تغلب الامام المهدی على قوانین الطبیعه

0

 فی وقت سابق على ذلک جداً وتؤدی به تلک المرحله طبیعیاً إلى الموت أو لیس ذلک مستحیلاً من الناحیه الواقعیه؟
الجواب: یمکن صیاغه السؤال بکلمه أخرى وهی هل بالإمکان أن یعیش الإنسان قروناً کثیره … وکلمه الإمکان هنا تعنی أحد ثلاثه معانٍ: الإمکان العملی، والإمکان العلمی، والإمکان المنطقی أو الفلسفی.
والإمکان العملی هو أن یکون الشیء ممکناً على نحوی تاح لی أو لک، أو لإنسان آخر فعلاً إنّ یحققه، فالسفر عبر المحیط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشیاء أصبح لها إمکان عملی فعلاً. فهناک من یمارس هذه الأشیاء فعلاً بشکل وآخر.
أما الإمکان العلمی هو أن هناک أشیاء قد لا یکون بالإمکان عملیاً لی أو لک، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدینه المعاصره، ولکن لا یوجد لدى العلم ولا تشیر اتجاهاته المتحرکه إلى ما یبرر رفض هذه الأشیاء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصه، فصعود الأشیاء الزهره لا یوجد فی العلم ما یرفض وقوعه، بل إنّ اتجاهاته القائمه فعلاً تشیر إلى ذلک وان لم یکن الصعود فعلاً میسوراً لی أو لک، لأن الفارق بین الصعوى إلى الزهره والصعود إلى القمر لیس الا فارق درجه، ولا یمثل الصعود إلى الزهره الا مرحله تذلیل الصعاب الإضافیه التی تنشأ من کون المسافه ابعد، فالصعود إلى الزهره ممکن علمیاً وان لم یکن ممکناً عملیاً فعلاً. وعلى العکس من ذلک الصعود إلى قرص الشمس فی کبد السماء فإنه غیر ممکن علمیاً، بمعنى إنّ العلم لا أمل له فی وقوع ذلک اذ لا یتصور علمیاً وتجریبیاً، امکانیه صنع ذلک الدرع الواقی من الاحتراق بحراره الشمس، التی تمثل أتوناً هائلاً مستعراً بأعلى درجه تخطر على بال إنسان، أما الإمکان المنطقی أو الفلسفی أنّه لا یوجد لدى العقل وفق ما یدرکه من قوانین قبلیه ـ أی سابقه على التجربه ـ ما یبرر رفض الشیء والحکم باستحالته.
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوی وبدون کسر إلى نصفین لیس له منطقی، لأن العقل یدرک ـ قبل إنّ یمارس أی تجربه ـ إنّ الثلاثه عدد فردی ولیس زوجاً، فلا یمکن إنّ تنقسم بالتساوی لأن انقسامها بالتساوی یعنی کونها زوجاً فتکون فرداً وزوجاً فی وقت واحد وهذا تناقض، والتناقض مستحیل منطقیاً، ولکن دخول الإنسان فی النار دون إنّ یحترق وصعوده للشمس دون إنّ تحرقه الشمس بحرارتها لیس مستحیلاً من الناحیه المنطقیه إذ لا تناقض فی افتراض إنّ الحراره لا تتسرب من الجسم الأکثر حراره إلى الجسم الأقل حراره، وانما هو مخالف للتجربه التی أثبتت تسرب الحراره من الجسم الأکثر حراره إلى الجسم الأقل حراره إلى أن یتساوى الجسمان الحراره.
وهکذا نعرف إنّ الإمکان المنطقی أوسع دائره من الإمکان العلمی، وهذا أوسع دائره من الإمکان العملی، ولا شک فی إنّ امتداد عمر الإنسان آلاف السنین ممکن منطقیاً، لأن ذلک لیس مستحیلاً من وجهه نظر عقلیه تجریدیه، ولا یوجد فی افتراض من هذا القبیل أی تناقض، لأن الحیاه کمفهوم لا تستبطن الموت السریع ولا نقاش فی ذلک.
کما لا شک أیضاً ولا نقاش فی إنّ هذا العمر الطویل لیس ممکناً إمکاناً عملیاً على نحو الإمکانات العملیه للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، وذلک لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضره فعلاً، والمتاحه من خلال التجربه البشریه المعاصره، لا تستطیع أن تمدد عمر الإنسان مئات السنین، ولهذا نجد أن اکثر الناس حرصاً على الحیاه وقدره على تسخیر إمکانات العلم، لا یتاح لها من العمر الا بقدر ما هو مألوف. وأما الإمکان العلمی فلا یوجد علمیاً الیوم ما یبرر رفض ذلک من الناحیه النظریه. وهذا بحث یتصل فی الحقیقه بنوعیه التفسیر الفسلجی لظاهره الشیخوخه والهرم لدى الإنسان، فهل تعبّر هذه الظاهره من قانون طبیعی یفرض على أنسجه جسم الإنسان وخلایاه بعد إنّ تبلغ قمه نموها أن تتصلب بالتدریج وتصحب اقل کفاءه للاستمرار فی العمل، إلى إنّ تتعطل فی لحظه معینه، حتى لو عزلناها عن تأثیر أی عامل خارجی، أو إنّ هذا التصلب وهذا التناقض فی کفاءه الأنسجه والخلایا الجسیمه، للقیام بأدوارها الفسیولوجیه نتیجه صراع مع عوامل خارجیه کالمیکروبات أو التسمم الذی یتسرب إلى الجسم من خلال ما یتناوله من غذاء مکثف، أو ما یقوم به من عمل مکثف أو أی عامل آخر؟
وهذا سؤال یطرحه العلم الیوم على نفسه، وهو جاد فی الإجابه علیه، ولا یزال للسؤال اکثر من جواب على الصعید العلمی. فإذا أخذنا بوجهه النظر العلمیه التی تتجه إلى تفسیر الشیخوخه والضعف الهرمی بوصفه نتیجه صراع واحتکاک مع مؤثرات خارجیه معینه فهذا یعنی إنّ بالإمکان نظریاً إذا عزلت الأنسجه التی یتکن منها جسم الإنسان عن تلک المؤثرات المعینه أن تمتد بها الحیاه وتتجاوز ظاهره الشیخوخه وتتغلب علیها نهائیاً.
وإذا أخذنا بوجهه النظر الأخرى التی تمیل إلى افتراض الشیخوخه قانوناً طبیعیاً للخلایا والأنسجه الحیه نفسها بمعنى أنّها تحمل فی أحشائها بذره فنائها المحتوم، مروراً بمرحله الهرم والشیخوخه وانتهاء بالموت.
أقول: إذا أخذنا بوجهه النظر هذه فلیس معنى هذا عدم افتراض أی مرونه فی هذا القانون الطبیعی بل هو على افتراض وجوده قانون مرن، لأننا نجد فی حیاتنا الاعتیادیه ولأن العلماء یشاهدون فی مختبراتهم العلمیه إنّ الشیخوخه کظاهره فسیولوجیه الازمنیه قد تأتی مبکره وقد تتأخر ولا تظهر الا فی فتره متأخره، حتى إنّ الرجل قد یکون طاعناً فی السن ولکنه یملک أعضاء لینه ولا تبدو علیه أعراض الشیخوخه کما نص على ذلک الأطباء. بل إنّ العلماء استطاعوا عملیاً أن یستفیدوا من مرونه ذلک القانون الطبیعی المفترض، فأطالوا عمر بعض الحیوانات مئات المرات بالنسبه إلى أعمارها وبهذا یثبت علمیاً: إنّ تأجیل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلیه قانون الشیخوخه.
وبهذا یثبت علمیاً أن تأجیل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معینه أمر ممکن علمیاً، ولئن لم یتح للعلم إنّ یمارس فعلاً هذا التأجیل بالنسبه إلى کائن معقد معین کالإنسان فلیس ذلک إلاّ لفارق درجه بین صعوبه هذه الممارسه بالنسبه إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبه إلى إحیاء اخرى، وهذا یعنی إنّ العلم من الناحیه النظریه وبقدر ما تشیر الیه اتجاهاته المتحرکه لا یوجد فیه ابداً ما یرفض إمکانیه إطاله عمر الإنسان، سواء فسّرنا الشیخوخه بوصفها نتاج صراع واحتکاک مع مؤثرات خارجیه أو نتاج قانون طبیعی للخلیه الحیه نفسها یسیر بها نحو الفناء.
ویتلخص من ذلک: أن طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعدّده أمر ممکن منطقیاً وممکن علمیاً ولکنه لا یزال غیر ممکن عملیاً، الا إنّ اتجاه العلم سائر فی طریق تحقیق هذا الإمکان عبر طریق طویل. وعلى هذا الضوء یتناول عمر المهدی (علیه السلام) وما أحیط به من استفهام أو استغراب.
ونلاحظ: أنّه بعد إنّ ثبت هذا العمر الطویل منطقیاً وعلمیاً، وثبت إنّ العلم سائر فی طریق تحویل الإمکان النظری إلى عملی تدریجیاً، لا یبقى للاستغراب محتوى إلا اسبتعاد أن یسبق المهدی العلم نفسه، فیتحوّل الإمکان النظری إلى إلى إمکان عملی فی شخصه قبل أن یصل العلم فی تطوره إلى مستوى القدره الفعلیه على هذا التحویل، فهو نظیر من یسبق العلم فی اکتشاف دواء ذات السحایا أو دواء السرطان.

Leave A Reply

Your email address will not be published.