الخشوع لله والبکاء على الإمام الحسین (ع)
الخشوع لله : قال تعالى : {الَّذِینَ هُمْ فِی صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون /۲ .
فی اللغه : قال الراغب الأصفهانی : الخشوع الضراعه وأکثر ما یستعمل الخشوع فیما یوجد على الجوارح . والضراعه أکثر ما تستعمل فیما یوجد فی القلب ولذلک قیل فیما روی : إذا ضرع القلب خشعت الجوارح ، قال تعالى : { وَیَزِیدُهُمْ خُشُوعًا } وقال : { الَّذِینَ هُمْ فِی صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ- وَکَانُوا لَنَا خَاشِعِینَ – وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ – خَاشِعَهً أَبْصَارُهُمْ- أَبْصَارُهَا خَاشِعَهٌ } کنایه عنها وتنبیها على تزعزعها…(۱) .
وعند المتشرعه :
قال الطبرسی فی تفسیر الآیه المبارکه : { الَّذِینَ هُمْ فِی صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } أی : خاضعون ، متواضعون ، متذللون ، لا یرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم ، ولا یلتفتون یمینا ولا شمالا . وروی أن النبی (صلى الله علیه وآله) رأى رجلا یعبث بلحیته فی صلاته ، فقال : ( أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ) ! وفی هذا دلاله على أن الخشوع فی الصلاه یکون بالقلب وبالجوارح . فأما بالقلب فهو أن یفرغ قلبه بجمع الهمه لها ، والإعراض عما سواها ، فلا یکون فیه غیر العباده والمعبود . وأما بالجوارح فهو غض البصر ، والإقبال علیها ، وترک الالتفات والعبث . قال ابن عباس : خشع فلا یعرف من على یمینه ، ولا من على یساره .
وروی أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) کان رفع بصره إلى السماء فی صلاته . فلما نزلت الآیه طأطأ رأسه ، ورمى ببصره إلى الأرض (۲) .
وقال الطباطبائی : قوله تعالى :{الَّذِینَ هُمْ فِی صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} الخشوع تأثر خاص من المقهور قبال القاهر بحیث ینقطع عن غیره بالتوجه إلیه والظاهر أنه من صفات القلب ثم ینسب إلى الجوارح أو غیرها بنوع من العنایه کقوله (صلى الله علیه وآله) – على ما روی – فیمن یعبث بلحیته فی الصلاه : أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ، وقوله تعالى : {یَوْمَئِذٍ یَتَّبِعُونَ الدَّاعِیَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا } طـه /۱۰۸ .
والخشوع بهذا المعنى جامع لجمیع المعانی التی فسربها الخشوع فی الآیه ، کقول بعضهم : هو الخوف وسکون الجوارح ، وقول آخرین : غض البصر خفض الجناح ، أو تنکیس الرأس ، أو عدم الالتفات یمینا وشمالا أو إعظام المقام وجمع الاهتمام ، أو التذلل إلى غیر ذلک (۳) .
الخشوع فی الصلاه
وإذا کان الخشوع مطلوبا فی کل وقت وفی کل شیء فإن الخشوع فی الصلاه هو أهم کل شیء ولهذا قد اهتم رجال الإسلام بهذا الجانب فقد جاء فی الصحیح عَنِ الْفُضَیْلِ بْنِ یَسَارٍ عَنْ أَبِی عَبْدِاللَّهِ (علیه السلام) قَالَ : کَانَ عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ (علیه السلام) إِذَا قَامَ فِی الصَّلَاهِ تَغَیَّرَ لَوْنُهُ فَإِذَا سَجَدَ لَمْ یَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى یَرْفَضَّ عَرَقاً(۴)
وعَنْ جَهْمِ بْنِ حُمَیْدٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) قَالَ : کَانَ أَبِی (علیه السلام) یَقُولُ : ( کَانَ عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ (علیه السلام) إِذَا قَامَ فِی الصَّلَاهِ کَأَنَّهُ سَاقُ شَجَرَهٍ لَا یَتَحَرَّکُ مِنْهُ شَیْ ءٌ إِلَّا مَا حَرَّکَهُ الرِّیحُ مِنْهُ )(۵)
ذکر الله
قیل الذکر ذکران : ذکر بالقلب وذکر باللسان ، وکل واحد منهما ضربان ، ذکر عن نسیان وذکر لا عن نسیان بل عن إدامه الحفظ . وکل قول یقال له ذکر ، فمن الذکر باللسان قوله تعالى : {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَیْکُمْ کِتَابًا فِیهِ ذِکْرُکُمْ } الأنبیاء /۱۰ (۶)
ألم یأن للذین آمنوا أن یتعرفوا على عظمه المولى سبحانه حتى تخشع قلوبهم لذکر الله ویتذکروا ما حل بهم من مصائب وویلات وأنه لا دافع ولا مانع عنهم إلا الله ولا نافع لهم إلا الله حتى توجل قلوبهم لذکر الله .
صفات المؤمنین
صفات المؤمنین عدیده وبکثره ولکن من أهمها هو وجل القلب عند ذکر الله .
قال تعالى فی وصف الذین استجابوا لله فی ما أرده منهم وتأثروا أولئک هم {الَّذِینَ إِذَا ذُکِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِینَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِیمِی الصَّلَاهِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ} الحـج /۳۵ .
وقوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِینَ إِذَا ذُکِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِیَتْ عَلَیْهِمْ آیَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِیمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ }الأنفال /۲ .
هاتان الآیتان تشکلان أهم صفات المؤمنین فإن من صفات المؤمن حقاً هو إنه إذا ذکر الله عنده وسمع ذلک وجل قلبه وإذا سمع آیات الله تتلى علیه زادته إیماناً وتصدیقاً بالله وبکتبه ورسله.
وکلمه ( إنما ) وإن کانت أداه حصر فحصرت المؤمنین وقصرتهم على من یتصف بهذه الصفات وهی :
۱٫ أن یوجل قلبه ویخضع ویلین عند ذکر الله .
۲٫ إذا سمع آیات الله یزداد إیمانا على إیمانه .
۳٫ أن اعتمادهم وتوکلهم على الله . ویمکن أن تکون هذه الصفات الثلاثه للمؤمن من أعلى الصفات له والآیه السابقه تکمل تلک الصفات السابقه.
۴٫ الصبر على المصائب .
۵٫ الإتمام بإقامه الصلاه مع الخشوع والخضوع .
۶٫ الإنفاق بسخاء .
ذکر الله أکبر
قال السید الطباطبائی : قوله : {اتْلُ مَا أُوحِیَ إِلَیْکَ مِنَ الْکِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاهَ إِنَّ الصَّلَاهَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنکَرِ وَلَذِکْرُ اللَّهِ أَکْبَرُ }(۷) ، وقال تعالى : {فَاسْعَوْا إِلَى ذِکْرِ اللَّهِ }(۸) ، یرید به الصلاه وقال : {وَأَقِمِ الصَّلَاهَ لِذِکْرِی }(۹) ، إلى غیر ذلک من الآیات . وقد ذکر سبحانه أولا ذکره وقدمه على الصلاه لأنها هی البغیه الوحیده من الدعوه الإلهیه ، وهو الروح الحیه فی جثمان العبودیه ، والخمیره لسعاده الدنیا والآخره ، یدل على ذلک قوله تعالى لآدم أول یوم شرع فیه الدین : { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِیعًا بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا یَأْتِیَنَّکُم مِّنِّی هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِکْرِی فَإِنَّ لَهُ مَعِیشَهً ضَنکًا وَنَحْشُرُهُ یَوْمَ الْقِیَامَهِ أَعْمَى }(۱۰) ، وقوله تعالى : {وَیَوْمَ یَحْشُرُهُمْ وَمَا یَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَیَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِی هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِیلَ * قَالُوا سُبْحَانَکَ مَا کَانَ یَنبَغِی لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِکَ مِنْ أَوْلِیَاء وَلَکِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّکْرَ وَکَانُوا قَوْمًا بُورًا}(۱۱) ، وقوله تعالى : {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِکْرِنَا وَلَمْ یُرِدْ إِلَّا الْحَیَاهَ الدُّنْیَا}(۱۲){ذَلِکَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ } النجم / ۳۰
فالذکر فی الآیات إنما هو ما یقابل نسیان جانب الربوبیه المستتبع لنسیان العبودیه وهو السلوک الدینی الذی لا سبیل إلى إسعاد النفس بدونه قال تعالى : {وَلا تَکُونُوا کَالَّذِینَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ } الحشر/ ۱۹(۱۳)
فالذکر لا یختص بالذکر اللسانی واللفظی بل الآیه الأخیره تشیر إلى الذکر المعنوی وهو الالتفات إلى جانب الربوبیه والتوجه إلى الله عز وجل ، وعدم التوجه والغفله عن الله هو نسیان لله .. نسیان لذکره وبعد ذلک أن الله ینسیهم أنفسهم وهذا هو الخطر العظیم الذی یمر به الإنسان فی هذه الدنیا .
وعَنْ عَلِیِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) أَنَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ (علیه السلام) کَانَ یَقُولُ : ( طُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ الْعِبَادَهَ وَ الدُّعَاءَ وَ لَمْ یَشْغَلْ قَلْبَهُ بِمَا تَرَى عَیْنَاهُ وَ لَمْ یَنْسَ ذِکْرَ اللَّهِ بِمَا تَسْمَعُ أُذُنَاهُ وَ لَمْ یَحْزُنْ صَدْرَهُ بِمَا أُعْطِیَ غَیْرُهُ ) .(۱۴)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) مفردات غریب القرآن- الراغب الاصفهانی ص ۱۴۸ .
(۲) تفسیر مجمع البیان – الشیخ الطبرسی ج ۷ ص ۱۷۶ .
(۳) تفسیر المیزان – السید الطباطبائی ج ۱۵ ص ۶ .
(۴) الکافی – الشیخ الکلینی ج ۳ ص ۳۰۰
(۵) الکافی – الشیخ الکلینی ج ۳ ص ۳۰۰ وقد تحدثنا فی کلام آخر عن هذا الموضوع .
(۶) مفردات غریب القرآن- الراغب الأصفهانی ص ۱۷۹ .
(۷) العنکبوت /۴۵ .
(۸) الجمعه / ۹ .
(۹) طه / ۱۴٫
(۱۰) طـه / ۱۲۳-۱۲۴٫
(۱۱) الفرقان / ۱۷- ۱۸ .
(۱۲) النجم /۲۹ .
(۱۳) تفسیر المیزان – السید الطباطبائی ج ۶ ص ۱۲۴ :
(۱۴) الکافی ج ۲ ص ۱۶