موعظه الإمام زین العابدین (ع) لسائر أصحابه وشیعته
فکان قد أوفیت أجلک وقد قبض الملک روحک وصیرت إلى قبرک وحیدا فرد إلیک روحک واقتحم علیک ملکاک منکر ونکیر لمساءلتک وشدید امتحانک ألا وإن أول ما یسألانک عن ربک الذی کنت تعبده وعن نبیک الذی أرسل إلیک وعن دینک الذی کنت تدین به وعن کتابک الذی کنت تتلوه وعن إمامک الذی کنت تتولاه وعن عمرک فیما أفنیت وعن مالک من أین اکتسبته وفیما أنفقته فخذ حذرک وانظر لنفسک وأعد الجواب قبل الامتحان والمساءله والاختبار فإن تک مؤمنا عارفا بدینک متبعا للصادقین موالیا لأولیاء الله لقاک الله حجتک وأنطق لسانک بالصواب فأحسنت الجواب وبشرت بالجنه والرضوان من الله واستقبلتک الملائکه بالروح والریحان وإن لم تکن کذلک تلجلج لسانک ودحضت حجتک وعییت عن الجواب وبشرت بالنار واستقبلتک ملائکه العذاب بنزل من حمیم وتصلیه جحیم واعلم یا ابن آدم أن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب یوم القیامه ذلک یوم مجموع له الناس وذلک یوم مشهود یجمع الله فیه الأولین والآخرین یوم ینفخ فی الصور ویبعثر فیه القبور ذلک یوم الآزفه إذ القلوب لدى الحناجر کاظمین ذلک یوم لا تقال فیه عثره ولا تؤخذ من أحد فدیه ولا تقبل من أحد معذره ولا لأحد فیه مستقبل توبه لیس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسیئات فمن کان من المؤمنین عمل فی هذه الدنیا مثقال ذره من خیر وجده ومن کان من المؤمنین عمل فی هذه الدنیا مثقال ذره من شر وجده فاحذروا أیها الناس من الذنوب والمعاصی ما قد نهاکم الله عنها وحذرکموها فی الکتاب الصادق والبیان الناطق ولا تأمنوا مکر الله وتدمیره عند ما یدعوکم الشیطان اللعین إلیه من عاجل الشهوات واللذات فی هذه الدنیا فإن الله یقول إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّیْطانِ تَذَکَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ وأشعروا قلوبکم خوف الله وتذکروا ما قد وعدکم فی مرجعکم إلیه من حسن ثوابه کما قد خوفکم من شدید عقابه فإنه من خاف شیئا حذره ومن حذر شیئا ترکه ولا تکونوا من الغافلین المائلین إلى زهره الحیاه الدنیا الذین مکروا السیئات وقد قال الله تعالى أَ فَأَمِنَ الَّذِینَ مَکَرُوا السَّیِّئاتِ أَنْ یَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ یَأْتِیَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَیْثُ لا یَشْعُرُونَ أَوْ یَأْخُذَهُمْ فِی تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِینَ أَوْ یَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فاحذروا ما حذرکم الله بما فعل بالظلمه فی کتابه ولا تأمنوا أن ینزل بکم بعض ما توعد به القوم الظالمین فی کتابه لقد وعظکم الله بغیرکم وإن السعید من وعظ بغیره ولقد أسمعکم الله فی کتابه ما فعل بالقوم الظالمین من أهل القرى قبلکم حیث قال وأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِینَ وقال فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها یَرْکُضُونَ یعنی یهربون قال لا تَرْکُضُوا وارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِیهِ ومَساکِنِکُمْ لَعَلَّکُمْ تُسْئَلُونَ فلما أتاهم العذاب قالُوا یا وَیْلَنا إِنَّا کُنَّا ظالِمِینَ فإن قلتم أیها الناس إن الله إنما عنى بهذا أهل الشرک فکیف ذاک وهو یقول ونَضَعُ الْمَوازِینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیامَهِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَیْئاً وإِنْ کانَ مِثْقالَ حَبَّهٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَیْنا بِها وکَفى بِنا حاسِبِینَ اعلموا عباد الله أن أهل الشرک لا تنصب لهم الموازین ولا تنشر لهم الدواوین وإنما یحشرون إلى جهنم زمرا وإنما تنصب الموازین وتنشر الدواوین لأهل الإسلام فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله تعالى لم یحب زهره الدنیا لأحد من أولیائه ولم یرغبهم فیها وفی عاجل زهرتها وظاهر بهجتها فإنما خلق الدنیا وخلق أهلها لیبلوهم فیها أیهم أحسن عملا لآخرته وایم الله لقد ضربت لکم فیه الأمثال وصرفت الآیات لقوم یعقلون فکونوا أیها المؤمنون من القوم الذین یعقلون ولا قوه إلا بالله وازهدوا فیما زهدکم الله فیه من عاجل الحیاه الدنیا فإن الله یقول وقوله الحق إِنَّما مَثَلُ الْحَیاهِ الدُّنْیا کَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا یَأْکُلُ النَّاسُ والْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وازَّیَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَیْها أَتاها أَمْرُنا لَیْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِیداً کَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ کَذلِکَ نُفَصِّلُ الْآیاتِ لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ ولا ترکنوا إلى الدنیا فإن الله قال لمحمد (صلى الله علیه وآله) ولا تَرْکَنُوا إِلَى الَّذِینَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّکُمُ النَّارُ ولا ترکنوا إلى هذه الدنیا وما فیها رکون من اتخذها دار قرار ومنزل استیطان فإنها دار قلعه ومنزل بلغه ودار عمل فتزودوا الأعمال الصالحه قبل تفرق أیامها وقبل الإذن من الله فی خرابها فکان قد أخربها الذی عمرها أول مره وابتدأها وهو ولی میراثها وأسأل الله لنا ولکم العون على تزود التقوى والزهد فی الدنیا جعلنا الله وإیاکم من الزاهدین فی عاجل هذه الحیاه الدنیا الراغبین فی آجل ثواب الآخره فإنما نحن له وبه والسلام علیکم ورحمه الله وبرکاته.موعظه وزهد وحکمه.کفانا الله وإیاکم کید الظالمین وبغی الحاسدین وبطش الجبارین أیها المؤمنون لا یفتننکم الطواغیت وأتباعهم من أهل الرغبه فی الدنیا المائلون إلیها المفتونون بها المقبلون علیها وعلى حطامها الهامد وهشیمها البائد غدا واحذروا ما حذرکم الله منها وازهدوا فیما زهدکم الله فیه منها ولا ترکنوا إلى ما فی هذه الدنیا رکون من أعدها دارا وقرارا وبالله إن لکم مما فیها علیها دلیلا من زینتها وتصریف أیامها وتغییر انقلابها ومثلاتها وتلاعبها بأهلها إنها لترفع الخمیل وتضع الشریف وتورد النار أقواما غدا ففی هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه وإن الأمور الوارده علیکم فی کل یوم ولیله من مظلمات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزمان وهیبه السلطان ووسوسه الشیطان لتثبط القلوب عن نیتها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفه أهل الحق إلا قلیلا ممن عصم الله جل وعز فلیس یعرف تصرف أیامها وتقلب حالاتها وعاقبه ضرر فتنتها إلا من عصم الله ونهج سبیل الرشد وسلک طریق القصد ثم استعان على ذلک بالزهد فکرر الفکر واتعظ بالعبر وازدجر فزهد فی عاجل بهجه الدنیا وتجافى عن لذاتها ورغب فی دائم نعیم الآخره وسعى لها سعیها وراقب الموت وشنأ الحیاه مع القوم الظالمین فعند ذلک نظر إلى ما فی الدنیا بعین نیره حدیده النظر وأبصر حوادث الفتن وضلال البدع وجور الملوک الظلمه فقد لعمری استدبرتم من الأمور الماضیه فی الأیام الخالیه من الفتن المتراکمه والانهماک فیها ما تستدلون به على تجنب الغواه وأهل البدع والبغی والفساد فی الأرض بغیر الحق فاستعینوا بالله وارجعوا إلى طاعته وطاعه من هو أولى بالطاعه من طاعه من اتبع وأطیع فالحذر الحذر من قبل الندامه والحسره والقدوم على الله والوقوف بین یدیه وتالله ما صدر قوم قط عن معصیه الله إلا إلى عذابه وما آثر قوم قط الدنیا على الآخره إلا ساء منقلبهم وساء مصیرهم وما العلم بالله والعمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان فمن عرف الله خافه فحثه الخوف على العمل بطاعه الله وإن أرباب العلم وأتباعهم الذین عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إلیه وقد قال الله إِنَّما یَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فلا تلتمسوا شیئا فی هذه الدنیا بمعصیه الله واشتغلوا فی هذه الدنیا بطاعه الله واغتنموا أیامها واسعوا لما فیه نجاتکم غدا من عذاب الله فإن ذلک أقل للتبعه وأدنى من العذر وأرجى للنجاه فقدموا أمر الله وطاعته وطاعه من أوجب الله طاعته بین یدی الأمور کلها ولا تقدموا الأمور الوارده علیکم من طاعه الطواغیت وفتنه زهره الدنیا بین یدی أمر الله وطاعته وطاعه أولی الأمر منکم واعلموا أنکم عبید الله ونحن معکم یحکم علینا وعلیکم سید حاکم غدا وهو موقفکم ومسائلکم فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمساءله والعرض على رب العالمین یومئذ لا تکلم نفس إلا بإذنه واعلموا أن الله لا یصدق کاذبا ولا یکذب صادقا ولا یرد عذر مستحق ولا یعذر غیر معذور بل لله الحجه على خلقه بالرسل والأوصیاء بعد الرسل فاتقوا الله واستقبلوا من إصلاح أنفسکم وطاعه الله وطاعه من تولونه فیها لعل نادما قد ندم على ما قد فرط بالأمس فی جنب الله وضیع من حق الله واستغفروا الله وتوبوا إلیه فإنه یقبل التوبه ویعفو عن السیئات ویعلم ما تفعلون وإیاکم وصحبه العاصین ومعونه الظالمین ومجاوره الفاسقین احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم واعلموا أنه من خالف أولیاء الله ودان بغیر دین الله واستبد بأمره دون أمر ولی الله فی نار تلتهب تأکل أبدانا قد غابت عنها أرواحها غلبت علیها شقوتها فهم موتى لا یجدون حر النار فاعتبروا یا أولی الأبصار واحمدوا الله على ما هداکم واعلموا أنکم لا تخرجون من قدره الله إلى غیر قدرته وسیرى الله عملکم ثم إلیه تحشرون فانتفعوا بالعظه وتأدبوا بآداب الصالحین.