متى حصلت غزوه ذات السلاسل ؟ و ما هو تفصیل أحداثها ؟

0

سبب تسمیه هذه الغزوه بذات السلاسل :
أما سبب تسمیه هذه الغزوه بذات السلاسل فیعود إلى شدِّ المسلمون الأسرى بالحبال ، فکانوا کأنهم فی السلاسل .
فعن الإمام الصادق ( علیه السَّلام ) أنه قال : " … و سمیت هذه الغزوه ذات السلاسل لأنه أسر منهم و قتل و سبی و شد أسراهم فی الحبال مکتفین کأنهم فی السلاسل … " [2] .
تفاصیل الغزوه :
فی السنه الثامنه للهجره النبویه المبارکه ، أُخبر رسول اللّه ( صلَّى الله علیه و آله ) بأن أثنا عشر ألفاً من أعداء الإسلام قد تحالفوا و تعاقدوا فی ما بنیهم ، و اجتمعوا فی منطقه " وادی الیابس " و هم یریدون التوجّه إلى المدینه للقضاء على الإسلام ، و هم مصمَّمون على قتله ( صلَّى الله علیه و آله ) أو قتل فارسه البطل علی بن أبی طالب ( علیه السَّلام ) [۳] .
نعم إن أعداء الإسلام کانوا قد تعاهدوا على ذلک ، و تحالفوا على تحقیق أهدافهم حتى لو یُقتَلوا فی هذا السبیل .
کیف عرف المسلمون خطه العدو :
تختلف الأقوال فی کیفیه معرفه الرسول ( صلَّى الله علیه و آله ) بخبر تجمع الأعداء و خطتهم ، فهناک أقوال ثلاثه :
۱٫ إن الرسول ( صلَّى الله علیه و آله ) تعرَّف على خطه العدو بواسطه الوحی ، یقول علی بن إبراهیم القمی فی تفسیره : نزل جبرائیل على محمَّد ( صلَّى الله علیه و آله ) و أخبره بقصتهم ، و ما تعاقدوا علیه و تواثقوا .
۲٫ إن النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) کان من عادته إرسال العیون إلى مناطق العدو لرصد تحرکاتهم و کشف خططهم فی وقت مُبکِّر ، و لقد استطاع رسولُ اللّه ( صلَّى الله علیه و آله ) بواسطه العیون التی بثها فی تلک المناطق أن یعرف نوایا الأعداء بالنسبه إلى الإسلام و المسلمین قبل أن یتمکن العدو من القیام بتطبیق مخططاته و الإغاره على المدینه .
۳٫ إنّ أَعرابیاً جاء إلى النبیّ ( صلَّى الله علیه و آله ) و أخبره باجتماع قوم من العرب بوادی الرمل [۴] للتآمر علیه و على الإسلام ، ـ و أضاف ـ بأنهم یعملون على أن یبیّتوه بالمدینه [۵] .
کیف أفشل النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) مؤامره العدو ؟
أمر النبی المصطفى محمد ( صلَّى الله علیه و آله ) مؤذنه بأن ینادی فی المسلمین : الصلاه جامعه [۶] ، فعلى مؤذن النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) مکاناً مرتفعاً و نادى : الصلاه جامعه ، فسارع المسلمون إلى الاجتماع فی مسجد النبی ، فصعد ( صلَّى الله علیه و آله ) المنبر و قال فی ما قال : " … أیُّها الناس ، إنَّ هذا عَدوَّ اللّه و عدوَّکم قد عمل على أن یبیِّتکم فمَن لهم … ؟ " .
فانتدب جماعه من المسلمین أنفسهم للدفاع عن الإسلام و مقابله العدو ، فأمَّرَ النبیّ ( صلَّى الله علیه و آله ) علیهم أبا بکر ، فسار أبو بکر بتلک المجموعه إلى قبیله " بنی سلیم " و کانت قبیله بنی سلیم تسکن فی شعب واسع ، فلمّا أراد المقاتلون المسلمون أن ینحدروا إلى الشعب عارضهم بنو سلیم و قاوموهم ، فانسحب أبو بکر ، و لم یتمکن من أداء مهمته .
یقول علی بن إبراهیم القمی فی تفسیره : قالوا ـ أی بنو سلیم لأبی بکر ـ : ما أقدمک علینا ؟
قال : أمرَنی رسول اللّه ( صلَّى الله علیه و آله ) أن أعرض علیکم الإسلام فان تدخُلوا فیما دخل فیه المسلمون لکم ما لهم ، و علیکم ما علیهم ، و إلا فالحربُ بیننا و بینکم .
فهدّده زعماء تلک القبیله ـ و هم یباهون بکثره رجالهم و مقاتلیهم ـ بقتله و قتل من معه ، فاُرعبَ لتهدیدهم و عاد بجماعته إلى النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) .
انزعج الرسول ( صلَّى الله علیه و آله ) لعوده الجیش الإسلامی خائباً ، فأمر عمر بن الخطاب أن یتولى قیاده تلک المجموعه و یتوجه بها إلى العدو .
فتوجَّه عمر بن الخطاب بأمر من الرسول ( صلَّى الله علیه و آله ) بالجیش الإسلامی إلى تلک المجموعه المتآمره ، لکن العدوَّ کان هذه المره أکثر تحسباً و یقظه ، ذلک لأن جیش العدو استقرَّ هذه المره عند فم الوادی و کمن وراء الأحجار و تستر تحت الأشجار بحیث لم یتمکن المسلمون من مشاهدتهم ، فباغتوا المسلمین بالخروج مره واحده عندما حلّ الجیش الإسلامی بذلک الوادی .
فلم تتمکن المجموعه الإسلامیه من تحقیق النصر فی هذه المره أیضاً ، و أصدر القائد الأمر بالانسحاب کما فعل القائد الأول من قبل ، و عاد الجیش الإسلامی إلى المدینه مذعورا و مهزوماً و لم یحقق شیئاً .
فاستاء الرسول ( صلَّى الله علیه و آله ) من هزیمه هذا القائد و کره منه هذا الموقف .
و هنا قام عمرو بن العاص و قال : ابعثنی یا رسول اللّه إلیهم ، فإن الحرب خدعه ، فلعلّی أخدعُهم [۷] ، فأنفذه رسول اللّه ( صلَّى الله علیه و آله ) مع جماعه من المسلمین لمقابله العدو ، لکنه ما إن وصل إلى الوادی حتى خرج إلیه بنو سلیم فهزموه و قتلوا من أصحابه جماعه .
أنزعج المسلمون و حزنوا للهزائم المتتالیه ، فعمد رسولُ اللّه ( صلَّى الله علیه و آله ) إلى تنظیم مجموعه جدیده بقیاده بطل الإسلام الخالد علیِّ بن أبی طالب ( علیه السَّلام ) و بعثهم لمقاتله العدو .
فطلب علیّ ( علیه السَّلام ) من زوجته فاطمه الزهراء ( علیها السَّلام ) أن تأتی له بالعصابه التی کان یشدّها على جبینه فی اللحظات الصعبه ، فتعصَّب بها ، فحزنت فاطمه ( علیها السَّلام ) و بکت إشفاقاً علیه ، فسلَّاها النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) و هدّأها و مسح الدموع عن عینیها ، و شیّع علیّاً حتى بلغ معه مسجد الأحزاب ، و علیّ راکبٌ على فرس أبلقٍ ، و قد لبس بردین یمانیّین ، و حمل رمحاً هندیاً بیده ، فودَّعه الرسول ( صلَّى الله علیه و آله ) و قال : " أرسلته کراراً غیر فرّار " .
علیٌ یذهب لمقاتله العدو :
توجّه علی ( علیه السَّلام ) بالجیش الإسلامی إلى العدو ، لکنه سلک طریقاً غیر معروف ، و کان یرید بذلک إخفاء خطته ، حتى إن الذین خرجوا معه تصوّروا أنه یقصد العراق .
نعم استعان علی ( علیه السَّلام ) بالکتمان و السریَّه کتکتیک عسکری ، فأخفى کل شیء عن العدو ، فکان یسیر بأفراده لیلاً و یکمن نهاراً ، و کان یستریح خلال النهار حتى دنا من ارض العدوّ دون أن یشعر العدو بالجیش الإسلامی .
و قبل أن یصل علی ( علیه السَّلام ) إلى النقطه الاستراتیجیه الحساسه أی مدخل الوادی أمر الجیش بالنزول و الاستراحه لاستعاده النشاط و استعداداً لمداهمه العدو على حین غفله ، و لکی لا یشعر العدو بالجیش الإسلامی أمرهم بان یکمُّوا أفواه خیولهم حتى لا یسمع العدو صهیلها .
و عند الفجر صلّى علیُّ ( علیه السَّلام ) بالمسلمین صلاه الصبح ، ثم صعد بهم الجبَلَ حتى وصل إلى القمه ، ثم انحدر بهم ـ بسرعه فائقه ـ إلى الوادی حیث یسکن " بنو سلیم " فأحاط المسلمون بهم و هم نیام ، فلم یستیقظوا إلا و قد تمکَّن المسلمون من محاصرتهم ، فأسَّرُوا منهم فریقاً ، و فرَّ آخرون .
و بهذا أرعب العدو إرعاباً شدیداً فقَدَ معه توازنه و قدرته على المقاومه ففرّ من المعرکه مخلِّفاً وراءه غنائم کثیره استولى علیها المسلمون ، و هکذا اکتمل النصر و عاد الجیش الإسلامی بقیاده علی ( علیه السَّلام ) إلى المدینه ظافراً منتصراً .
نزول سوره العادیات :
نعم بلغت تضحیه علی ( علیه السَّلام ) و ما أبداه من البساله و الشجاعه فی هذه الواقعه من الأهمیه مرتبه عالیه جداً بحیث نزلت فی هذه الواقعه سوره کامله هی سوره العادیات التی قال الله عَزَّ و جَلَّ فیها : بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ
" وَالْعَادِیَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِیَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِیرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَکَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِکَ لَشَهِیدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَیْرِ لَشَدِیدٌ * أَفَلَا یَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِی الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِی الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ یَوْمَئِذٍ لَّخَبِیرٌ " [8] .
وَ رُوِیَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( علیه السَّلام ) أنه قال : " … و لما نزلت السوره خرج رسول الله ( صلَّى الله علیه و آله ) إلى الناس فصلى بهم الغداه و قرأ فیها و العادیات ، فلما فرغ من صلاته قال أصحابه هذه سوره لم نعرفها ، فقال رسول الله : نعم ! إن علیا ظفر بأعداء الله و بشرنی بذلک جبرائیل فی هذه اللیله ، فقدم علی ( علیه السَّلام ) بعد أیام بالغنائم و الأسارى " [9] .
عوده الجیش الظافر إلى المدینه :
کان رسول الله ( صلَّى الله علیه و آله ) ینتظر رجوع ابن عمه من هذه الغزوه الظافره ، و ما أن قَرُب جیش الإسلام من المدینه حتى خرج النبی ( صلَّى الله علیه و آله ) فی جماعه من أصحابه لاستقبال علی ( علیه السَّلام ) و من معه من جند الإسلام الظافر .
و ما أن وقعت عینا القائد المنتصر على رسول اللّه ( صلَّى الله علیه و آله ) حتى ترجّل من فرسه فوراً احتراماً و إجلالاً ، فقال له ( صلَّى الله علیه و آله ) و هو یربت على کتفه : " ارکب فانَّ اللّه و رسوله عنک راضیان " .
و اغرورقت عینا علی بن أبی طالب ( علیه السَّلام ) بالدموع استبشاراً ، فقال رسول اللّه ( صلَّى الله علیه و آله ) فی شأن علی قولته المعروفه : " یا علیّ لَولا أَنّی اُشفقُ أن تقولَ فیک طوائف مِن اُمتی ما قالت النصارى فی المسیح لقلتُ فیک الیوم مقالاً لا تمرُّ بملأَ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدمیک " [10] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[۱] سوره العادیات : هی السوره رقم : ۱۰۰ من القرآن الکریم .
[۲] تفسیر علی بن ابراهیم القمی : ۲ / ۴۳۸ .
[۳] لمزید من التفصیل یراجع : سید المرسلین : ۲ / ۴۵۴ ، للعلامه المحقق آیه الله الشیخ جعفر السبحانی ( حفظه الله ) .
[۴] الظاهر إن وادی الرمل هو إسم آخر لوادی الیابس .
[۵] الإرشاد فی معرفه حُجَج الله على العباد : ۸۶ ، للشیخ محمد بن محمد النُعمان المُلقَّب بالشیخ المُفید ، المولود سنه : ۳۳۶ هجریه ببغداد ، و المتوفى بها سنه : ۴۱۳ هجریه .
[۶] الصلاه جامعه : کان المقصود من النداء بهذه الجمله فی تلک الأیام توجیه دعوه إلى المسلمین بالاجتماع للصلاه و لإستماع أمر مهمّ و ذی بال .
[۷] عمرو بن العاص : من دهاه العرب و ساسته الماکرین ، و قد کان یومئذ قریب عهد بالإسلام .
[۸] القران الکریم : سوره العادیات ( ۱۰۰ ) ، الآیات : ۱ – ۱۱ ، الصفحه : ۵۹۹ .
[۹] تفسیر علی بن ابراهیم القمی : ۲ / ۴۳۸ ، و مجمع البیان : ۱۰ / ۸۰۳ ، طبعه دار المعرفه ، الطبعه الثانیه : ۱۴۰۸ هـ / ۱۹۸۸ م ، بیروت / لبنان .
[۱۰] الإرشاد : ۸۴ – 86 .

Leave A Reply

Your email address will not be published.