الشورى فی التاریخ والفقه السیاسی
ومما یشهد بذلک أن النبی (صلى الله علیه وآله) لما عرض الإسلام على القبائل اشترط علیه بعضهم أن یکون الاَمر لهم من بعده ، فرفض فی تلک الظروف الصعبه هذا الشرط قائلاً : «إنَّ الاَمر لله یضعه حیثُ یشاء» (1).
وعدم ورود شیء عن النبیّ (صلى الله علیه وآله) فی هذا الموضوع ، قضیه مفروغ منها ، متّفق علیها ، لا نزاع فیها.. فمتى ولد التفکیر فی اسناد هذا الامر إلى الشورى ؟
أول ظهور لمبدأ الشورى
هذا أمر اثبته أصحاب التاریخ وأصحاب الحدیث ، بلا نزاع فیه ولا خلاف.. اتفقوا على أنّ ذلک مبدأ سنّه عمر بن الخطاب قبل وفاته ، ولیس
له قبل هذا التاریخ أثر..
قال القرطبی ، بعد کلام فی استحباب الشورى : (وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافهَ ـ وهی أعظم النوازل ـ شورى) (۲).
وقال ابن کثیر : ( وأمرهم شورى بینهم ) أی لا یبرمون أمراً حتّى یتشاوروا فیه ، لیتساعدوا بآرائهم ، فی مثل الحروب وما جرى مجراها ، کما قال تبارک وتعالى : ( وشاورهم فی الاَمر ) ولهذا کان (صلى الله علیه وآله) یشاورهم فی الحروب ونحوها لیطیّب بذلک قلوبهم . وهکذا لمّا حضرت عمر بن الخطاب الوفاه حین طعن جعل الاَمر بعده شورى (۳).
فانظر إلى هذا التحوّل الکبیر فی المدى الذی حدث قبل وفاه عمر ، ولم یکن له قبلها أثر ! أمّا کیف حدث هذا التحوّل الکبیر ؟ وتحت أیّ دافع؟
فهذا سؤال هام أجاب عنه عمر بن الخطاب بنفسه فی ذات الوقت الذی جعل فیه الخلافه شورى ، ذلک فی خطبته الشهیره التی ذکر فیها السقیفه وأخبارها ، ثم قال : (لا یغترنّ أمرؤ أن یقول إنّما کانت بیعه أبی بکر فلته وتمّت ، ألا إنّها قد کانت کذلک ، ولکن وقى الله شرّها ! فمن بایع رجلاً من غیر مشوره من المسلمین فلا یبایع هو ولا الذی بایعه ، تغرّهً أن یُقتلا) (۴) .
أمّا سبب هذه الخطبه التی أفرزت (الشورى) مبدءاً فی اختیار الخلیفه لاَوّل مرّه ، فیحدّثنا عنه القسطلانی وهو یفکَ ألغازها..
فبعد أن یأتی باسنادها الذی أورده البخاری عن ابن عباس ، وفیه أنّ عبدالرحمن بن عوف جاء إلى ابن عباس فی موسم الحجّ وکان یتعلّم عنده القرآن ، فقال له : لو سمعت ما قاله أمیر المؤمنین ـ یعنی عمر بن الخطاب ـ إذ بلغه أنّ "فلاناً" قال : لو قد مات عمر لبایعت "فلاناً" فما کانت بیعه أبی بکر إلاّ فلته ، فهمّ عمر أن یخطب الناس ردّاً على هذا القول ، فنهیته لاجتماع الناس کلّهم فی الحج وقلت له إذا عدت المدینه فقل هناک ما ترید ، فإنّه أبعد عن اثاره الشغب.. فلمّا رجعوا من الحجّ إلى المدینه قام عمر فی خطبته المذکوره..
فمن هو "فلان" القائل ؟ ومن هو "فلان" الآخر ؟
حین تردّد بعض الشارحین فی الکشف عن هذین الاسمین ، استطاع ابن حجر العسقلانی أن یتوصل إلى ذلک بالاِسناد الصحیح المعتمد عنده، والذی ألغى به کل ماقیل من أقوال أثبت ضعفها ووهنها ، فقال : وجدته فی الاَنساب للبلاذری بإسناد قویّ ، من روایه هشام بن یوسف ، عن معمر ، عن الزهری ، بالاسناد المذکور فی الاصل ، ولفظه : (قال عمر : بلغنی أنّ الزبیر قال : لو قد مات عمر لبایعنا علیّاً..) الحدیث (۵)!!
فذلک إذن هو السرّ فی ثوره عمر !
وذلک هو السرّ فی ولاده مبدأ الشورى فی الخلافه !
الشورى التی سنتحدّث عن تفاصیلها وأحکامها وما قیل فیها ، باستیعاب یتناسب مع حجم هذا الکتاب .
الشورى فی اطارها النظری
إنّ الاَساس الذی قامت علیه نظریه الشورى هو أنّ أمر الخلافه متروک إلى الاَُمّه.. ومن هنا ابتدأت الاَسئله تنهال على هذه النظریه ؛ عند البحث عن الدلیل الشرعی فی تفویض هذا الامر إلى الاَُمّه.. وعند محاوله إثبات شرعیه الاسلوب الذی سوف تسلکه الاَُمّه فی الاختیار..
لقد رأوا فی قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بینهم )(۶)أفضل دلیل شرعی یدعم هذه النظریه ، ومن هنا قالوا : إنّ أوّل وجوه انتخاب الخلیفه هو الشورى .
لکن ستأتی الصدمه لاَوّل وهله حین نرى أنّ مبدأ الشورى هذا لم یطرق أذهان الصحابه آنذاک .
فانتخاب أوّل الخلفاء کان بمعزل عن هذا المبدأ تماماً ، فإنّما کان "فلتهً" کما وصفه عمر ، وهو الذی ابتدأه وقاد الناس إلیه !
ثمّ کان انتخاب ثانی الخلفاء بمعزلٍ أیضاً عن هذا المبدأ !
نعم ، ظهر هذا المبدأ لاَوّل مرّه على لسان عمر فی خطبته الشهیره التی ذکر فیها السقیفه وبیعه أبی بکر فحذّر من العوده إلى مثلها ، فقال : (فمن بایع رجلاً من غیر مشورهٍ من المسلمین فلا یبایع هو ولا الذی بایعه ، تغرَّه أن یُقتلا) (۷) . ذلک القول الذی عرفنا قبل قلیل أنّه ما قاله إلاّ لیقطع الطریق على الإمام علیّ علیه السلام ومن ینوی أن یبایع له !
لکنّه حین أدرکته الوفاه أصبح یبحث عن رجل یرتضیه فیعهد إلیه بالخلافه بنصّ قاطع بعیداً عن الشورى !
فقال : لو کان أبو عبیده حیّاً لولّیته (۸).
ثمّ قال : لو کان سالم مولى أبی حذیفه حیّاً لولّیته (۹).
ثمّ قال : لو کان معاذ بن جبل حیّاً لولّیته (۱۰).
إذن لم یکن عمر یرى أنّ الاَصل فی هذا الاَمر هو الشورى ، وإن کان قد قال بالشورى فی خطبته الاَخیره إلاّ أنّه لم یعمل بها إلاّ اضطراراً حین لم یجد من یعهد إلیه !
لقد أوضح عن عقیدته التامّه فی هذا الاَمر حین قال قُبیل نهایه المطاف : (لو کان سالمٌ حیّاً ماجعلتها شورى) (۱۱)!!
ثمّ کانت الشورى..
وأیّ شورى !!
إنّها شورى محاطه بشرائط عجیبه لا مجال للمناقشه فیها ! وجملتها :
۱ ـ إنّها شورى بین ستّه نفر ، وحسب ، یعیّنهم الخلیفه وحده دون الاَُمّه !
۲ ـ أن یکون الخلیفه المنتخب واحداً من هؤلاء الستّه ، لا من غیرهم !
۳ ـ إذا اتّفق أکثر الستّه على رجل وعارض الباقون ، ضُربت أعناقهم !
۴ ـ إذا اتّفق اثنان على رجل ، واثنان على آخر ، رجّحت الکفّه التی فیها عبد الرحمن بن عوف ـ أحد الستّه ـ وإنْ لم یُسَلّم الباقون ضُربت أعناقهم !
۵ ـ ألاّ تزید مدّه التشاور على ثلاثه أیّام ، وإلاّ ضُربت أعناق الستّه أهل الشورى بأجمعهم !!
۶ ـ یتولّى صهیب الرومی مراقبه ذلک فی خمسین رجلاً من حَمَلَه السیوف ، على رأسهم أبو طلحه الاَنصاری (۱۲)!
فالحقّ أنّ هذا النظام لم یترک الاَمر إلى الاَُمّه لتنظر وتعمل بمبدأ الشورى، بل هو نظام حدّده الخلیفه ، ومنحه سمه الاَمر النافذ الذی لامحید عنه ، ولاتغییر فیه ، ولایمکن لصوره کهذه أن تُسمّى شورى بین المسلمین ، ولابین أهل الحلّ والعقد .
لقد کانت تلک الظروف إذن کفیله بتعطیل أوّل شورى فی تاریخ الاِسلام عن محتواها ، فطعنت إذن فی تلک القاعده الاَساسیّه المفترضه (قاعده الشورى) .
والحقّ أنّ هذه القاعده لم یکن لها عین ولا أثر من قبل.. فلم یکن أبو بکر مؤمناً بمبدأ الشورى قاعدهً للنظام السیاسی وأصلاً فی انتخاب الخلیفه ، ولا مارس ذلک بنفسه ، بل غلّق دونها الاَبواب حین سلب الاَُمّه حقّ الاختیار وممارسه الشورى إذ نصّ على عمر خلیفهً له ، ولم یُصغ إلى ماسمعه من اعتراضات بعض کبار الصحابه على هذا الاختیار .
علماً أنّ اعتراض هؤلاء الصحابه المعترضین حینذاک لم یکن على طریقه اختیار الخلیفه التی مارسها أبو بکر ، ولا قالوا : إنّ الاَمر ینبغی أن یکون شورى بین الاَُمّه ، ولا احتجّ أحدهم بقوله تعالى : ( وأمرُهم شورى بینهم) ، وإنّما کان اعتراضهم على اختیاره عمر بالذات ، فقالوا له : استخلفت على الناس عمر ، وقد رأیت مایلقى الناس منه وأنت معه ، فکیف به إذا خلا بهم ؟! وأنت لاقٍ ربّک فسائلک عن رعیّتک (۱۳)!
بل کان عمر صریحاً کلّ الصراحه فی تقدیم النصّ على الشورى ، ذلک حین قال : (لو کان سالمٌ حیّاً لَما جعلتها شورى) (۱۴)!!
إنّ عهداً کهذا لیلغی رأی الاَُمّه بالکامل ، وحتّى الجماعه التی یُطلق علیها (أهل الحلّ والعقد) !
قالوا : إذا عهد الخلیفه إلى آخر بالخلافه بعده ، فهل یُشترط فی ذلک رضى الاَُمّه ؟
فأجابوا : إنّ بیعته منعقده ، وإنَّ رضى الاَُمّه بها غیر معتبر ، ودلیل ذلک: أنّ بیعه الصدّیق لعمر لم تتوقّف على رضى بقیّه الصحابه (۱۵)!
لم یکن إذن لقاعده الشورى أثر فی تعیین الخلیفه !!
لعلّ هذه الملاحظات هی التی دفعت ابن حزم إلى تأخیر مبدأ الشورى وتقدیم النصّ والتعیین الصریح مِن قِبَل الخلیفه السابق ، فقال : (وجدنا عقد الاِمامه یصحّ بوجوه ، أوّلها وأصحّها وأفضلها : أن یعهد الاِمام المیّت إلى إنسان یختاره إماماً بعد موته) (۱۶)!
___________
(۱) ذکرهُ أصحاب السیره ، اُنظر منها : انسان العیون ۲ : ۱۵۴ .
(۲) تفسیر القرطبی : ۱۶۱ ـ ۱۶۲ .
(۳) تفسیر ابن کثیر ۴ : ۱۱۹ .
(۴) صحیح البخاری ـ کتاب الحدود ـ باب رجم الحبلى من الزنا | ۶۴۴۲ ، مسند أحمد ۱ : ۵۶ ، سیره ابن هشام ۴ : ۳۰۸ ، تاریخ الطبری ۳ : ۲۰۰ .
(۵) مقدمه فتح الباری بشرح صحیح البخاری : ۳۳۷ . وتبعه القسطلانی فی ارشاد الساری لشرح صحیح البخاری ۱۰ : ۱۹ .
(۶) الشورى ۴۲ : ۳۸ .
(۷) صحیح البخاری ـ کتاب المحاربین ۶ | ۶۴۴۲ ، مسند أحمد ۱ : ۵۶، سیره ابن هشام ۴ : ۳۰۸٫
(۸) الکامل فی التاریخ ۳ : ۶۵ ، صفه الصفوه ۱ : ۳۶۷ .
(۹) الکامل فی التاریخ ۳ : ۶۵ ، صفه الصفوه ۱ : ۳۸۳ ، طبقات ابن سعد ۳ : ۳۴۳ .
(۱۰) صفه الصفوه ۱ : ۴۹۴ .
(۱۱) طبقات ابن سعد ۳ : ۲۴۸ .
(۱۲) الکامل فی التاریخ ۳ : ۶۶ ـ ۶۷ .
(۱۳) الکامل فی التاریخ ۲ : ۴۲۵ .
(۱۴) طبقات ابن سعد ۳ : ۲۴۸ .
(۱۵) مآثر الاِنافه ۱ : ۵۲، الاَحکام السلطانیه ـ للماوردی ـ : ۱۰ ، الاَحکام السلطانیه ـ للفرّاء ـ : ۲۵ ـ ۲۶ .
(۱۶) الفصل ۴ : ۱۶۹ .
شبکه السراج فی الطریق الى الله