بیعـه السقیفـه(۳)
۸ – نقاش المهاجرین والأنصار
قرأنا فی الفصل السابق خطبه أبی بکر وما فیها من الأسالیب فلنر مدى تأثیرها على المجتمعین وکیف کانت النتیجه ؟ : لم یرد علیه إلا الحباب بن المنذر فی کلامه المتقدم فی البحث رقم ( ۲ )
وقد رأیناه لم یأت بشئ وکان أول منخذل أمام المهاجرین وإن ظهر بالقوه التی تلاشت فی آخر کلامه کما شرحناه ، ففتح على نفسه باب الحجه الظاهره إذ قال : " فمنکم أمیر ومنهم أمیر " ، على أنه ظهر جلیا بمظهر المتعصب المغالب ، فاستهل کلامه بقوله : " املکوا علیکم أمرکم . . . " وهذا مردود علیه معکوس الأثر ، وسیأتی .
وهنا . جاء دور عمر بن الخطاب فقال : " هیهات ! لا یجتمع اثنان فی قرن . والله لا ترضى العرب أن یؤمروکم ونبیها من غیرکم ، ولکن العرب لا تمتنع أن تولی أمرها من کانت النبوه فیهم وولی أمورهم منهم . ولنا بذلک من أبى من العرب الحجه
الظاهره والسلطان المبین . من ذا ینازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولیاؤه وعشیرته إلا مدل بباطل أو متجانف لا ثم أو متورط فی هلکه " . فتجد کلام عمر هذا – وإن کان هادئا – لا یبلغ کلام أبی بکر ،
– ص ۱۳۴ –
إذ ظهر بمظهر الخصم المدعی بحق الإماره .
وکأن أبا بکر فسح له المجال لأن یکون هو المدعی العام عن المهاجرین بعد أن نصب نفسه کحکم للمتنازعین .
کما نلاحظ أیضا أنه لم یشر إلى قضیه النص على قریش أو على خصوص واحد منهم ، وإنما القضیه قضیه رضى العرب وإبائها وأن المهاجرین أولیاء محمد وعشیرته .
ولذا قال علی علیه السلام بعد ذلک : " احتجوا بالشجره وأضاعوا الثمره " .
فقام الحباب بعد عمر فقال : " یا معشر الأنصار املکوا علیکم أمرکم ولا تسمعوا مقاله هذا وأصحابه، فیذهبوا بنصیبکم من هذا الأمر ، فإن أبوا علیکم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا علیهم هذه الأمور، فأنتم – والله – أحق بهذا الأمر منهم فإنه
بأسیافکم دان لهذا الدین من دان ممن لم یکن یدین . أنا جذیلها المحکک وعذیقها المرجب . أنا شبل فی عرینه الأسد . أما والله لو شئتم لنعیدنها جذعه . والله لا یرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسیف " . وهذه عصبیه جاهلیه وسوء قصد ظاهر .
فقال له عمر : " إذا یقتلک الله " فانتحى به الناحیه الدینیه إذ نسب القتل إلى الله تعالى ولم یقل یقتلک الناس . وهذا أسلوب من الرد فیه التهدید والتندید على تلک دعوى الجاهلیه منه .
فقال الحباب : " بل إیاک یقتل " .
– ص ۱۳۵ –
وهذه مهاتره یلتجأ إلیها ضعف الحجه وشده الغضب ، فترى الحباب فی کل ذلک کان قلق الوضین یرسل من غیر سدد ، وتتضوع من فمه رائحه نفسه ، ولا یعرف أن یسر حسوا فی ارتغاء .
فاقتحم فی المیدان بجنان الفارس المدله المدل بقوته ونفسه ، ومن سیفه ولسانه تنطف دعوى الجاهلیه الأولى البشعه فی الإسلام ، تأباها علیه الصبغه الدینیه المصطبغ بها المجتمع یومئذ ، وهو فی الدرجه الأولى متأثر بالإسلام وتعالیمه ،
وللشعور الدینی المکان الأول فی تأثر الجماعات الدینیه وانفعالاتها ، فما لم یستخدم هذا الشعور لا یرجى أن یحدث فی الجماعه التعصب الذی یجعل الإنسان یرى سعادته فی التضحیه بنفسه وبکل عزیز فداء للمقصد الذی یوجه إلیه .
فالحباب إن تولى الدفاع عن سعد وقومه نصره لهم فهو الذی أفسد علیهم أمرهم أکثر من أی شخص آخر من حیث یظن الصلاح وبدلا من أن یقود المجتمعین للغرض الذی اجتمعوا لأجله قد خسرهم وأعطى القیاده – من حیث لا یشعر – لغیره
الذی عرف کیف تؤکل الکتف فی استمالتهم واستعمال نفوذه فیهم . وکان أول ظهور هذه الخساره قیام ابن عمه بشیر بن سعد الخزرجی ، فنقض على الخزرج ما أجمعوا علیه فقال : " یا معشر الأنصار إنا والله لئن کنا أولى فضیله فی جهاد
– ص ۱۳۶ –
المشرکین وسابقه فی هذا الدین ما أردنا إلا رضى ربنا . نبینا والکدح لأنفسنا ، فما ینبغی لنا أن نستطیل على الناس بذلک ولا نبتغی من الدنیا عرضا فإن الله ولی المنه علینا بذلک . ألا إن محمدا من قریش وقومه أحق به وأولى . وأیم الله لا یرانی الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم " .
أنظر إلى الشعور الدینی کیف أخذ بأطراف کرم هذا الرجل ، متأثرا بدعوه أبی بکر وصاحبه ، خارجا على قومه بل على نفسه ، وکان بعد ذلک أول مبایع من القوم . ولا أعتقد أن ذلک کله عن نفاسه لسعد کما رماه به الحباب لما مد یده للبیعه
فناداه : " یا بشیر بن سعد عققت عقاق ! ما أحوجک إلى ما صنعت ؟ أنفست على ابن عمک الإماره ! " .
فقال بشیر : " لا والله ولکن کرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله لهم " .
بل اعتقد أنه کان صادقا بعض الصدق أو کله فیما ادعاه عن نفسه فإن سیر الحادثه کما وصفناه یدل دلاله واضحه على تأثر الجماعه بکلام أبی بکر وانقیادها إلى دعوته ولا سیما بعد ما صدر من الحباب ما یبعد النفوس عن دعوه قومه .
نعم ! وإنما کان مبدأ ظهور ذلک التأثیر فی بشیر بن سعد ، فیصح أن نجعله ممثلا لشعور قومه تلک الساعه .
– ص ۱۳۷ –
۹ – المهاجرون یربحون الموقف
إن الحقیقه هی التی وصفناها لک . إن القوم قد تکهربوا بدعوه المهاجرین وتهیئوا لبیعه واحد منهم بالرغم من وجود التنافس بین الحزبین کما أشرنا إلیه وصرح به أبو بکر فی خطبته التی تقدمت فی البحث ( ۳ ) إذ قال : " فقد جلس بین لحی أسد
یقضمه المهاجری ویجرحه الأنصاری " وزاد فی تهیئهم هذا منافسه الأوس للخزرج وحسدهم لسعد . وطبیعی أن تنافس القریب أکثر أثرا من منافسه البعید مهما کانت .
ولذلک نرى أبا بکر لما سمع مقاله بشیر لم یتأخر عن تقریر النتیجه من هذا النقاش ، فلا بد أنه علم بانقلاب الجمع تأثرا بدعوتهم کیف وهو قد هیمن علیهم ونومهم تنویما مغناطیسیا ، فیعرف کیف سخره وقاده فقدم للبیعه أحد الرجلین اللذین معه : عمر بن الخطاب وأبی عبیده الجراح ، وقال : " قد رضیت لکم أحد هذین الرجلین فأیهما شئتم فبایعوا " .
وقد جرى فی هذا الکلام هنا على نفس تلک الطریقه التی سلکها فی خطبته المتقدمه فی البحث ( ۷ ) من ترفعه عن مقام المعارضه ، وتجریده من نفسه حکما للحزبین یختار لهما ما هو الصالح باجتهاده ، فاختار لهم أحد هذین الرجلین .
ولکن الجمهور کما قلنا ضعیف الرأی والاختیار ،
– ص ۱۳۸ –
لا یعرف أن یختار ولا یعرف أن یعین ما یختار ، ویبقى فی مثل هذا الحال منتظرا إشاره من سخره ونومه التنویم المغناطیسی أو لأی شخص آخر یفاجئه بإراده قویه حازمه ، فلو أن أحدا من الحاضرین قام فبایع أحدا منهما عمر أو أبا عبیده لبویع وانتهى کل شئ .
ولو أن أبا بکر عین واحدا لما تأخروا عن بیعته ، ولکن هذا التردید بین الرجلین یظهر أنه کان مقصودا تمهیدا لإرجاع الأمر إلیه ، ولعله عن تفاهم سابق واتفاق بین الثلاثه لیتعاقبوا هذا الأمر .
ولذلک تمنى عمر عند الموت أن یکون أبو عبیده حیا لیعهد إلیه .
أما هما فقد أبیا علیه وقال عمر : " لا والله لا نتولى الأمر علیک ابسط یدک نبایعک ! " قال هذا القول ولم یترک فرصه تستغل للرد والحجاج ، فحقق القول بالعمل ، وأقدم بإراده جازمه لا تعرف التردد یتطلبها الموقف الدقیق ، فذهب لیبایع أبا بکر ،
ولم یتمنع أبو بکر فمد یده ، ولکن بشیر بن سعد هذا الذی تقدمت خطبته سابق عمر بن الخطاب إلیها فوضع یده بین یدیهما مبایعا ، کأنما أراد بذلک أن یحرز الفضیله فی السبق أو لیبرهن على إخلاصه للمهاجرین ، بل هذا من اندفاعات الجمهور
المدهشه بنتیجه انفعالهم بالمؤثرات التی تطرأ علیهم . وهو من أبلغ الشواهد على ما قلنا من تکهرب نفوس جمهور السقیفه بتلک المؤثرات التی استعملها أبو بکر بتلک
– ص ۱۳۹ –
الحذاقه واللباقه ، فإن لبعض الألفاظ والجمل سلطانا لا یضعفه العقل ولا یؤثر فیه الدلیل . ألفاظ وجمل یفوه بها الخطیب خاشعا أمام الجمهور ، فلا تکاد تخرج من فیه حتى تعلو الوجوه هیبتها وتعنو القلوب لها احتراما کأن فیها قوه إلهیه أو موجه
سحریه ، فتثیر تاره فی النفوس أشد الصواعق من الغضب ، وتسکنها تاره إذا جاشت فتمزق أشلاءها وتقودها إلى حیث یرید المتکلم راضیه قانعه ( ۱ ) .
ویظهر أن عمر أیضا أدرک حقیقه الموقف وکیف قد ربحه المهاجرون فلم یبق إلا أن یصدر أحدهم الحکم الفاصل فی تعیین من یبایع منهم ، فأقدم على بیعه أبی بکر – کما رأیناه – غیر متردد ولا متخوف ولا مستشیر ، ومد یده مسرعا .
وإلا فإن الأمر أعظم من أن یتم بهذه السرعه والسهوله التی کانت : بإقدام شخص واحد یعقد البیعه لشخص آخر الظاهر ظهور الشمس أنه صاحبه المنحاز إلیه فی وقت هو أحد ثلاثه أو أربعه من الحزب المعارض لقوم فی عقر دارهم معتزین بقوتهم یریدون أن یملکوا أعظم سلطان لأعظم أمه ، وهو لم یأخذ رأیهم وتصدیقهم على ما أراد ( ۲ ) .
___________________________________
( ۱ ) راجع کتاب " روح الاجتماع " المعرب لغستاف لبون ص ۱۱۳ .
( ۲ ) على أنه قال بعد ذلک فی خلافته : " فمن بایع أمیرا من غیر مشوره المسلمین فلا بیعه له ولا بیعه للذی بایعه تغره یقتلا " راجع کنز العمال الجزء الثالث رقم الحدیث ۲۳۲۳ . ( * )
– ص ۱۴۰ –
وإنما أقدم کأن الأمر لا یدور إلا بینه وبین أبی بکر کأمر ثابت لا شک فیه .
وهذه مغامره خطیره لها ما بعدها ، ولم تکن منه إلا لأنه أدرک نضج القوم وتهیئهم لبیعه أحد المهاجرین . ولذلک لم نجد معارضه من القوم ، بل الأوس ذهبت جمیعها مسرعه للبیعه من غیر تردد ولا تلکؤ یقدمها أسید بن حضیر بعد أن قالت ما قالت کما تقدم فی البحث ( ۳ ) .
ثم تبعهم جمیع الأنصار ما عدا سعدا ومن کان شدید التعصب له کابنه قیس والحباب . ولا شک أن للعدوى أثرها الفعال فی الجماعات فتسری سریان النار فی الهشیم ، أو تیار الکهرباء فی سلکه ، فقد وجدنا کیف کان هلعهم فی تزاحمهم على البیعه
وتسابقهم إلیها ، کأنما تفوت دونها الفرصه ، فأقبلوا من کل جانب یبایعون أبا بکر ، حتى ازدحموا على سعد بن عباده السید المطاع فی الخزرج بل الأنصار کلهم ، هذا الزعیم الذی کان قبل ساعه مرشحا للبیعه خلیفه للنبی وأمیرا على جمیع المسلمین ، وکادوا یطأونه فیقتلونه وهو مزمل وجع ، فحمل إلى داره صفر الیدین .
وهذا ألطف شئ فی تناقض أفعال الجمهور وعدم ثباته وتطرفه فی أعماله وآرائه وشده نزقه ، فإنه لا یعرف الحلم والصبر ولا قمع النفس عن الاسترسال فی نزعاتها ، ولا المحافظه على الآداب العامه المصطلح علیها ، وهو مع ذلک کثیر النسیان لأحواله السابقه .
– ص ۱۴۱ –
أما الحباب – ولا ینبغی أن ننساه – لما رأى إقبال الناس على البیعه انتضى سیفه ، فحامله عمر فضرب یده ، فندر السیف ، فأخذ منه . فجعل یضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البیعه ، ولکن من المعلوم أنه لم یصنع شیئا ولم یستطیع رد جماح أی شخص من قومه حتى تمت البیعه مرغما ، وصدق فیه وفی قومه المثل المشهور " رب ساع لقاعد " .
ولیتنی أراه فی تلک الساعه کیف کان حاله فتزبد شدقاه ویتمیز غیظا ویعض على أنامله وقد ملکت حواسه سوره الغضب ، وماذا کان یقول لقومه ولنفسه بعد ذلک الذی مضى منه من التهدید والوعید ثم ذهب هباء وخار ضعفا ؟
لا شک أنه لو کان من أبناء هذه المدینه الحدیثه متشبعا بعاداتها ، لکان – هو على مثل هذه الحال – ضحیه الانتحار لیتخلص من شنارها ویستر عارها .
۱۰ – النتیجه
نستنتج من سیر الحادثه إن طریقه بیعه أبی بکر لم تکن طریقه اختیار بالمعنى الصحیح ( ۱ ) ویحقق معنى أنها کانت " فلته " وقى الله شرها على حد تعبیر عمر بن الخطاب .
___________________________________________
( ۱ ) فنصدق کلمه الأستاذ محمد فرید أبی حدید فی مقاله " نظره فی نظام بیعه الخلفاء " المنشور فی مجله الرساله المصریه العدد ۱۰ .
– ص ۱۴۲ –
وقد رأینا السرعه التی جرت بالحادث لم تبق مجالا للمفکر أن یشحذ فکره ولا للمعارض أن یقیم حجته ، فکانت مفاجأه فی مفاجأه . مع أن العاطفه العدائیه عند الأوس المهیجه من أبی بکر کان لها الأثر الفعال فی تقریب النتیجه ، وساعدها بل أشعل أوارها إن المجتمعین انطبعت فیهم أوصاف الجماعه الاجتماعیه ، مما یذهب عنهم صحه الاختیار والحکم .
فلا بدع إذا لم یثق الباحث المفکر باختیار جماعه السقیفه ، ولا یغتر به دلیلا على صحه هذه الطریقه من البیعه فی الإسلام . وقد أشرنا فی الفصل الأول إلى أن عمر نفسه قال عنها : " فمن دعا إلى مثلها فهو الذی لا بیعه له ولا لمن بایعه " .
ولا غرابه أیضا إذا لم یدافع أحد عن النص على علی بن أبی طالب ، وقد اندفع المجتمعون بتیار جارف لا یقف فی سبیله شئ ، ونحن نعرف رأی المهیمنین على الاجتماع فی علی ، وهم یبتعدون أن یتم له شئ من ذلک .
أفتراهم یدعون إلیه فی هذا المجتمع الذی أسس على الإعراض عن النص فیه .
وإذا قال بعد ذلک بعض الأنصار أو کلهم " لا نبایع إلا علیا " کما سبق فقد قلنا إن ذلک بعد خراب البصره ، فإن هذا الجمهور أصبح لا یملک اختیاره وتفکیره وشعوره بواجبه الدینی لما قلناه من تکهربه بتیار تلک القوه السحریه
– ص ۱۴۳ –
قوه الاجتماع التی تجعل أعماله أعمالا لا شعوریه ، على أن أساس الاجتماع ارتکز على طمع الأنصار من جهه تخوفهم من جهه أخرى " على ما شرحناه فیما تقدم " .
وهذان لم یترکاهم یفکرون فی واجبهم الدینی فبعد أن أفحموا وغلبوا واندفعوا مع الغالبین ، وتلک هی فطره البشر .
ویشهد على ما نحسه من الضعف الدینی فی تلک الأحکام العاجله والقرارات الخاطفه فی اجتماع السقیفه ، إنه مما تقرر فی تلک النهزه أمران عامان :
۱ – إن الأنصار لا حق لهم فی هذا الأمر .
۲ – إنهم الوزراء لمن کانت له الإماره .
مع أن الأول شک فیه أبو بکر نفسه بعد ذلک إذ تمنى فیما تمنى لو سأل النبی عنه ، والثانی هذا المنصب المزعوم – وزاره الخلیفه – لم یعط لأحد منهم لا فی عهد أبی بکر ولا بعده ، بل هذا المنصب لم یحدث لأحد إلا فی عهد العباسیین .
وبهذه النتیجه التی حصلنا علیها من سیر حوادث السقیفه وملابساتها یسهل علینا أن نفسر بها الآیه الکریمه " أفإن مات أو قتل انقلبتم . . . " . فإن الاجتماع کان – على کل حال – انقلابا على الأعقاب حتى لو لم نؤمن بالنص من قبل النبی صلى الله علیه وآله على من سیکون خلیفه من بعده ، لأن الاجتماع کما قلنا من أصله کان افتیاتا على المسلمین ولم
– ص ۱۴۴ –
یکن مستندا إلى قاعده إسلامیه أو تصریح من الرسول . وکذلک ما قرره الاجتماع لم یکن إلا قرارا خاطفا تحکمت فیه العواطف فی المبدأ والمنتهى ، ولیس فیه مجال الرجوع إلى النص .
وإلى هنا نستطیع أن نرجع إلى ما قلناه فی التمهید أنه کیف تفسر الآیه بحوادث السقیفه وأرجو من القارئ أن یرجع من جدید إلى بحث السقیفه لیأخذ بأطراف الموضوع على ضوء هذه النتیجه .
ومن نفس الحادثه نستطیع أیضا أن نؤید النص على الإمام علی علیه السلام ، لأن ما ورد فیه من تلک النصوص لو لم تکن لتعیینه خلیفه وکانت لمجرد الثناء وبیان فضله ولم یکن الاجتماع لاستغلال الفرصه لمخالفه النص وکان اجتماعا طبیعیا
شرعیا – لو لم یکن کل ذلک لوجب أن یکون هذا الرجل الذی هو من النبی بمنزله هارون من موسى فی مقدمه المجتمعین وعلى رأسهم ومعه أهل بیته ولما کان ینعقد الاجتماع ولا یقرر فیه شئ من دون مشورته وموافقته ولکن – کما سبق – کل
ذلک لم یقع . بل الحادثه من مبدأها إلى منتهاها أخذت على أن تقع على غفله منه ومن بنی هاشم إلى آخر لحظه منها وأهمل شأنهم وکأنهم لم یکونوا من المسلمین أو لم یکونوا من الحاضرین إلا بعد أن تم کل شئ .