تهذیب الأخلاق من خلال الغایات الصالحه الدنیویه

0

ولهذا الجزاء المترتّب على العمل خصوصیتان، هما:
الأولى: أنّه جزاء دنیوی، ومن الواضح أنّ مثل هذا الجزاء مهما طال به الزمن فهو منقطع الآخر وإلى زوال.
الثانیه: أنّه جزاء اعتباری لا حقیقی، فالثناء الجمیل والذکر الحسن والسمعه الطیبه وما شاکل ذلک کلّها أمور اعتباریه لتنظیم الحیاه الاجتماعیه لیس إلاّ.
ومع هذا، فلو رجع الإنسان إلى واقعه لوجد الکثیر منّا یقوم بجمله من أعماله ـ شاء أم أبى ـ لأجل هذا الجزاء، بشهاده أنّه لو لم یترتّب على أعماله ذلک الثناء الجمیل والمدح لشخصه ولم یتحقّق ذلک البُعد له لترک العمل ولم یداوم علیه، ولا یشذّ عن هذا إلاّ الأوحدی من الناس الذی یقول: (إنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِیدُ مِنکُمْ جَزَاءً وَلاَ شُکُورًا)۱٫
ولأضرب لذلک مثالاً عن نفسی، فلو درّس أحد درس الأخلاق فی نفس هذا المکان، وکان من حیث المستوى والإمکانیه العلمیه بنفس الدرجه التی أنا علیها ـ لکی لا أجد فی ضعفه مبرّراً لعدم ارتیاحی ـ أقول: لو جاء مثل هذا الأستاذ وذهب أکثر طلاّبنا إلیه وحضروا درسه ولم یبق معی إلاّ ثلاثه أو أربعه طلاّب، فهل أتأذّى وأشعر بعدم الراحه أم لا؟ لا أدری، فإذا کان الأمر مرتبطاً بتکلیف إلهی وبخدمه الناس، فإنّ هؤلاء قد استبدلوا بی شخصاً آخر مثلی، وجزاهم الله خیراً إذ رفعوا المسؤولیه عن عنقی مع حصولی على الثواب (ونیّه المرء خیر من عمله)۲, فهل ینبغی لی أن أتأذّى أم أفرح؟ ومَنْ منّا یفرح؟ فهل نحن نعمل لمعارف أهل البیت علیهم السلام حقّاً أم لأجل السمعه؟ امتحن نفسک، وقف عندها طویلاً، ولا تذهب إلى مکان بعید، فإنّ الکثیر منّا مبتلٍ بهذا وقد لا یلتفت إلیه.
وللشیخ المطهریّ قدس سره کلمه قیّمه هنا، إذ یقول: (کثیر من الناس یحبّ الإسلام ولکن بشرط أن یکون هو حجّه الإسلام، فلو قال غیره هذا الإسلام الذی یقوله هو لا یقبله).
ومن هنا قال الإمام الخمینی قدس سره: (لو اجتمع الأنبیاء جمیعاً فی مکان واحد لما اختلفوا، لأنّه لا أحد منهم یقول: (أنا)، بل کلّ منهم یقول: (هو)، و(هو) واحد فلا معنى لأن یقع الاختلاف بینهم، بل یقع التنازع والاختلاف حینما تصیر الأعمال للـ (أنا) وهی متعدّده). والقرآن صریح فی ذلک: (وَلَوْ کَانَ مِنْ عِندِ غَیْر اللَّهِ لَوَجَدُوا فِیهِ اخْتِلافًا کَثِیرًا)۳, وهذا ضابط مهمّ وخطیر یضعه القرآن الکریم بیدک لتعرف هل العمل من عند الله عزّ وجلّ أو من عند غیره.
ولابد من التنبیه هنا، أنّ الاختلاف المرفوض الذی نتحدّث عنه هو الاختلاف الذی ینشأ بین المؤمن وأخیه المؤمن داخل الأمّه الواحده وذلک بفعل (الأنا) وإلاّ فإنّ الاختلاف بین الحق والباطل هو من وظائف وتکالیف المسلم; یقول تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَیْنَهُمْ)۴٫
وعلى کلّ حال، فإنّ منشأ الاختلاف داخل الأمّه الصالحه هو (الأنا)، ولعلمائنا قول: بأنّ هذه (الأنا) هی التی أسقطت إبلیس عن ذلک المقام الرفیع، فقد صلّى إبلیس قبل سقوطه رکعتین لله فی السماء فی ستّه آلاف سنه، یقول أمیر المؤمنین علیه السلام عنها: (لا یُدرى أمن سنـی الدنیا أم من سنـی الآخره)۵ التی لو حوّلت إلى أیّام حسب ما نعدّ (وَإنَّ یَوْمًا عِندَ رَبِّکَ کَأَلْفِ سَنَه مِمَّا تَعُدُّونَ)۶ لکانت أمراً خیالیاً، حتى لو فرضنا أنها (الستّه آلاف) کانت هی الواقع لا أنّها لکثره وأنّ الواقع کان أکثر منها بکثیر، ومع ذلک فإنّ هذا الذی صدر منه مثل هذا العمل، طلب منه سبحانه وتعالى طلباً حیث أمره بالسجود لآدم علیه السلام، فقال فی جوابه (أنا) فأسقطته (أناه) من ذلک المقام.
کلّ ذلک لنعتبر نحن فلا نفکّر بأننا قد ضمنّا لأنفسنا ضماناً بما نعمله من أعمال نعتقد بأنّها مانعتنا عن السقوط، فإن (أنا) واحده تُسقط وتُحبط کلّ عمل عمله الإنسان مهما امتدت سنواته، وبالعکس فقد یطوی الإنسان من خلال عمل واحد صغیر مسافه الألف سنه بخطوه واحده، فلا تتصوّروا بأنّ الإنسان یصل بکمّ أعماله؛ فی الحدیث القدسیّ: (.. من تقرّب إلیّ شبراً تقرّبت إلیه ذراعاً، ومن تقرّب إلیّ ذراعاً تقرّبت إلیه باعاً، ومن تقرّب إلیّ باعاً مشیت إلیه هرولهً)۷ فقد یدخل الإنسان إلى المسجد وهو کافر فاجر من أهل النار بنیّه صالحه فیتحوّل إلى مؤمن صالح، ویخرج آخر وهو کافر فاجر وإلى النار وقد دخل مؤمناً صالحاً.
فلا الکمّ منظور فی الأعمال ولا صورتها وظاهرها بل المدار على نیّه العمل وحقیقته وباطنه. وعلى هذا تفسّر ضربه علیّ علیه السلام یوم الخندق التی ساوت عباده الثقلین ـ وفی بعض الروایات فضّلتهما ـ وما ذلک إلاّ بسبب باطن عمل الإمام علیه السلام ونیّته وإخلاصه، وإلاّ قد لا تفرق تلک الضربه من حیث الظاهر والعمل الخارجی عن ضربه أیّ شخص آخر یضربها ویقتل بها عمر بن عبد ودّ.
واعلموا أنّ الإخلاص فی العمل کالکبریت الأحمر فی ندرته، ولا إخلاص إلاّ بمعرفه ولذا قال علیّ علیه السلام: (أوّل الدین معرفته)۸٫ والمطلب أخطر ممّا قد یُتصور، ویشتدّ فیمن یرید سلوک طریق العلم والعلماء (إذ یغفر ]الله[ للجاهل سبعین ذنباً قبل أن یغفر للعالم ذنباً واحداً)۹ وقد یکتفى بالعدد المعلوم من الرکعات وبصیام ثلاثین یوماً وآیتین من القرآن الکریم بالنسبه لعوام الناس ولا یکون ذلک کافیاً لطالب العلم، لأنّ المعرفه إذا اختلفت اختلف الحساب.
(وهذا المسلک هو المأثور من بحث الأقدمین من یونان وغیرهم فیه (أی فی علم الأخلاق). ولم یستعمل القرآن هذا المسلک الذی بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامّه الناس عن المذموم والأخذ بما یستحسنه الاجتماع وترک ما یستقبحه…)10.
فهو إذن مسلک الفلاسفه وعلماء الأخلاق السابقین ولم یستعمله القرآن، والسرّ فی ذلک أنّ القرآن الکریم لا یمکن أن یدعو الناس إلى هذا الأمر على أساس دنیوی وجزاء زائل اعتباری.
کما أنّ مثل هذا الأساس إنّما یصلح ظاهر العمل لا باطنه فإنّ الثناء الجمیل والذکر الحسن ـ مثلاً ـ یتوقّف على ظاهر العمل لا باطنه، ومثل هذا مثل ذلک الشخص الذی کان یصلّی فی المسجد ویحسن القراءه، حتّى إذا مدح قراءته من کان جالساً إلى جواره التفت إلیه قائلاً: وأنا مع ذلک صائم، فلأنّه کان یعیش مع الظاهر اضطرّ إلى إعطاء الظاهر والتصریح به مع أنّ حقیقه الجزاء تکمن فی باطن العمل لا ظاهره.
وهاهنا مسأله مهمّه لابدّ من الإشاره إلیها، وهی أنّ الإسلام لم یهمل ظاهر العمل، کما قد یتبادر إلى ذهن بعض الناس، بل أوجد له قوانین محکمه ودقیقه ثمّ وجّه الإنسان بعد ذلک إلى اتخاذ هذا الظاهر معبَراً إلى الحقیقه وإلى بواطن الأعمال.
ـــــــــــــ
(۱) الدهر: ۹٫
(۲) المحاسن للبرقی، دار الکتب الإسلامیه، قم : ۲۶۰ / ۳۱۵ .
(۳) النساء: ۸۲٫
(۴) الفتح: ۲۹٫
(۵) نهج البلاغه، ص۲۸۷ ، الخطبه القاصعه.
(۶) الحج: ۴۷٫
(۷) صحیح البخاری، باب ما جاء فی دعاء النبی صلى الله علیه وآله.
(۸) نهج البلاغه، الخطبه الأولى .
(۹) خاتمه المستدرک للنوری، تحقیق مؤسسه آل البیت لإحیاء التراث: ج۵ ص۲۴۷٫
(۱۰) المیزان فی تفسیر القرآن: ج۱ ص۳۵۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.