ثواب البکاء أو التباکی على مصائب أهل البیت (ع)
الحمد لله المتجلی لعباده من أفق الألباب ، المجلی عن مراده بمنطق (١) السنه والکتاب ، الذی نزه أولیاءه عن دار الغرور ، وسما بهم إلى أنوار السرور.
ولم یفعل ذلک محاباهً (٢) لهم على الخلائق ، ولا إلجاءً لهم (٣) إلى جمیل الطرائق (۴).
بل عرف منهم قبولاً للألطاف ، واستحقاقاً لمحاسن الأوصاف ، فلم یرض لهم التعلق بحبال الإهمال ، بل وفقهم للتخلق بکمال الأعمال.
حتى عزفت (۵) نفوسهم عمن سواه ، وعرفت أرواحهم شرف رضاه ، فصرفوا أعناق قلوبهم إلى ظله ، وعطفوا آمالهم نحو کرمه وفضله.
فترى لدیهم فرحه المصدق بدار بقائه ، وتنظر علیهم مسحه المشفق من أخطار لقائه.
ولا تزال أشواقهم متضاعفه إلى ما قرب من مراده ، وأریحیتهم (۶) مترادفه نحو إصداره وإیراده ، وأسماعهم مصغیه إلى استماع (٧) أسراره ، وقلوبهم مستبشره بحلاوه تذکاره.
فحیاهم منه بقدر ذلک التصدیق ، وحباهم من لدنه حباء البر الشفیق.
فما أصغر عندهم کل ما شغل عن جلاله ، وما أترکهم لکل ما باعد من وصاله ، حتى أنهم لیتمتعون بأنس ذلک الکرم والکمال ، ویکسوهم أبداً حلل المهابه والجلال.
فإذا عرفوا أن حیاتهم مانعه عن (٨) متابعه مرامه ، وبقاءهم حائل بینهم وبین إکرامه ، خلعوا أثواب البقاء ، وقرعوا أبواب اللقاء ، وتلذذوا فی طلب ذلک النجاح ، ببذل النفوس والأرواح ، وعرضوها لخطر السیوف والرماح.
وإلى ذلک التشریف الموصوف سمت نفوس أهل الطفوف ، حتى تنافسوا فی التقدم إلى الحتوف ، وأصبحوا (٩) نهب الرماح والسیوف.
فما أحقهم بوصف السید المرتضى علم الهدى (١٠) رضوان الله علیه ، وقد مدح من أشرنا إلیه فقال :
لهم جسوم (١١) على الرمضاء مهمله * وأنـفـــــس فــی جـــوار الله یقریـهـــــا
کـــــأن قــاصــدهـــا بالضــــر نافعهـــــا * وأن (١٢) قاتلـهــــا بالسیف محییهــــــا
ولولا امتثال أمر السنه والکتاب ، فی لبس شعار الجزع والمصاب ، لأجل ما طمس من أعلام الهدایه ، وأسس من أرکان الغوایه (١٣) ، وتأسفاً على ما فاتنا من تلک السعاده ، وتلهفاً على أمثال تلک الشهاده ، وإلا کنا قد لبسنا لتلک النعمه الکبرى أثواب المسره والبشرى.
وحیث أن فی الجزع رضىً لسلطان المعاد ، وغرضاً لأبرار العباد ، فها نحن قد لبسنا سربال الجزوع ، وآنسنا بإرسال الدموع ، وقلنا للعیون : جودی بتواتر البکاء ، وللقلوب : جدی جد ثواکل النساء.
فإن ودائع الرسول الرؤوف أضیعت (١۴) یوم الطفوف ، ورسوم وصیته بحرمه وأبنائه طمست بأیدی أمته وأعدائه.
فیالله من تلک الفوادح المقرحه للقلوب ، والجوائح المصرحه (١۵) بالکروب ، والمصائب المصغره کل بلوى ، والنوائب المفرقه شمل التقوى ، والسهام التی أراقت دم الرساله ، والأیدی التی ساقت سبی الجلاله ، والرزیه التی نکست رؤوس الأبدال ، والبلیه التی سلبت نفوس خیر الآل ، والشماته التی رکست (١۶) أسود الرجال (١٧) ، والفجیعه (١٨) التی بلغ رزؤها إلى جبرائیل ، والفظیعه التی عظمت على الرب الجلیل.
وکیف لا یکون کذلک وقد أصبح لحم رسول الله مجرداً على الرمال ، ودمه الشریف مسفوکاً بسیوف الضلال ، ووجوه بناته مبذوله لعین السائق والشامت ، ومسلبهن بمنظر من الناطق والصامت ، وتلک الأبدان المعظمه عاریه من الثیاب ، والأجساد المکرمه جاثیه على التراب ؟!!
مصائب بددت شمل النبی ففی * قلب الهدى أسهم یطفن (١٩) بالتلف
وناعـیــات إذا مـــا مــــل ذو ولــه * ســـرت علیــه بنــــار الــزن والأسـف
فیا لیت لفاطمه وأبیها عیناً تنظر إلى بناتها وبنیها : ما بین مسلوب ، وجریح ، ومسحوب ، وذبیح ، وبنات النبوه : مشققات الجیوب ، ومفجوعات بفقد المحبوب ، وناشرات للشعور ، وبارزات من الخدور ، ولاطمات للخدود ، وعادمات للجدود ، ومبدیات للنیاحه والعویل ، وفاقدات للمحامی والکفیل.
فیا أهل البصائر من الأنام ، ویا ذوی النواظر والأفهام ، حدثوا نفوسکم بمصائب هاتیک العتره ، ونوحوا بالله لتلک الوحده والکثره ، وساعدوهم بموالاه الوجد والعبره ، وتأسفوا على فوات تلک النصره.
فإن نفوس أولئک الأقوام ودائع سلطان الأنام ، وثمره فؤاد الرسول ، وقره عین الزهراء البتول ، ومن کان یرشف بفمه الشریف ثنایاهم ، ویفضل على أمته أمهم وأباهم.
إن کنت فی شک فسل عن حالهم * سنـن الرســـول ومحکـــم التنزیـــل
فهناک أعدل شاهدٍ لذوی الحجــى * وبیــان فضلهــم على التفصیـــل (٢٠)
ووصیـــهٌ سبـقـــت لأحمـــد فیهـــم * جـــاءت إلیـــه علـــى یــدی جبریـل
وکیف طابت النفوس (٢١) مع تدانی الأزمان بمقابله إحسان جدهم (٢٢) بالکفران ، وتکدیر عیشه بتعذیب ثمره فؤاده ، وتصغیر قدره بإراقه دماء أولاده ؟!
وأین موضع القبول لوصایاه بعترته وآله ؟ وما الجواب عند لقائه وسؤاله ؟ وقد هدم القوم ما بناه ! ونادى الاسلام واکرباه!
فیالله من قلبٍ لا یتصدع لتذکار تلک الأمور ! ویا عجباه من غفله أهل الدهور ! وما عذر أهل الاسلام والإیمان فی إضاعه أقسام الاحزان !
ألم یعلموا أن محمدأً موتورٌ وجیع ؟ وحبیبه مقهورٌ صریعٌ ؟ والملائکه یعزونه على جلیل مصابه ؟ والأنبیاء یشارکونه فی أحزانه وأوصابه ؟
فیا أهل الوفاء لخاتم الأنبیاء ، علام لا تواسونه فی البکاء ؟!
بالله علیک أیها المحب لولد الزهراء ، نح معها على المنبوذین بالعراء ، وجد ویحک بالدموع السجام ، وابک على ملوک الاسلام ، لعلک تحوز ثواب المواسی لهم فی المصاب ، وتفوز بالسعاده یوم الحساب.
فقد روی عن مولانا الباقر علیه السلام أنه قال : « کان زین العابدین علیه السلام یقول : أیما مؤمن ذرفت (٢٣) عیناه لقتل الحسین علیهالسلامحتى تسیل على خده بوأه الله بها فی الجنه غرفاً یسکنها أحقاباً (٢۴) ، وأیما مؤمن ذرفت عیناه حتى تسیل على خده فیما مسنا من الأذى من عدونا فی الدنیا بوأه الله منزل صدقٍ ، وأیما مؤمن مسه أذىً فینا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه من سخط النار یوم القیامه ».
وروى عن مولانا الصادق علیه السلام أنه قال : « من ذکرنا عنده ففاضت عیناه ولو مثل جناح الذبابه غفر الله له ذنوبه ولو کانت مثل زبد البحر ».
وروی أیضاً عن آل الرسول علیهم السلام أنهم قالوا : « من بکى وأبکى فینا مائه فله الجنه (٢۵) ، ومن بکى وأبکى خمسین فله الجنه ، ومن بکى وأبکى ثلاثین فله الجنه ، ومن بکى وأبکى عشرین فله الجنه (٢۶) ، ومن بکى وأبکى عشره فله الجنه ، ومن بکى وأبکى واحداً فله الجنه ، ومن تباکى فله الجنه ».
قال علی بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسینی ـ جامع هذا الکتاب ـ : إن من أجل البواعث لنا على سلوک هذا الکتاب (٢٧) أننی (٢٨) لما جمعت کتاب : مصباح الزائر وجناح المسافر (٢٩) ، ورأیته قد احتوى على أقطار محاسن الزیارات ومختار أعمال تلک الأوقات ، فحامله مستغنٍ عن نقل مصباح لذلک الوقت الشریف ، أو حمل مزارٍ کبیر أو لطیفٍ.
أحببت أیضاً أن یکون حامله مستغنیاً عن نقل مقتلٍ فی زیاره عاشوراء إلى مشهد (٣٠) الحسین صلوات الله علیه.
فوضعت هذا الکتاب لیضم إلیه ، وقد جمعت ها هنا ما یصلح لضیق وقت الزوار ، وعدلت عن الإطناب والإکثار ، وفیه غنیه لفتح أبواب الأشجان ، وبغیه لنجح أرباب الإیمان ، فإننا (٣١) وضعنا فی أجساد معناه روح ما یلیق بمعناه.
وقد ترجمته بکتاب : الملهوف على قتلى الطفوف (٣٢) ، ووضعته على ثلاثه مسالک ، مستعیناً بالرؤوف المالک (٣٣).
___________
۱٫ ر : بنطق.
۲٫ ع : بهم محاباهً.
والمحاباه : العطاء بلا من ولاجزاء.
۳٫ ر : ولا إلجاءهم.
۴٫ ر : الطریق.
۵٫ ع : فرغت. وعزفت بمعنى : سلت.
۶٫ ر : وأریحتهم. والأریحی : الواسع الخلق النشیط إلى المعروف ، وهو أیضاً : السخی الذی یرتاح للندى ، وراح لذلک الأمر رواحاً وأریحیه وریاحهً : أشرق له وفرح به وأخذته له خفه وأریحیه ، لسان العرب ۵ / ٣۵٩ روح.
۷٫ ر : اسماع.
۸٫ ر : من.
۹٫ ع : وأضحوا.
۱۰٫ أبو القاسم علی بن الحسین بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهیم ابن الإمام الکاظم علیه السلام ، نقیب الطالبیین ، وأحد الأئمه فی علم الکلام والأدب والشعر ، مولده ووفاته ببغداد ، روى عن جماعه کالشیخ المفید والحسین بن علی بن بابویه ، وروى عنه جماعه کسلًار وأبی الصلاح الحلبی والخطیب البغدادی والقاضی ابن قدامه ، له عده کتب ، منها : الشافی فی الإمامه ، توفی سنه ۴٣٣ هـ وقیل : ۴٣۶ هـ. ریاض العلماء ۴ / ١۴ ، وفیات الأعیان ٣ / ٣١٣ ، الکنى والألقاب ٢ / ۴٣٩ ، میزان الإعتدال ٢ / ٢٢٣ ، لسان المیزان ۴ / ٢٢٣ ، جمهره الأنساب : ۵۶ ، الأعلام ۴ / ٢٧٨.
۱۱٫ ع : نفوس ، بدلاً من : لهم جسوم.
۱۲٫ ر : أو أن.
۱۳٫ ر : الغرایه.
۱۴٫ ع : أبیحت.
۱۵٫ ع : والجرائح المصرخه. والجوائح جمع جائحه ، وهی : الشده والنازله العظیمه التی تجتاح المال ، وتستعمل مجازاً لکل شده.
۱۶٫ الرکس : قلب الشیء ورده مقلوباً.
۱۷٫ من قوله : والشماته ، إلى هنا ، لم یرد فی ر.
۱۸٫ ر : والنجیعه.
۱۹٫ ر : ینطق.
۲۰٫ ع : الفصیل.
۲۱٫ ع : فکیف طابت للنفوس.
۲۲٫ ع : مقابله احسان أبیهم.
۲۳٫ أی : صبت دمعاً وسالت.
۲۴٫ جمع حقب بضمتین أی : زماناً کثیراً ، أحقاباً لا انقطاع لها ، کلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر.
۲۵٫ ع : فینا مائه ضمنا له على الله الجنه ، والمثبت من ر. ب.
۲۶٫ قوله : ومن بکى وأبکى عشرین فله الجنه ، لم یرد فی ع. ر ، وأثبتناه من ب.
۲۷٫ ر : الباب.
۲۸٫ ر : أنی.
۲۹٫ هو أول تصانیفه ، فی عشرین فصلاً ، أوله فی مقدمات السفر وآدابه ، والأخیر فی زیاره أولاد الأئمه والمؤمنین ، ونسخه شائعه.
۳۰٫ ر : زیاره مشهد.
۳۱٫ ر : فإنا.
۳۲٫ ع : اللهوف على قتلى الطفوف.
۳۳٫ قوله : مستعیناً بالرؤوف المالک ، لم یرد فی ر.