نظره القرآن عن القلب

0

(  قد نفر قلبی ، وغافل أنا المسکین ، ماذا قد حتى بهذا الصید التائه الحیوان ) .

واضحٌ أنّ المقصود من القلب ( فی هذین المثالین ) ، حقیقهٌ سامیهٌ ممتازهٌ ، تختلف تماماً عن هذا العضو الموجود فی البدن ، وهکذا عندما یذکر القرآن مرضى القلوب : ( فِی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضً ) [ البقره : ۱۰ ] ، فإنّ معالجه هذا المرض خارجه عن طاقه طبیب أمراض القلب ، وإذا وجد طبیب یتمکّن من معالجه هذه الأمراض ، فلا شک أنّه طبیب متخصّص فی الأمراض الروحیه .

تعریف القلب : إذن ما هو المقصود من القلب ؟

 للإجابه على هذا السؤال یجب البحث فی حقیقه وجود الإنسان . فالإنسان فی الوقت الذی هو موجود واحد ، إلاّ أنّ له مئات بل وآلاف الأبعاد الوجودیه ؛ لأنّ الإنسانیه عباره عن مجموعه کبیره من الأفکار ، والآمال ، والخوف ، والحبّ ، و… وأنّها بمثابه الأنهار والجداول ، التی تتجمّع فی مرکز واحد ، وأنّ هذا المرکز بنفسه بحر عمیق ، بحیث ما استطاع – إلى الآن – أیَّ إنسان أن یدّعی أنّه اطلع على أعماق هذا البحر .

فالفلاسفه ، والعرفاء ، وعلماء النفس ، ساهم کلٌّ إلى حدٍّ ما فی السباحه فی أغوار هذا البحر ، ووفّق کلّ منهم إلى کشف بعض أسراره ، ولربّما کان العرفاء أکثر حظّا من الآخرین فی هذا المجال .

وما یسمّیه القرآن بالقلب ، عباره عن حقیقه هذا البحر ، وإنّ ما نسمّیه بالروح الظاهریه ، عباره عن الأنهار والجداول التی تتصل بهذا البحر ، وحتى العقل بنفسه أحد هذه الأنهار التی تتصل بهذا البحر .

عندما یذکر القرآن الوحی ، لم یقل شیئا عن العقل ، بل إنّ علاقته ترتبط مع قلب الرسول (ص) ، ومعنى هذا الکلام أنّ القرآن لم یَرِد على الرسول بقوّه العقل وبالاستدلال العقلی ، بل کان هذا قلب الرسول (ص) ، حیث ارتقى إلى حاله لا یمکن لنا تصوّرها ، وفی تلک الحاله حصل على قابلیه أدراک ومشاهده تلک الحقائق المتعالیه ، وها هی آیات سوره النجم وسوره التکویر توضح کیفیه هذا الارتباط إلى حد ما ، نقرأ فی سوره النجم :

( وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْیٌ یُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِیدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّهٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَکَانَ قَابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا کَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) : یقول القرآن ذلک ، لیبیّن أنّ مستوى هذه المسائل فوق حیّز عمل العقل ـ الحدیث هنا عن المشاهده والاعتلاء ـ .

 ونقرأ فی سوره التکویر : (  إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ کَرِیمٍ * ذِی قُوَّهٍ عِندَ ذِی الْعَرْشِ مَکِینٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِینٍ * وَمَا صَاحِبُکُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِینِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَیْبِ بِضَنِینٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَیْطَانٍ رَجِیمٍ * فَأَیْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاّ ذِکْرٌ لِّلْعَالَمِینَ )

یعتبر القلب من وجهه نظر القرآن وسیله للمعرفه أیضاً ، وأنّ القسم الأکبر من نداءات القرآن تُخاطب قَلب الإنسان . تلک النداءات التی لا طاقه لسماعها إلاّ بواسطه أُذن القلب ، ولذلک فإنّ القرآن یؤکّد کثیراً بالمحافظه على هذه الوسیله والعمل على تکاملها .

نلتقی فی القرآن کثیراً بأمور مثل : تزکیه النفس ، وصفاء القلب :

( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکَّاهَا ) [ الشمس : ۹ ] .

و( کَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا کَانُوا یَکْسِبُونَ ) [ المطففین : ۱۴] .

وحول إناره القلب یقول : (  … إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ یَجْعَلْ لَکُمْ فُرْقَانًا .. ) [ الأنفال : ۲۹ ] .

و( وَالَّذِینَ جَاهَدُوا فِینَا لَنَهْدِیَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنکبوت : ۶۹ ] .

وفی مقابل ذلک ، فإنّ الأعمال القبیحه تسوّد روح الإنسان وتَسلب منه الاتجاهات الطاهره النقیه ، وقد تکرّر هذا الحدیث فی القرآن . یقول عن لسان المؤمنین :

( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَیْتَنَا ) [ آل عمران : ۸ ] ،

وفی وصف المسیئین یقول : ( کَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا کَانُوا یَکْسِبُونَ ) [ المطففین : ۱۴ ] .

( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .. ) [ الصف : ۵ ] .

ویتحدث القرآن عن قساوه القلوب وتختمها :

( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَهٌ ) [ البقره : ۷ ]  .

و( جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَکِنَّهً أَنْ یَفْقَهُوهُ … ) [ الأنعام : ۲۵ ] .

و( … کَذَلِکَ یَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْکَافِرِینَ ) [ الأعراف : ۱۰۱ ] .

و( … فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَکَثِیرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) [ الحدید : ۱۶ ] .

کلّ هذه التأکیدات تبیّن أنّ القرآن یرید جوّاً روحیاً ، ومعنویه عالیه للإنسان ، ویوجب على کل فردٍ أن یحافظ على سلامه ونقاء هذا الجوّ .

وبالإضافه إلى ذلک ، ففی الجوّ الاجتماعی المریض ، وحیث تصبح أکثر جهود الإنسان لنظافه البیئه عقیمه غیر موفقه ، یؤکّد القرآن أن یستغلّ البشر کلّ طاقاته فی سبیل تصفیه وتزکیه بیئته الاجتماعیه . یصرّح القرآن بأنّ ذلک الإیمان والعشق والمعرفه ، والتوجهات السامیه ، وتأثیرات القرآن ، وقبول نصائحه ، کل ذلک یرتبط بابتعاد الإنسان والمجتمع الإنسانی عن الدَّنایا ، والرذائل والأهواء النفسیه ، والشهوات .

 یشیر التأریخ البشری أنّ القوى الحاکمه عندما أرادت السیطره على مجتمع ما واستثماره ، تسعى لإفساد روح المجتمع ، ولهذا الغرض تُهیئ وسائل الشهوه للناس ، وتحرِّضهم على الشهوات .

والنموذج الذی یدعو إلى الاعتبار من هذا الأسلوب القذر ، الفاجعه التی حدثت للمسلمین فی أسبانیا المسلمه ، التی کانت تعدّ من مواطن النهضه ، ومن أکثر الدول الأوروبیه حضارهً وتقدّماً ، ولأجل إخراج أسبانیا من أیدی المسلمین ، بدأ المسیحیون یعملون على إفساد نفسیات وأخلاق الشباب المسلمین .

 وضعوا ما أمکنهم من وسائل اللهو واللعب والشهوه فی اختیار المسلمین ، وتقدّموا فی هذا المجال بحیث خدعوا الأمراء ورؤساء الحکومه ولطخوهم بالفجور . وهکذا استطاعوا القضاء على عزیمه المسلمین وقوتّهم وإرادتهم وشجاعتهم وإیمانهم وصفاء نفوسهم ، وبدّلوهم إلى أشخاص أذلاّء ضُعفاء فاسدین ، یتّبعون الشهوات ، ویشربون الخمور ، ویرتکبون الفواحش والمنکرات . وواضح جداً أنّ التغلّب على مثل هؤلاء الأشخاص لم یکن أمراً صعباً .

لقد انتقم المسیحیون من حکومه المسلمین التی مضى علیها ۳۰۰ -۴۰۰ عاماً ، انتقاماً یخجل التاریخ من تذکّره وتذکّر تلک الجرائم . أولئک المسیحیون الذین یسلّمون الطرف الأیسر من وجوههم إلى من لطم على یمینها ـ حسب تعالیم السید المسیح ـ أجروا بحراً من دماء المسلمین فی الأندلس ، وبیّضوا ـ بذلک ـ وجه جنکیز ( المغولی ) ، وطبیعی أنّ فشل المسلمین کان نتیجه هِمَمهم المنحطّه ، وفساد نفوسهم ، وجزاء عدم اتباعهم للقرآن وتعالیمه .

وفی زماننا أیضاً ، أینما وضع الاستعمار رجله ، یستند على ذلک الموضوع الذی حذّر منه القرآن ، أی : إنّه یسعى لیفسد القلوب ، فإذا فسد القلب لا یستطیع العقل أن یعمل شیئا ، بل یصبح نفسه قیدا أکبر فی أیدی وأرجل الإنسان .

 ولذلک نرى أنّ المستعمرین والمستثمرین لا یخشون من افتتاح المدارس والجامعات ، بل ویقدمون بأنفسهم على تأسیسها ، ولکنهم یسعون من طرف آخر لإفساد قلوب ونفوس الطلاب والتلامیذ بکل طاقاتهم  ، إذ هم یدرکون تماماً هذه الحقیقه ، وهی أنّ المریض فی قلبه وروحه ، لا یستطیع أن یعمل شیئا ، ویتقبّل کل ذلّه واستثمار وأساره .

یهتمّ القرآن کثیراً بنقاء وعلوِّ روح المجتمع ، حیث یقول فی الآیه الشریفه : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ … ) [ المائده : ۲ ] ، ابحثوا أوّلا : عن کل عمل خیر ، وابتعدوا عن کل سوء ورذاله ، وثانیاً : اعملوا معاً وبصوره اجتماعیه ولا تعملوا منفردین .

وبالنسبه إلى القلب ، اذکر بعض النقاط على لسان الرسول (ص) والأئمّه الأطهار ( علیهم السلام ) ، لیکون ختاماً حسنا لهذا الموضوع .

مکتوبٌ فی کتب السیره أنّ شخصاً حضر عند رسول الله (ص) وقال : أنّ لی أسئله أرید أن أعرضها علیکم . فسأله الرسول : هل یرید أن یسمع أجوبه أم یرغب فی طرح الأسئله فقط ؟ فأجاب أنّه یرید الجواب .

فقال النبی (ص) ( ما معناه ) : جئت تسأل عن البِر والإحسان ، والإثم والعدوان ؟ أجاب : نعم ، فجمع النبی (ص) ثلاثه من أصابعه ووضعها على صدر الرجل براحه قائلاً : ( استفت قلبک وإن أفتاک المفتون ) ثمّ أضاف ( ما معناه ) : لقد خُلق القلب بحیث یرتبط مع الحسنات ویرتاح معها ، ولکنه یضطرب وینزجر من السیئات والقبائح ، تماماً مثل بدن الإنسان ، فإذا ورده شیء لا یتجانس معه یغیّر نظامه ، وهکذا روح الإنسان تتعرّض للاختلال والاضطراب بواسطه الأعمال السیئه .

 إنّ ما یسمّى عندنا بعذاب الضمیر ، ناشئ عن عدم تجانس الروح مع المفاسد والسیئات والأثام ، یشیر الرسول (ص) إلى هذه النقطه ، وهی أنّ الإنسان الذی یبحث عن الحقیقه ، ویُخلِص نفسه لمعرفه الحقیقه ، لا یمکن لقلبه ـ فی هذه الحاله ـ أن یخونه وسوف یهدیه إلى مسیر الهدایه المستقیم ، والإنسان أساساً ما دام یبحث صادقا عن الحقّ والحقیقه الخالصه المحضه .

یردّ الرسول على من سأله عن البِر : ( استفت قلبک ) ، أی : إنّک لو کنت ترید البِر حقیقهً ، فإنّ ما یطمئنّ قلبک به ویسکن ضمیرک له هو البِرّ ، ولکن إذا کنت ترغب شیئاً ، غیر أن قلبک لم یطمئن له ، فتیقّن أنّه هو الإثم .

وفی مکان آخر یسأل الرسول (ص) عن معنى الإیمان ؟ فیجیب (ما معناه) : المؤمن هو الذی إذا ارتکب عملاً سیئاً تعرّض للندم وعدم الراحه ، وإذا ارتکب عملا صالحا سرّ وفرح.

عن عبد الله بن القاسم ، عن الإمام الصادق (ع) ، أنّه قال : ( إذا تخلّى المؤمن من الدنیا ، سما ووجد حلاوه حبّ الله ، وکان عند أهل الدنیا کأنّه قد خولط ، وإنّما خالط القوم حلاوه حبّ الله ، فلم یشتغلوا بغیره ) ، أی : إنّ المؤمن إذا زهد فی الدنیا ، یسمو ویرتفع ویحسّ حلاوه محبّه الله ، ویتصوّر أهل الدنیا أنّه قد جنّ ، فی حین أنّ حلاوه حبّ الله جعلته فی غنى عنهم ، وشغله حبّ الله عن غیره .

قال (الروای) وسمعته ( الإمام الصادق ) یقول : ( إنّ القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى یسمو ) [ أصول الکافی ۲ : ۱۳۰ ]

عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد الله (ع) یقول : ( انَّ رسول الله (ص) صلّى بالناس الصبح ، فنظر إلى شابٍّ فی المسجد وهو یخفق ویهوی برأسه مصفرّا لُونه ، قد نحف جسمه ، وغارت عیناه فی رأسه . فقال له رسول الله (ص) : کیف أصبحت یا فلان ؟  قال : أصبحت یا رسول الله موقناً !

 فعجب رسول الله من قوله ، وقال (ص) : إنّ لکلّ یقینٍ حقیقه ، فما حقیقه یقینک ؟ فقال : إنّ یقینی ـ یا رسول الله ـ هو الذی أحزننی ، وأسهر لیلی ، وأظمأ هواجری ، فعزفت نفسی عن الدنیا وما فیها ، حتى کأنّی أنظر إلى عرش ربّی وقد نصب للحساب ، وحشر الخلائق لذلک وأنا فیهم ، وکأنّی أنظر إلى أهل الجنّه یتنعّمون فی الجنّه ویتعارفون ، على الأرائک متکئون ، وکأنّی أنظر إلى أهل النار وهم فیها معذبون مصطرخون ، وکأنّی الآن أسمع زفیر النار یدور فی مسامعی .

 فقال رسول الله (ص) لأصحابه : هذا عبدٌ نوّر الله قلبه بالإیمان ، ثم قال له : إلزم ما أنت علیه ! فقال الشاب : ادع الله لی ـ یا رسول الله ـ أن أزرق الشهاده معک ، فدعا له رسول الله (ص) فلم یلبث أن خرج فی بعض غزوات النبی ، فاستشهد بعد تسعه نفر وکان هو العاشر  )  [ أصول الکافی ، کتاب الإیمان والکفر : ۲ : ۵۳ ] .

یقول القرآن بأنّ صفاء القلب یوصل الإنسان إلى مقام یقول عنه أمیر المؤمنین (ع) : ( لو کُشف لی الغطاء ما ازددتُّ یقیناً ) .

إنّ القرآن بتعالیمه یرید أن یربّی أناساً ، مسلّحین بسلاح العلم والعقل ، ویستفیدون من سلاح القلب أیضاً ، ویستخدمون هذین السلاحین فی أحسن أسالیبه وأسمى کیفیاته فی طریق الحق . وإنّ أئمّتنا وتلامذتهم الصالحین المؤمنین نماذج حیّه واضحه لهؤلاء الأناس .

Leave A Reply

Your email address will not be published.