شیعه أهل بیت النبوه: تکون وفرق

0

 وهم المبشرون بالجنه (وجزاهم بما صبروا جنه وحریراً) [ الإنسان / ۱۲ ] قبل أن یبشر بها أحد. ومن الطبیعی أن فاطمه وعلی والحسن والحسین هم ساده أهل بیت النبوه بلا خلاف. فهم أقرب الناس للنبی، وهم أول المعنیین بالآیات التی أشرنا إلیها. ثم إن النبی رکز ترکیزاً مکثفاً على أهل بیت النبوه بعامه وعلى علی بن أبی طالب والحسن والحسین بخاصه.
وأبرز علیاً بن أبی طالب، فقال إنه خلیفته وإنه الولی من بعده بل وولی کل مؤمن ومؤمنه، وأنه الإمام، وأنه المبین، وأنه الهادی، ولا أحد یؤدی عن النبی إلا النبی نفسه أو علی، وأن علی من بعد النبی هو أولى بکل مؤمن من نفسه، ومن بعد علی الحسن، ومن بعد الحسن الحسین إلى أن یتم العدد اثنى عشر إماماً بالمهدی المنتظر. والأهم من ذلک أن رسول الله عد القرآن الکریم ثقلاً، واعتبر هؤلاء الأطهار ثقلاً آخر، وجزم رسول الله بأن الهدی لا یدرک إلا بالتمسک بهذین الثقلین معاً، وأن الضلاله لا یمکن تجنبهما إلا بالتمسک بهما معاً. ما یجعل التشیع لأهل بیت النبوه، فی هذا المفهوم والتمسک بهم، معادلاً للتشیع للقرآن الکریم والتمسک به لأنهما خلاصه الدین وعنوانه وضمان وجوده واستمراره. والتشیع، فی هذا المفهوم، عمل تعبدی من جمیع الوجوه خاصه وأن رسول الله لم یأمر بذلک من تلقاء نفسه ولا بمبادره شخصیه منه، بل کان یبین القرآن ویتبع بدقه متناهیه ما یوحى إلیه (إن أتبع إلا ما یوحى إلی) [ الأنعام / ۵۰ ]. ومن جهه ثانیه، فإن علیاً بن أبی طالب لم یکن شخصاً مغموراً، فأبوه عبد مناف بن عبد المطلب (أبو طالب) شیخ البطاح، تعرفه جمیع العرب. ثم إن النبی قد ربی علیاً، وأتبعه علی أتباع الفصل لأثر أمه، فما رؤی النبی إلا ومعه علی، ثم إنه ابن عم النبی الشقیق وزوج ابنته البتول فاطمه، ووالد سبطیه الحسن والحسین ولا عقب للنبی غیر هما، ثم إن علیاً هو فارس العرب أجمعین الذی قتل سادات البطون یوم بدر، وقتل حمله ألویتها یوم أحد، وبارز عمرو بن ود یوم الخندق وقتله أمام العرب جمیعهم، وهو الذی هزم الیهود فی خیبر، ثم إن علیاً باب الحکمه والعلم اللدنی، لقد اجتمعت له من أسباب المجد والشهره ما لم تجتمع لأحد من بعد النبی قط فمن الطبیعی جداً أن یحب المؤمنون، الصادقون فی حب رسول الله، هذا الرجل العظیم وأن یتشیعوا له لأهل بیته، وأن یعدوا الآیات القرآنیه والسنه النبویه الوارده فیهم بمثابه دعوه إلهیه لموالاه أهل بیت النبوه والتشیع لهم. وأن التشیع لهم بمثابه تشیع للنبی نفسه، وللدین الذی جاء به، وإلا فما هو المقصود من حدیث الثقلین!؟ ولیعتبروا التشیع طریق الفوز والعلو والجنه وإلا فکیف یفسرون قول النبی (إن هذا وشیعته لهم الفائزون یوم القیامه)، أو بیان النبی لآیه (أولئک هم خیر البریه) [ البینه / ۶ ] (بأنهم علی وشیعته) وقد وثقنا ذلک فی الصفحات السابقه!
کلمه شیعه تأخذ معنى خاصاً
رأینا أن کلمه شیعه عنت، لغه واصطلاحاً، وفی القرآن الکریم والسنه والاستعمالات التاریخیه فئه أو جماعه، أو طائفه أو أتباع حزب أو شخص ومؤیدیه. ولما تکونت شیعه أهل بیت النبوه وشاع أمرها وظهرت حجتها، ونتیجه تضافر الحکام وشیع المجتمع الإسلامی علیها، تکون رأی عام إسلامی مشبع بالنفور والاستیاء من شیعه أهل بیت النبوه، وخلصوا إلى نتیجه مفادها أن هؤلاء خطر مشترک یهدد الجمیع، فاتحدت الشیع الإسلامیه فی مواجهه شیعه أهل بیت النبوه، تماماً کما اتحدت شیع المجتمعات السابقه للإسلام فی مواجهه الأنبیاء وشیعتهم المؤمنه، وضمن سلسله من الإجراءات الطویله أقلع الحکام وشیع المجتمع الإسلامی نهائیاً عن استعمال کلمه شیعه وتشیع، وتم تخصیص هذه الکلمه لتدل بإطلاقها على شیعه علی وأهل بیت النبوه مثلما تدل بتخصیصها بعدما تکون رأی إسلامی عام صار معه التشیع فی هذا المفهوم جریمه وصارت تهمه الکفر والزندقه أخف وطأه على الأسماع والقلوب من تهمه التشیع لأهل بیت النبوه. وما یعنینا أن معنى کلمه شیعه قد تخصص نهائیاً بشیعه أهل بیت النبوه، ومن النصوص التی تنیر ذلک نقرأ:
قال ابن منظور: (وقد غلب هذا الاسم على من یتوالى علیاً وأهل بیته، رضوان الله علیهم أجمعین، حتى صار لهم اسماً خاصاً، فإذا قیل: فلان من الشیعه عرف أنه منهم، وفی مذهب الشیعه کذا أی عندهم، وأصل ذلک من المشایعه وهی المتابعه والمطاوعه) (۱).
قال الأزهری: (والشیعه قوم یهوون هوى عتره النبی صلى الله علیه وآله وسلم ویوالونهم) (۲).
قال الشیخ أبو محمد الحسن بن موسى النوبختی، فی کتابه الفرق والمقالات: (الشیعه هم فرقه علی بن أبی طالب المسمون بشیعه علی فی زمن النبی وبعده، معروفون بانقطاعهم إلیه والقول بإمامته من بعد الرسول).
وقال أبو حاتم السجستانی (۳): (إن لفظ الشیعه کان على عهد الرسول) (۴).
وباختصار، فإن کلمه الشیعه، إطلاقاً، أو شیعه أهل بیت النبوه، إضافه، صارت تطلق على أولئک الذین یقولون بوجود نص شرعی على خلافه علی بن أبی طالب بالذات والأئمه من ولده من بعد النبی، ویقولون بإمامتهم وولایتهم ویتبعونهم ویقتدون بهم ولا یقتدون بغیرهم، ولا یقرون لأحد غیرهم بالإمامه والولایه.
ومن الغریب والمدهش حقاً أن کافه الفرق والجماعات الإسلامیه سلمت لشیعه أهل بیت النبوه ب‍ (مصطلح شیعه) ورضیت بتخصیصه لهم، وتوقفت عن إطلاق لفظ شیعه على غیر هم من الفرق والجماعات!
____________
(۱) لسان العرب، ماده (شیع).
(۲) المصدر نفسه.
(۳) فی ج ۳، من کتابه الزینه.
(۴) راجع: معالم الفلسفه محمد جواد مغنیه ص ۶۴، والتشیع والتصوف لهاشم معروف الحسنی ص ۹۷۵، وکتابنا النظام السیاسی فی الإسلام ص ۲۹۹ – ۳۰۰٫
وحتى نبقى ضمن إطار البحث، وبغض النظر عن صحه مقولات شیعه أهل بیت النبوه أو عدم صحتها، فإن لهذه الشیعه أمرها الواحد، وقیادتها الواحده، وفکرها الخاص بها الذی تسعى لنشره وتعمیمه، وهدفها الوحید الذی تسعى إلى تحقیقه، ولها ثقافتها وآلیاتها الثقافیه الخاصه بها. کل هذا یجعلها جماعه أو فئه أو حزباً متمیزاً بالکامل من غیره من الأحزاب والفرق والجماعات الإسلامیه. وبالرغم من هذا التخصیص (العرفی) لکلمه شیعه فإننا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام المعنى اللغوی والاصطلاحی المستقر فی اللغه والقرآن والسنه والتاریخ، وإن تخصص (عرفیاً).
التشیع للأشخاص والأفکار من سنن المجتمعات البشریه
التشیع وقیام الشیع، وفق مفهومها اللغوی والاصطلاحی، کان الصفات البارزه التی میزت المجتمعات البشریه طوال التاریخ. ووجود الشیع الکثیره مظهر من المظاهر الدائمه لکل مجتمع. والمجتمع الإسلامی لم یشذ عن هذه القاعده، فقد تکونت للرسول نفسه شیعه أخذت تنمو وتکبر حتى انضم لها أفراد المجتمع کله، فقد تشیع الجمیع لرسول الله أو تظاهروا بذلک، وآمنوا بما جاء به، حتى بدا المجتمع الإسلامی شیعه واحده متمیزاً باعتقاداته وقیادته عن غیره من المجتمعات المعاصره له. وبعد انتقال الرسول إلى جوار ربه تشیع فریق من المسلمین لأبی بکر وفریق آخر لعمر، وثالث لعثمان، ورابع لطلحه وخامس للزبیر.. وسادس لمعاویه، وسابع لمروان بن الحکم، وثامن لیزید بن معاویه… الخ. وکان لکل واحد من أولئک الشخصیات شیعته الخاصه به التی ترى رأیه، ولم یقل أحد من الناس أن التشیع لهذه الشخصیه البارزه أو تلک جریمه، ولم تحاصر شیع المجتمع الإسلامی شیع أولئک الشخصیات البارزه بل کان الناس یعدون التشیع لهم أمراً عادیاً جداً مألوفاً.
فمعاویه، مثلاً، وأبوه قادا الأحزاب وحاربا رسول الله بجمیع وسائل الحرب، وقاوما بجمیع فنون المقاومه، ولم یدخلا الإسلام إلا بعد ثلاثه وعشرین عاماً من العناد، وبعد أن أحیط بهم، ومع هذا فلم تر جموع المسلمین غضاضه ولا حرجاً من وجود شیعه لمعاویه، ومن التشیع له مع أنه طلیق ومن المؤلفه قلوبهم.
ویزید بن معاویه، مثال ثان، قتل ابن الرسول فی کربلاء وسبعه عشر رجلاً من أهل بیت النبوه، وساق بنات الرسول سبایا من کربلاء فی العراق إلى دمشق من دون مسوغ لهذا کله. وهدم الکعبه وهی قبله المسلمین، واستباح مدینه الرسول، وقتل عشره آلاف مسلم فی یوم واحد وهو یوم الحره، وحبل جیشه ألف عذراء من بنات مدینه الرسول بالقوه. ومع هذا لم تر جموع المسلمین غضاضه ولا حرجاً فی أن تکون له شیعه.
ومثال ثالث، مروان بن الحکم لعنه رسول الله، ولعن أباه، ونفاه من المدینه، وحرم علیه أن یساکنه فیها، وکان من المعروفین بعداوتهم لرسول الله.
ومع هذا کانت له شیعه ترى رأیه ولم تتعجب جموع المسلمین من وجود شیعه له ولم تتعجب لأنه صار خلیفه بل ووالد جمیع خلفاء بنی أمیه المروانیین وجدهم.
ولیس لدى الجموع المسله ما یمنع من أن تکون للأمویین شیعه وقد کانت بالفعل، أو لبنی تیم أو لبنی عدی أو لأی بطن من بطون قریش أو من بطون قبائل العرب، وقد کانت بالفعل، فلیس فی ذلک ما یدعو إلى الاستغراب وما یخرج عن المألوف! ولکن ما یثیر دهشه الجموع المسلمه وحنقها واستغرابها هو وجود شیعه لأهل بیت النبوه أو وجود من یتشیع لهم. هذا ما یقیم الدنیا ولا یقعدها! قد تتقبل الجموع المسلمه فکره وجود جماعه شیوعیه ینکرون وجود الله! وتتقبل وجود یهود ونصارى ولکنها لا تتقبل وجود شیعه أو حزب یؤید أهل بیت النبوه! فما هو السبب فی هذا النفور العجیب؟ وما هو سر هذه العقیده؟ إنها ثقافه التاریخ ورواسب الماضی المناقضه تماماً للثقافه القرآنیه.
الثقافه المناقضه للثقافه القرآنیه
الشیع تنفض وتتبعثر عاده بموت قادتها، أو إفلاس فکرها، أو فشل تجربتها، لتقوم على أنقاضها شیع جدیده بقیادات جدیده وفکر جدید أو معدل تعدیلاً جذریاً. هذه قاعده عامه لم تشذ عنها إلا شیعه أهل بیت النبوه. فقد بقیت هذه الشیعه ثابته ولم تنقرض، وبقی فکرها کما هو لم یتزعزع ولم یتبدل. فمنذ وفاه النبی وحتى الآن وشیعه أهل بیت النبوه ترى أن ولایه الأمه وإمامتها وقیادتها من بعد النبی وحتى قیام الساعه هی حق شرعی ثابت لعلی بن أبی طالب ولأبنائه وأحفاده الأئمه من بعده، وأنهم قد غصبوا هذا الحق ظلماً. ثم إن هذه الشیعه تزید ولا تنقص. لقد شعر الحکام بخطوره هذه الحرکه على نظم حکمهم وعلى الصیغه الجدیده التی طرحوها للإسلام. وشعرت الشیع الإسلامیه جمیعها بهذه الخطوره واستاء العامه فالشیعه یخطئون صراحه، أو ضمناً أعداداً کبیره من الصحابه، ویقولون بکل صراحه إن علیاً بن أبی طالب کان أولى بالخلافه من أبی بکر وعمر وعثمان، لهؤلاء الثلاثه فی نفوس المسلمین مرتبه من القداسه والتقدیس تفوق التصور. فشعرت العامه أن شیعه أهل بیت النبوه تهز عقیدتهم بقداسه هؤلاء الثلاثه، ما أثار سخطها وشعورها البالغ بالاستیاء، لأن هؤلاء الثلاثه فوق الشبهات فهم أعمده الحکم التاریخی من بعد النبی، وعصورهم هی العصور الذهبیه فی الإسلام. والتشکیک بنزاهتهم تشکیک بالدین نفسه، وهدم العصور الذهبیه! ومن جهه ثانیه، فإن هؤلاء الثلاثه، کما ترى الشیع، أجل وأرفع من أن یعرفوا حق علی والأئمه من أهل بیت النبوه بالإمامه والولایه ثم یغصبوه منهم. ورسخ هذه العقیده وزاد من خطورتها أن الأمویین الذین طبعوا الدوله الإسلامیه التاریخیه بطابع المؤسسیه والاستقرار التنظیمی وبخاصه معاویه بن أبی سفیان موتورون وحاقدون على آل محمد بعامه وعلى علی بن أبی طالب وذریته بخاصه، فقد قتل علی حنظله شقیق معاویه واشترک مع الحمزه فی مقتل عتبه جد معاویه، والولید ابن خاله وشیبه شقیق جده وتسعه من شیوخ بنی أمیه، ومعاویه والأمویون بشر، وتلفظهم بالشهادتین لا یخرج الحقد من قلوبهم وعندما ملک معاویه زمام الأمور، ودانت له البلاد الإسلامیه بالطاعه رغبه أو رهبه استغل خلیفه العامه وسخر جمیع موارد دولته وإعلامها لتثبیت قواعد الملک الأموی، وتقلیم أظافر أهل بیت النبوه والتنکیل بهم وبشیعتهم، لیکونوا مجرد رعایا منبوذین لا معین لهم ولا ناصر، فیقضی على أیه مخاطر محتمله منهم على ملکه بخاصه وعلى ملک الأمویین بعامه. فما أن استقر عرش معاویه حتى أصدر سلسه من (المراسیم الملکیه)، وطلب من جمیع عماله فی أرجاء الدوله أن ینفذوها بدقه بالغه، وأن یأخذوا الناس بها. ومن أهم هذه (المراسیم).
۱ – (برئت الذمه ممن روى شیئاً من فضل أبی تراب وأهل البیت).
وعملاً، بهذا (المرسوم) فمن یروی حدیث الثقلین، أو حدیث (من کنت مولاه فهذا علی مولاه وولیه) أو أی حدیث آخر مهدور الدم ویمکن لأی شخص أن یتولی إعدامه فی الشارع العام ومن دون محاکمه!
۲ – طلب معاویه جمیع عماله (أن لا یجیزوا لأحد من شیعه علی بن أبی طالب وأهل بیت النبوه شهاده) وبناء على هذا (المرسوم) لو حضر الحسین ابن رسول الله عقداً من العقود لما جاز له أن یشهد على هذا العقد، ولا یجوز لأی من موالی أهل بیت النبوه شهاده أیضاً. فهم رسمیاً محرومون من کافه الحقوق المدینه والسیاسیه حسب قوانین دوله معاویه (ومراسیمها) التشریعیه.
۳ – قال معاویه لعماله: (انظروا من قامت علیه البینه أنه یجب علیاً بن أبی طالب وأهل البیت فامحوه من الدیوان وأسقطوا عطاءه ورزقه) ونتصور خطوره هذا القرار إذا عرفنا أن العطاء کان هو المصدر الوحید لرزق أکثریه رعایا الدوله الإسلامیه آنذاک.
۴ – وقال معاویه لعماله: (من اتهمتموه بموالاه علی بن أبی طالب وأهل بیت النبوه فنکلوا به واهدموا داره) فصار بإمکان الوالی، فی أی بلد أو کوره، أن یهدم دار أی مسلم بجرم موالاه علی بن أبی طالب أو أهل بیت النبوه.
۵ – أمر معاویه عماله: (لا تترکوا خبراً رواه أحد من المسلمین فی أبی تراب إلا وتأتونی بمناقض له فی الصحابه، فإن هذا أحب إلی وأقر إلى عینی وأدحض لحجه أبی تراب وشیعته)!
وبناء على هذا (المرسوم) یتولى عمال معاویه، إذا شاع قول الرسول لعلی:
(أنت ولی کل مؤمن ومؤمنه من بعدی)، على سبیل المثال، إیجاد المحدثین الذین یتولون اختلاق حدیث عن رسول الله ینفی الحدیث السابق، ویعطی مزایاه لصحابی آخر.
فقرأت کتب معاویه (ومراسیمه) على الناس فی کل کوره فقام الخطباء، وعلى کل منبر، یلعنون علیاً بن أبی طالب ویقعون فیه وفی أهل بیت النبوه (۱).
____________
(۱) راجع: شرح نهج البلاغه لعلامه المعتزله ابن أبی الحدید، ۳ / ۵۹۵، تحقیق حسن تمیم کما نقله عن المدائنی فی کتابه الأحداث.
ومع ضغط الدوله، ووسائل إعلامها تکون رأی عام یرى أن الزندقه والکفر أخف جرماً من التشیع لأهل بیت النبوه أو من موالاتهم. وبالفعل، فإن الزنادقه والکفار والمنافقین لم یتعرضوا لعشر معشار ما تعرض له أهل بیت النبوه وشیعتهم. قال المدائنی: (ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسین، وولی عبد الملک بن مروان فاشتد على الشیعه وولى علیهم الحجاج بن یوسف الثقفی، فتقرب إلیه أهل النسک والصلاح والدین ببغض علی وموالاه أعدائه، وموالاه من یدعی أنهم من أعدائه) (۱).
لم تتوقف الدوله الأمویه عن التنقیب المستمر لإیجاد شخصیات إسلامیه تأخذ الفضل من علی، أو تسبقه فی هذا الفضل، وعن إیجاد جماعات إسلامیه تقف على قدم المساواه مع أهل بیت النبوه وتسبقهم، فاخترع الأمویون وأشیاعهم " (نظریه عداله الصحابه) بثوبها الفضفاض، ونسبوا للصحابه جمیعاً من الفضائل ما لم یخطر على البال لا حباً بالصحابه، ولکن إرغاماً لأنوف أهل بیت النبوه وموالیهم!
قال ابن عرفه، المعروف بنفطویه، وهو من أکابر المحدثین وأعلامهم، فی تاریخه: (إن أکثر الأحادیث الموضوعه فی فضائل الصحابه افتعلت فی أیام بنی أمیه تقرباً إلیهم بما یظنون أنهم یرغمون به أنوف بنی هاشم) (۲).
____________
 (1) المصدر نفسه: ۳ / ۵۹۵ – ۵۹۶٫
(۲) المصدر السابق: ۳ / ۵۹۷٫
واستغل العباسیون حاله التعاطف مع قضیه أهل بیت النبوه، وشکلا شیعه خاصه بهم، وغلب العباسیون بنی أمیه فحکموا، وکان المفترض أن تخف الوطأه عن أهل بیت النبوه وشیعتهم بسقوط الحکم الأموی وقیام حکم بنی العباس أبناء عمومه الإمام علی، ولکن حکم بنی العباس لم یقل وطأه على أهل البیت وشیعتهم من الحکم الأموی. وغلب العثمانیون بنی العباس وأقاموا دولتهم الجدیده على أنقاض الدوله العباسیه. وبقیت شیعه أهل بیت النبوه هاجس الدوله التاریخیه، وبقی الحصار مفروضاً علیها. ومع أن دوله الخلافه التاریخیه قد سقطت رسمیاً بسقوط آخر سلاطین بنی عثمان ; إلا أن الثقافه التی زرعتها فی نفوس العامه عن الشیعه والتشیع، بمعناه (العرفی) الجدید، لم تسقط بعد، بل ما زالت ضاربه الجذور فی نفوس العامه عموماً والحرکه الوهابیه خصوصاً، وبقیت هذه الثقافه، جزءاً لا یتجزأ من معتقدات العامه. وهذا یتعارض مع توجه الأمه لتوحید کلمتها وجهدها فی مواجهه أعدائها!
إنه لمن المدهش حقاً أن یتمکن أهل بیت النبوه من المحافظه على تواصل بقائهم فی هذا المناخ العاصف.
ومن المثیر للدهشه، أیضاً، أن یبقی لأهل بیت النبوه شیعه تتبنى قضیتهم وتقول بحقهم بالإمامه والولایه والقیاده أمام هذه الأمواج العاتیه من العداء فی الوقت الذی تتبعثر فیه کل الشیع ویتحول فکرها وقادتها إلى مجرد کلمات مختصره فی صفحات التاریخ.
صفوه المجتمع
والخلاصه أن التشیع یعنی موالاه القیاده الإلهیه، أی الصفوه، وأن الشیعه هم قمه الوعی وهم الصفوه والنماذج الإسلامیه المتحرکه، وبهذا وصفهم الإمام محمد الباقر علیه السلام بقوله: (ما شیعتنا إلا من أتقى الله وأطاعه، وما کانوا یعرفون إلا بالتواضع والتخشع، وأداء الأمانه، وکثره ذکر الله، والصوم والصلاه، والبر بالوالدین، وتعهد الجیران من الفقراء وذوی المسکنه والغارمین والأیتام، وصدق الحدیث وتلاوه القرآن، وکف الألسن عن الناس إلا من خیر، وکانوا أمناء عشائرهم فی الأشیاء) (۱).
____________
(۱) راجع: تحف العقول للحرانی، حکم ومواعظ للإمام الباقر علیه السلام ص ۲۱۵٫
فرق الشیعه
استقر معنى کلمه (الشیعه) للدلاله على کل أولئک الذین یؤمنون بحق أهل بیت النبوه بالإمامه أو القیاده أو الولایه أو المرجعیه من بعد النبی، بغض النظر عن درجات هذا الإیمان ودوافعه. والشیعه متفاوتون فی هذا الإیمان. وهذا التفاوت ینجم عن قربهم من الأئمه أو بعدهم عنهم، ومعرفتهم أو جهلهم بالمنظومه الشرعیه الإلهیه التی عالجت حق أهل بیت النبوه بالإمامه أو القیاده أو الولایه أو المرجعیه من بعد النبی.

Leave A Reply

Your email address will not be published.