خُلق العدل والإنصاف فی حیاتنا
تعالوا عندما نقف أمام المرآه ننظر کما کان النبی (ص) ینظر.. ننظر إلى مرآه الداخل. هل ترى أخلاقک الحسنه؟ وهل ترى أخلاقک السیِّئه؟ أیهما یغلب على الآخر؟ وأکثر من دعاء النبی (ص): "اللّهمّ کما حسّنْتَ خَلقی فحسِّن خُلُقی".
وعندما تعامل الناس، انظر إلى مرآه أخلاقهم قبل وجوههم. عندما ترید الزواج انظر فی مرآه أخلاق الفتاه قبل النظر إلى خلقتها.
والله عزّ وجلّ یعلمنا أن ننظر إلى الأخلاق أوّلاً. قال رسول الله (ص): "إنّ الله لا ینظر إلى أجسامکم ولا إلى صورکم ولکن ینظر إلى قلوبکم وأعمالکم".
معنا فی هذا المقال خُلق من الأخلاق المهمه. فهو خُلق قامت علیه السماوات والأرض.. تخیل السماوات والأرض استقامت بهذا الخلق، ولا یمکن أن تقوم نهضه لأی أُمّه من الأُمم من دون هذا الخلق.
بل إنّ الله تعالى یبقی الدوله الکافره لو معها هذا الخلق، ویزیل الدوله المسلمه لو فقدت هذا الخلق، وهو خلق العدل والإنصاف.
لا نهضه ولا بقاء إلا بهذا الخلق. وبالتالی، قمه الحکمه للأُمّه وللدوله وللمجتمع وللأفراد المحافظه على خلق العدل. ولکن، إذا انتشر الظلم وأصبح واضحاً معلناً بین المسلمین، لن ینهضوا أبداً. قال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) (الأنعام/ ۱۵۲). اعدل إذا تکلمت، بل إذا حکمت بین الناس. قال: (وَإِذَا حَکَمْتُمْ بَیْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْکُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُکُمْ بِهِ) (النساء/ ۵۸).
هذا الذی یعظکم به هو العدل والإنصاف.
وهو أمر من الله عزّ وجلّ: (إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِیتَاءِ ذِی الْقُرْبَى وَیَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْکَرِ وَالْبَغْیِ یَعِظُکُمْ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ) (النحل/ ۹۰). انظر إلى الآیات، وکأنّها کلها تقول: علیکم بالعدل والإنصاف.
عن الحسن البصری قال: "إنّ الله عزّ وجلّ جمع لکم الخیر کله والشر کله فی آیه واحده. فوالله ما ترک العدل والإحسان من طاعه الله شیئاً إلا جمعه، ولا ترک الفحشاء والمنکر والبغی من معصیه الله شیئاً إلا جمعه".
فالعدل هو رأس الأخلاق والقیم، وهو صفه ربانیه جعلها الله تعالى اسماً من أسمائه، واختص بها ذاته لعظمتها وأهمیتها فی کل زمان ومکان، وهو إحدى صفات المؤمنین، ومبدأ أساسی من مبادئ الشریعه الإسلامیه، لیس فیه استثناء ولا تهاون.
أمر ربانی لرسولنا ولأُمته من بعده، وبه بعث الله عزّ وجلّ الرسل مبشرین ومنذرین. به یکتمل صلاح العباد والبلاد، ویشمل حقوق الله وحقوق العباد.
وأولى الإسلام أهمیه کبیره للعدل وجعله قضیه مرکزیه. فلا یوجد رکن فی الإسلام إلا والعدل فیه مطلوب، سواء ارتبط بالفرد أم الجماعه أم الأُمّه، أم ارتبط بالعقیده أم المعامله أم العباده، بل إنّ الإسلام جعله أعظم المقاصد التی یقصد إلیها الشرع، وصلب الدین. فقضیه العدل لیست اختیاریه أو من فضائل الأعمال، إنما هی أمر إلزامی لا تقوم الشریعه إلا به، ولا یستقیم لمؤمن أن یحکم بغیره، وهو من الأسس التی علیها عمار الکون، وصلاح العباد، حث علیه الإسلام وجعله أساساً للحکم بین الناس، ومعناه لغه الإنصاف.
ومن العجیب هذا الخلق أنّ الله تعالى عندما أمر بالعدل بدأ بالأعداء. تخیل.. یأمر الله بالعدل والإنصاف مع العدو ولیس مع الصدیق. فکیف عدلک مع أولادک ومع زوجتک وجیرانک وأقاربک، حتى لو اختلفوا معک فی الرأی؟
قال تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُونُوا قَوَّامِینَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا یَجْرِمَنَّکُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِیرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائده/ ۸). وقیل فی تفسیر الآیه: "إنّ الله جلّ ثناؤه یعنی بذلک: یا أیها الذین آمنوا بالله وبرسوله لیکن من أخلاقکم وصفاتکم القیام لله شهداء بالعدل فی أولیائکم وأعدائکم، ولا تجوروا فی أحکامکم وأفعالکم، فتتجاوزوا ما حددت لکم فی أعدائکم لعدواتهم لکم، ولا یحملنکم عداوه قوم على ألا تعدلوا فی حکمکم وسیرتکم بینهم، فتجوروا علیهم من أجل ما بینکم وبینهم من العداوه".
ولکن، أین یکون العدل؟ ومع من أعدل حتى أصل إلى التحلی بهذا الخلق العظیم؟
توجد ثلاثه مواطن إذا عدل فیها الإنسان یصل إلى قمه الإنصاف والعدل، وهی:
۱- أن تعدل مع عدوک.
۲- أن تعدل مع من هو أضعف منک، امرأه کانت أو إنساناً ضعیفاً.
۳- أن تعدل مع منافسک وقرینک.
لو تحلى الإنسان بالعدل والإنصاف فی هذه المواطن الثلاثه، فهو سیکون عادلاً فی باقی الأمور، لأنّها ستکون أسهل بکثیر.
العدل لیس معناه تقسیم الأموال بالعدل فقط، ولکن العدل أوسع من ذلک. وما نرکز علیه الیوم هو أن تنصف عدوک وتعدل معه، حتى فی الکلام.
هل تستطیع أن تنصف عدوک وتذکر ما فیه من أشیاء جیِّده؟
النبی (ص)، على الرغم من أنّ العاص بن الربیعه، وهو زوج ابنته، لم یؤمن به وکفر بما جاء به النبی (ص)، ومع ذلک یقول النبی عنه: "لکنا ما ذممناه صهراً". هل أنت تتعامل مع المنافسین لک والمختلفین کما فعل النبی؟ هل تنصفهم هکذا؟
استمع إلى ربنا جلّ وعلا فی کتابه کیف یعلمنا هذا الأدب. یقول الله جلّ وعلا عن أهل الکتاب وهو یلعنهم ویذمهم: (ضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الذِّلَّهُ أَیْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الْمَسْکَنَهُ…) (آل عمران/ ۱۱۲).
ثمّ قال: (ذَلِکَ بِأَنَّهُمْ کَانُوا یَکْفُرُونَ بِآیَاتِ اللَّهِ وَیَقْتُلُونَ الأنْبِیَاءَ بِغَیْرِ حَقٍّ ذَلِکَ بِمَا عَصَوْا وَکَانُوا یَعْتَدُونَ) (آل عمران/ ۱۱۲)، انظر إلى کل هذه الجرائم. ولکن الله أنصفهم، انظر الإنصاف بعد کل ذلک الذنب، قال الله: (لَیْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ أُمَّهٌ قَائِمَهٌ یَتْلُونَ آیَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّیْلِ وَهُمْ یَسْجُدُونَ) (آل عمران/ ۱۱۳)، وقال تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ یُؤَدِّهِ إِلَیْکَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِینَارٍ لا یُؤَدِّهِ إِلَیْکَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَیْهِ قَائِمًا…) (آل عمران/ ۷۵). وقال تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّهٌ یَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ یَعْدِلُونَ) (الأعراف/ ۱۵۹). کل هذه الآیات تدعو إلى الإنصاف وعدم التعمیم، لأنّ التعمیم عمى یجعلک لا تعطی کل صاحب حق حقه، ویجعلک تبتعد عن العدل. فاعدلوا هو أقرب للتقوى.
بعد هذا العرض السریع لهذا الخلق العظیم، یأتی السؤال: "کیف أستطیع تطبیق هذا الخلق فی حیاتی حتى یصبح صفه من صفاتی؟
نستطیع ذلک بخطوات عده منها:
۱- اختر آیه أو حدیثاً أو قولاً مأثوراً من داخل المقال، أو متعلقاً بخلق العدل والإنصاف، ویکون أثر فیک، واجعله شعارک هذا الأسبوع.
۲- جرب بنفسک. ابحث بین أصدقائک أو معارفک أو أسرتک، وکن عادلاً معهم، کن عادلاً مع أولادک فی القسمه، وکن عادلاً ومنصفاً مع زوجتک.
۳- شجع غیرک على خلق العدل والإنصاف، لتضمن انتشار هذا الخلق بین الناس، ولیعم الخیر على الجمیع. وعندما تشجع غیرک یزداد بداخلک الدافع على التطبیق.
۴- لا تعمم. إیاک والتعمیم. فلا یوجد شیء یجعل الإنسان یبتعد عن العدل والإنصاف غیر التعمیم، لأنّ التعمیم یجعلک تعمى عن رؤیه الناس بحسناتهم وسیِّئاتهم، ولا ترى غیر السیِّئات.
۵- الدعاء. ادعُ ربنا بصدق وإخلاص أن یجعلک عادلاً، ویعینک على الإنصاف مع الناس ومع أهلک ومع نفسک.
وأخیراً، أکثر من دعاء النبی (ص): "وأهدنی لأحسن الأخلاق، لا یهدی لأحسنها إلا أنت، واصرف عنی سیئها، لا یصرف عنی سیئها إلا أنت".