رأی الشیخ شلتوت بمذهب الشیعه
فینبغی للمسلمین أن یعرفوا ذلک، وأن یتخلصوا من العصبیه بغیر الحق لمذاهب معینه، فما کان دین الله وما کانت شریعته بتابعه لمذهب، أو مقصوره على مذهب، فالکل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى یجوز لمن لیس أهلا للنظر والاجتهاد تقلیدهم والعمل بما یقررونه فی فقههم ، ولا فرق فی ذلک بین العبادات والمعاملات.
وللأستاذ الأکبر محمود شلتوت مقدمه فی قصه التقریب نشرتها مجله رساله الإسلام لجماعه التقریب فی القاهره فی: المجموعه الثانیه العدد ۵۵ ص ۱۹۴ وأوردها الأستاذ الکبیر المغفور له الشیخ محمد محمد المدنی فی کتابه (دعوه التقریب) من : مطبوعات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامیه بالقاهره عام ۱۹۶۶م.
یستعرض الأستاذ الأکبر فی هذه المقدمه المراحل التی مرت علیها قصه التقریب حتى اختمرت وظهرت فکره قاطعه تجسدت فیها فتواه بجواز التعبد بمذهب الشیعه الإمامیه – الإثنا عشریه – کسائر المذاهب الإسلامیه الأخرى المعترفه.
وإلیک مقتطفات من النصوص التی یتحدث فیها الأستاذ الأکبر عن هذه المراحل إذ یقول:
لقد آمنت بفکره التقریب کمنهج قویم، وأسهمت منذ أول یوم فی جماعتها، وفی وجوه نشاط دارها بأمور کثیره، کان منها تلک الفصول المتتابعه فی تفسیر القرآن الکریم التی ظلت تنشرها مجلتها (رساله الإسلام) قرابه أربعه عشر عاما حتى اکتملت کتابا سویا أعتقد أنه تتضمن أعز أفکاری، وأخلد آثاری، وأعظم ما أرجو به ثواب ربی ، فإن خیر ما یحتسبه المؤمن عند الله، هو ما ینفقه من الجهد الخاص فی خدمه کتاب الله.
ولقد تهیأ لی بهذه الأوجه من النشاط العلمی أن أطل على العالم الإسلامی من نافذه مشرفه عالیه وأن أعرف کثیراً من الحقائق التی کانت تحول بین المسلمین واجتماع الکلمه، وائتلاف القلوب على أخوه الإسلام، وأن أتعرف إلى کثیر من ذوی الفکر والعلم فی العالم الإسلامی، ثم تهیأ لی بعد ذلک وقد عهد إلی بمنصب مشیخه الأزهر أن صدرت فتوای فی جواز التعبد على المذاهب الإسلامیه الثابته الأصول، المعروفه المصادر، المتبعه لسبیل المؤمنین، ومنها مذهب الشیعه الإمامیه (الإثنا عشریه) وهی تلک الفتوى المسجله بتوقیعنا فی دار التقریب التی وزعت صورتها الزنگغرافیه بمعرفتنا والتی کان لها ذلک الصدى البعید فی مختلف بلاد الأمه الإسلامیه، وقرت بها عیون المؤمنین المخلصین الذین لا هدف لهم إلا الحق والألفه ومصلحه الأمه وظلت تتوارد على الأسئله، والمشاورات، والمجادلات فی شأنها، وأنا مؤمن بصحتها، ثابت على فکرتها، أؤیدها فی الحین بعد الحین، فیما أبعث بها من رسائل للمستوضحین، أو أرد به على شبه المعترضین، وفیما أنشر من مقال ینشر، أو حدیث یذاع، أو بیان أدعو به إلى الوحده والتماسک، والالتفات حول أصول الإسلام، ونسیان الضغائن والأحقاد، حتى أصبحت والحمد لله حقیقه مقرره، تجری بین المسلمین مجرى القضایا المسلمه بعد أن کان المرجفون فی مختلف عهود الضعف الفکری، والخلاف الطائفی، والنزاع السیاسی یثیرون فی موضوعها الشکوک والأوهام بالباطل.
وها هو ذا الأزهر الشریف ینزل على حکم هذا المبدأ، مبدأ التقریب بین أرباب المذاهب المختلفه فیقرر دراسه فقه المذاهب الإسلامیه، سنیها وشیعیها دراسه تعتمد على الدلیل والبرهان، وتخلو من التعصب لفلان أو فلان، کما أنه اهتم فی تکوین مجمع البحوث الإسلامیه بأن یکون أعضاؤه ممثلین لمختلف المذاهب الإسلامیه.
وبهذا تکون الفکره التی آمنا بها، وعملنا جاهدین فی سبیلها قد ترکزت الآن وأصبحت رساله الدار محل التقدیر والتنفیذ.
وکنت أود لو أستطیع أن أتحدث عن الاجتماعات فی دار التقریب حیث یجلس المصری إلى الإیرانی، أو اللبنانی أو العراقی أو الباکستانی، أو غیر هؤلاء فی مختلف الشعوب الإسلامیه، وحیث یجلس الحنفی والمالکی والشافعی والحنبلی بجانب الإمامی والزیدی حول مائده واحده تدوی بأصوات فیها علم، وفیها أدب، وفیها تصوف، وفیها فقه وفیها مع ذلک کله روح الأخوه وذوق الموده والمحبه، وزماله العلم والعرفان.
وکنت أود لو أستطیع أن أبرز صوره کصوره الرجل السمح الزکی القلب العف اللسان، رجل العلم والخلق المغفور له الأستاذ الأکبر الشیخ مصطفى عبد الرزاق، أو صوره کصوره الرجل المؤمن القوی الضلیع فی مختلف علوم الإسلام، المحیط بمذاهب الفقه أصولا وفروعاً الذی کان یمثل الطود الشامخ فی ثباته، والذی أفاد منه التقریب فی فتره ترسیخ مبادئه أکبر الفائده المغفور له أستاذنا الأکبر الشیخ عبد المجید سلیم رضی الله عنه وأرضاه أو صوره کصوره ذلک الرجل الذی حنکته التجارب، واحتضنته محافل العلم والرأی المغفور له الأستاذ محمد علی علوبه، جزاه الله عن جهاده وسعیه خیر الجزاء.
ولعلى أیضاً کنت أستطیع أن أتحدث عن صور لکثیرین ممن وهبوا أنفسهم لهذه الدعوه الإسلامیه، ووقفوا علیها جهودهم، وآمنوا بالتقریب سبیلا إلى دعم قوه المسلمین وإبراز محاسن الإسلامی، وغیر هؤلاء کثیرون ممن سبقونا إلى لقاء الله من أئمه الفکر فی شتى البلاد الإسلامیه الذین انضموا إلى التقریب، وبذلوا جهودهم لنشر مبادئه، وساجلناهم علماً بعلم، ورأیاً برأی، وتبادلنا وإیاهم کثیراً من الرسائل والمشروعات والمقترحات وفی مقدمتهم المغفور له الإمام الأکبر الحاج أقا حسین البروجردی أحسن الله فی الجنه مثواه، أو المغفور لهما الإمامان: الشیخ محمد الحسین آل کاشف الغطاء، والسید عبد الحسین شرف الدین الموسوی رحمهما الله.
ولقد ذهب هؤلاء إلى ربهم راضین مرضیین، وإن لنا لأخوه آمنوا بالفکره، ولا یزالون یعملون فی سبیل دعمها، وهم أئمه الإسلام، وأعلام الفکر فی شتى الأقطار الإسلامیه، أطال الله أعمارهم وسدد فی سبیل الحق خطاهم (من المؤمنین رجال صدقوا ما عاهدوا الله علیه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ینتظر وما بدلوا تبدیلا).
حارب هذه الفکره ضیقوا الأفق، کما حاربها صنف آخر من ذوی الأغراض الخاصه السیئه ولا تخلو أیه أمه من هذا الصنف من الناس، حاربها الذین یجدون فی التفرق ضماناً لبقائهم وعیشهم، وحاربها ذوو النفوس المریضه، وأصحاب الأهواء والنزعات الخاصه.
هؤلاء وأولئک ممن یؤجرون أقلامهم لسیاسات مفرقه لها أسالیبها المباشره وغیر المباشره فی مقاومه أیه حرکه إصلاحیه، والوقوف فی سبیل کل عمل یضم شمل المسلمین ویجمع کلمتهم.
محمود شلتوت
عضو جماعتی کبار العلماء والتقریب
فتوى الشیخ شلتوت نفتی بها الآن حینما نسأل بلا تقیید بالمذاهب الأربعه والشیخ شلتوت إمام مجتهد ورأیه صادق عین الحق لماذا نقتصر فی تفکیرنا وفتاوانا على مذاهب معینه وکلهم مجتهدون.
عبد الرحمن النجار
مدیر المساجد القاهره:
وأعتقد أن فتوى الأستاذ الأکبر الشیخ محمود شلتوت شوط واسع فی هذه السبیل، وهی استئناف لجهد المخلصین من أهل السلطه وأهل العلم جمیعاً، وتکذیب لما یتوقعه المستشرقون من أنّ الأحقاد سوف تأکل هذه الأمه قبل أن تلتقی صفوفها تحت رایه واحده.
وهذه الفتوى فی نظری بدایه الطریق وأول العمل.
بدایه الطریق لتلاق کریم تحت عنوان الإسلام الذی أکمله الله جل شأنه وارتضاه لنا دیناً.
وبدایه العمل للرساله الجامعه التی تعنی العزه للمؤمنین، والرحمه للعالمین،
إن الظنون والخرافات تجتاح الجماهیر من السنه والشیعه.
والتخلف البعید یقعد بهم جمیعاً عن حق الله وحق الحیاه.
والدنیا تنطلق بسرعه، وتصعد فی سلم الارتقاء المادی المحض، وتنظر شزراً إلى الأجناس المتخلفه وکأنها خلق آخر.
ولیس إلا الإسلام علاجاً لهذا الشرور.
لکن أی إسلام؟
الإسلام الذی تآخى فیه العارفون، واشرب روحه أتباع عقلاء مسامیح، إن الجهل والفراغ یهزان أصول الاعتقاد، وتنشأ فی ظلها أجیال تافهه عابثه؟
فهل ندع الحریق یجتاح بیضتنا، وننشغل عنه بالتلاوم والتکاذب؟
ألا إن الأمر أجل مما یتوهم قصار النظر.
وأرى أن الطریق لا یزال طویلا.
ولکننا عرفناه، وبدأنا المسیر، ومن سار على الدرب وصل (۱)۰
ــــــــــــ
۱- دفاع عن العقیده والشریعه ص ۲۵۵ – 258 ط رابعه بمصر.