مشاهده التلفاز، والقنوات الفضائیه، والألعاب الالکترونیه، والإسراف فی الدخول على الانترنت، وتصفح المقروء منها والمسموع، والإغراق فی مشاهده المرئیات بالساعات الطوال، ولو على حساب ساعات النوم، والعائله، أو ساعات الاجتماعات والجلسات العائلیه، ولو على حساب العمل والفرائض والواجبات، ثم جاءت الهواتف الذکیه لتنقل کل تلک التقنیات فی حقیبه الید، وجیب الثوب، لکی لا ینفصل أحدنا عن عالمه الافتراضی، وبالتالی ینقطع عن عالمه الواقعی بکل ما فیه من حقوق وواجبات.
ومع تطور تقنیات الاتصال وتعدد وسائلها وابتکار هواتف متحرکه مرتبطه بالإنترنت على مدار الساعه، أصبحت شبکات التواصل الاجتماعی، أو الإعلام الاجتماعی «الفیسبوک، والتویتر» تشغل حیزاً کبیراً من الحیاه الیومیه للأفراد فی المجتمعات الحدیثه، حیث أصبح الادمان على استخدام الأجهزه الذکیه فی التواصل الاجتماعی، یشکل تهدیدا حقیقیا لعملیه التواصل المباشر بین البشر، فها نحن نرى الکثیرین لا یتورعون عن استخدام هذه الاجهزه فی التصفح، وقراءه الرسائل، ومتابعه جدید العوالم الإلکترونیه، والعالم الافتراضی، حتى وهم فی متواجدون بین الناس، وبین اهالیهم وأصدقائهم فی الواقع الحقیقی، مما یؤثر على نشاطاتهم وتفاعلاتهم مع العالم الواقعی، ویفقدهم الارتباط والصله به، ویکبلهم عن أداء واجباتهم الحقیقیه.
ضیاع الأوقات
لقد ترکت مظاهر الحیاه الحدیثه، وطغیان منتجات الصناعات التکنولوجیه وأجهزتها المتطوره، أثرا سلبیا على حیاه الإنسان فی مجتمعاتنا، فأدى اقتناء وسائل التقنیه الحدیثه، والتعامل السلبی مع التکنولوجیا، إلى ضیاع الأوقات وتبدیدها واستهلاکها فیما لا فائده فیه، ومن دون جدوى تذکر، وبشکل غیر مسؤول، على الرغم من أهمیه الوقت البالغه فی حیاه المجتمعات ورقیها وتقدمها، فنحن نتعامل مع قیمه الوقت بطریقه خاطئه، ونضیع کثیرا من أوقاتنا، أو بمعنى أدق نقتلها ونبددها ونهدرها فیما لا یفید.
فکم هی الاوقات التی یهدرها الانسان فی اللهو والعبث أثناء استخدامه منتجات وتقنیات الحضاره الحدیثه، فبدل أن تکون هذه الصناعات التقنیه والتکنولوجیه وسیله للمعرفه والتواصل والإنتاج والعمل والرقی بحیاه الانسان، والتخفیف من أعباء وثقل الحیاه علیه، تحولت إلى وسیله لاستنزاف الوقت والجهد والمال والعمر، وتعطیل الإنتاج والعمل.
إن وسائل وأجهزه ووسائط الإعلام والتقنیه الحدیثه صُنعت أساسا من أجل خدمه الإنسان، وتیسیر وتسهیل حیاه الناس، وهی الیوم أحد ادوات ومصادر المعرفه الاساسیه، إلاّ أن ثقافه المستخدم، ومدى وعیه وإیمانه وإدراکه للهدف منها، هو ما یحدد طریقه استخدامه لها سلبا أو ایجابا.
فهذه الوسائل یمکن أن تکون وسیله للتسلیه والدردشه والغیبه والنمیمه والقیل والقال، والدخول فی مغامرات عاطفیه، والمغازله والخیانه وإفساد القلوب، والتلاعب بالعقول، وقتل الوقت وتضییعه، ونشر الرذیله والسفه والکلام المنبوذ، ومنابر للفتنه والتحریض والتعصب والتشدد والغلو، ومجال مفتوح للمهاترات والصراعات والنزاعات والخصومات والقذف والشتم والتشهیر والعنف اللفظی والاتهامات المتبادله.
کما یمکن أن تکون هذه الأدوات وسیله لتنمیه الذات الفردیه، وبناء النفس، وتهذیب الاخلاق، وکسب المعرفه، وتنویر المجتمع، والتواصل الخلاق، والتأثیر الایجابی فی توجیه الجماهیر والرأی العام، ونشر الکلمه الطیبه والمحبه والحکمه والفن والأدب وأفکار التسامح والتقارب وحقوق الانسان وتبادل الخبرات.
وحین یعیش الإنسان طوال یومه قارئا ومتابعا ومشاهدا من على جهازه المحمول، أو من خلال حساباته فی مواقع التواصل الاجتماعی، اللقطات والمقتطفات المبتسره والسریعه والمتتالیه حول کثیر من الامور والقضایا المختلفه والمتنوعه، والانفعال والتفاعل معها، وإعاده إرسالها ونشرها وترویجها من جدید، فإن ذلک لا یترک فرصه لهذا الإنسان کی یستوعب ویتأمل، أو یفکر ویتبصر فی ما یأتیه من معلومات.
إن هذا الکم الهائل من المعلومات، والإثاره، والتسلیه، والعنف، والصور المتدفقه، تهدر وقت الفرد، وتأتی على حساب التراکم المعرفی الجاد، والتحصیل الثقافی البناء، وبالتالی فهی على حساب النشاط العقلانی المتبصر، وقدره العقل على الاستیعاب والفرز والتفکیر والتحلیل المنطقی، وممارسه النقد.
تنمیه عاده القراءه
فی حال عدم وجود قاعده فکریه متینه ترتقی بالإنسان ومستواه العلمی والثقافی والفکری والمعرفی، فإن فکر الخرافه والتخلف بالتأکید سوف یزحف ویهیمن ویسیطر على العقول ویلغی فاعلیها، لأن العقل لا یحتمل الفراغ، فإن لم تملئه بالأفکار الخیره والنبیله، فإن الأفکار المنحرفه والمتخلفه والشریره لن تدعه یهنأ بفراغه.
لذلک من المهم تنمیه ثقافه القراءه وتقالیدها بیننا، وترسیخها عند أبنائنا منذ الصغر، لتتحول فیهم إلى عاده راسخه تکبر معهم وتنمو مع نموهم، کما هو حال بعض الشعوب فی الدول المتقدمه حضاریا، والتی تحولت فیها هذه العاده إلى نمط حیاه وسلوک یومی، لیس فقط عند الکبار، بل أیضا عند الصغار أیضا، حیث تُستغل وسائل التقنیه الحدیثه فی التشجیع على ممارسه القراءه والتدریب علیها، وتطویر مهاراتها، وصقل قدراتها، وتنمیه القدرات الذاتیه للفرد، بدل العبث واللعب بأجهزه الحاسب، أو الآی فون، أو الآی باد، کما نشاهده عند أبناء مجتمعاتنا، الصغار منهم والکبار.
والسؤال الذی نطرحه فی سیاق حدیثنا عن علاقه وسائل التقنیه الحدیثه بموضوع القراءه، وانعکاس ذلک على واقع مجتمعاتنا هو: إن کان لوسائل التقنیه الحدیثه مثل الآی باد، والنت، والتویتر، والفیس بوک، وغیرها، أثر على ثقافه القراءه فی مجتمعاتنا؟ أم أن جل استخدامات هذه الأدوات تترکز على المحادثات والألعاب ومشاهده الأفلام والمباریات وغیرها؟
ختاماً
لیس أمامنا الیوم فی مواجهه هذا الزحف التقنی والتکنولوجی الحدیث، وما یصاحبه من طوفان إعلامی ومعلوماتی هائل یقتحم صروح مجتمعاتنا، إلا الاهتمام بالمسأله الثقافیه، والنهوض بها، وایلائها ما تستحقه من رعایه واهتمام حقیقی، من خلال نقد ومراجعه وتقییم واقعنا الثقافی، وما یعانیه من خلل وضعف، فالثقافه تلعب دورا مهما فی البناء الحضاری والروحی والقیمی والإنسانی، وهی شرط من شروط تطور المجتمعات، ومقاومه کل أسباب الضعف والترهل والتفتت والتمزق والخواء الداخلی.
إن طغیان النزعه الاستهلاکیه، وحب المظاهر السطحیه، والمبالغه فی الاهتمام بالشکلیات الفوقیه على حساب الاهتمام بالمحتوى والمضمون والجوهر الفکری للأشیاء، وفقدان الاهتمام والحماسه والانجذاب للأفکار التغییریه الخلاقه، هو أمر یحتاج الى التوقف والمراجعه والتدقیق، والبحث عن سبب الانجذاب لما هو فرعی وثانوی وهامشی، وتراجع ما هو مرکزی وأساسی، وما أثر وتأثیر التقنیه الحدیثه، ومنتجاتها المختلفه، فی هذه النزعه الاستهلاکیه؟ وما هو دور الثقافه الجاده فی التصدی لهذه النزعه؟
لن تکون التقنیه الحدیثه ذات جدوى ثقافیه، حین یتم التعامل مع منتجاتها على أنها فقط ماده للاستهلاک، من خلال التسلیه والترویح والمتعه والمشاهده وقتل الوقت من دون بذل الجهد للاستفاده من الفرص التی توفرها هذه التکنولوجیا للارتقاء بنوعیه حیاه الإنسان، وتطویر وعیه وثقافته.

Leave A Reply

Your email address will not be published.