برنامج الإصلاح للعالم العربی والإسلامی

0

إن " برنامج الإصلاح " الوارد هنا والذی ارتأیت فی الظروف الراهنه أن من المناسب إعاده نشره , لیس أصلاً من إنشائی , وإنما أملی علیّ فی ظروف معینه إملاءً . ولقد حدث ذلک یوم ۱۰ کانون الثانی / ینایر ۱۹۹۲ م الموافق ۶ رجب ۱۴۱۲هـ . وقمت بنشر هذا البرنامج فی ذلک العام ضمن کتیّب بعنوان " المثلثات ونجمه إسرائیل السداسیه " . 

وکلما عدت إلى بنود هذا البرنامج أشعر بأنه کان ولا یزال صالحاً لیکون إطاراً عاماً لإصلاح الواقع العربی والإسلامی , وأن بعض الدول العربیه والإسلامیه وفی مقدمتها إیران عملت بالفعل وفی ظل ثورتها الإسلامیه بسیاسات تتفق مع کثیر من بنود هذا البرنامج إن لم یکن معها جمیعاً دون استثناء بما فی ذلک الأخذ بنظام الإمامه , وهو ما یفسّر النجاحات التی حققتها حتى الآن . ولکن أغلبیه الأقطار العربیه والإسلامیه لا زالت بعیده کل البعد عن تطبیق سیاسات تنسجم مع التعلیمات أو الأسس الوارده فی مثل هذا البرنامج الذی على الرغم مما یبدو فیه من بساطه الصیاغه والاختصار الشدید لا یکاد یدع شارده ولا وارده من احتیاجات الإصلاح إلا ویتناولها بالتحدید ککل تشخیص یضع الإصبع على موضع الداء ویحدّد له الدواء . 

إن الإیجاز والوضوح فی صیاغه البرنامج مع شمولیه القضایا ووضوح الموقف المطلوب اعتماده فی کل حاله من شأنه أن یؤمن للمواطن فرصه الحکم على سیاسات الحکومات فی العالم العربی والإسلامی , وأن یحدّد أین هی تصیب وأین هی تخطئ , وهل یتجاوز الصواب الخطأ أم أن الأمر عکس ذلک ؟ . وینطبق هذا الأمر حتى على الرؤیه الدینیه وما تتطلبه من علاقه مع الآخر . ثم إن مثل هذا البرنامج العملی من شأنه أن یریحنا من کثیر من أسباب الخلاف الحاصله بین الأحزاب السیاسیه والجمعیات والفرق دون أن تکون هناک مبررات عملیه تستدعی بقاء أو استفحال هذا الخلاف . 

ولعل مما یلفت الانتباه أن هذا البرنامج ینقسم عملیاً إلى جزأین : أولهما ویشمل الـ ۲۸ بنداً الأولى , ویتناول السیاسات الحکومیه من مختلف جوانبها سیاسیه وعسکریه واقتصادیه واجتماعیه , حیث جاءت الماده ۲۸ لتنص على " إعاده النظر فی أحکام الدساتیر فی ضوء هذه التعلیمات " , مما یشیر إلى طبیعتها العملیه المرتبطه بدور السلطات . ولنلاحظ دلاله استخدام کلمه " تعلیمات " فی هذا السیاق . وثانیهما یتناول قضایا الإسلام والمسلمین وعلاقتهم مع الآخرین فی تسعه بنود . 

سیلاحظ القارئ – وهو یقرأ البرنامج – أن البند الأول منه تمثل فی " خوض الجهاد ضدّ إسرائیل والاستعمار " . ویدل هذا بشکل لا یقبل الجدل على أولویه هذا الأمر على کل أمر آخر . وبالتالی , فإن محاسبه أو محاکمه أیّ نظام سیاسی فی العالم العربی والإسلامی یفترض أن تبدأ من خلال رصد موقفه من هذه المسأله : أهو مع المجاهدین أم مع القاعدین والمخلفین أم من الموالین للأعداء ؟ . ثم إن هذا البند یعنی أن الإرهاب الذی لا یتفق عملیاً مع مبدأ " خوض الجهاد ضد إسرائیل والاستعمار " بل یصطدم معه هو لیس جهاداً وإن ادّعى أصحابه ذلک . 

وتکاد المسافه بین التیارین القومی والإسلامی أن تتلاشى أمام مضمون البند الثانی الذی ینص على " البعث الحقیقی للمجتمع العربی الإسلامی " , ولنلاحظ هنا أن البعث هو للمجتمع ذلک أن الأمه فی حدّ ذاتها قائمه , وأما المجتمع فهو الذی یحتاج إلى بعث طاقاته وإمکاناته باعتماد الشروط الوارده فی البرنامج , مما یوفر لدلاله البعث مفهوماً عملیاً , وهذا هو أیضاً کما نلاحظ مفهوم الصحوه , فهی الصحوه الحقیقیه للمجتمع . ثم تأتی البنود اللاحقه لتحدد لنا سبل تحقیق هذا البعث الحقیقی أو هذه الصحوه الحقیقیه . فالمسأله لیست مسأله شعار یطرح بل مسأله سلوک عملی وبرامج إصلاحیه وتنمویه یجری التقید بالعمل بها . 

وإذا کان هناک ما یشدّ الانتباه فی البرنامج , فهما بشکل خاص بندان جاء النص علیهما فی البرنامج بنوع من التحدید الدقیق . وهذان هما البند ۲۷ الذی ینص على " رصد الحرکات الماسونیه وتصفیتها بعنف وضراوه " , مما یوحی بأن خطر هذه الحرکات هو أکبر بکثیر مما نتصوّر مما یستوجب العنف والضراوه فی محاربتها . وأما البند الثانی فهو البند ۳۵ الذی ینص على أن " یعاد بناء نظام الإمامه على أرضیه واقع اجتماعی جدید .. إلخ النص " . والمهم فی هذا السیاق أن البرنامج یحدد العلاقه بین مهام الحکومه ومهام الإمامه باعتبارهما سلطتین منفصلتین , ولکن هناک مرجعیه للإمامه . وهذه المرجعیه لها حق الاجتهاد فی التشریعات " التی لیس لها سند قرآنی ثابت " . وبإقرار صیغه " عدم الوقوف عند نتاج القرون السابقه باستثناء العقائد الأساسیه " , فإن باب الاجتهاد یکون مفتوحاً , ولکن الإمامه هی صاحبه الحق فی إعطاء الفتاوى . 

على کلّ حال , سنورد فیما یلی النص الحرفی لبرنامج الإصلاح . فلعل فی هذا النص ما یساعد العرب والمسلمین فی إصلاح الواقع المعاش , وما یقرّب المفاهیم والبرامج العملیه للقوى والأحزاب السیاسیه , إذا هی وجدت فی هذا البرنامج ما یمثل العناوین الرئیسه أو المداخل الأساسیه للإصلاح والتطویر والبناء , خاصه وأن ظروف الحراک الثوری أو الصحوه التی شهدتها بلادنا خلال الفتره الأخیره , ومحاولات القوى المعادیه لفرض هیمنتها على بلادنا بکل السبل والوسائل تستوجب البحث عن القواسم الفکریه والمطلبیه المشترکه التی یمکن أن تقرب المسافات بین القوى التی تستهدف الإصلاح بشکل عملی .
ونورد فیما یلی النص الکامل لبرنامج الإصلاح : 

" 1 – خوض الجهاد ضدّ إسرائیل والاستعمار .
۲ – البعث الحقیقی للمجتمع العربی الإسلامی .
۳ – القضاء على جمیع أشکال الاستغلال .
۴ – إسقاط تسلط المحتکرین والتجار الجشعین .
۵ – إنهاء مظاهر الفقر کلیاً .
۶ – إعاده بناء الأجهزه القضائیه وإعاده تشریع القوانین .
۷ – صرف عناصر الفساد من الخدمه .
۸ – توثیق العلاقات مع جمیع البلدان المعادیه للحرب والمحبه للسلام .
۹ – إمساک زمام المبادره فی الدعوه إلى الوحده .
۱۰- انتقاد مظاهر الإسراف والتبذیر .
۱۱- معارضه إیداع الأموال فی البلدان الأجنبیه .
۱۲- تطویر البُنى التحتیه للمجتمعات العربیه والإسلامیه .
۱۳- تحریر المرأه من مظاهر الاضطهاد .
۱۴- إطلاق حریه الصحافه والإعلام .
۱۵- کسر قیود الجمود الدینی .
۱۶- الاهتمام بالمظاهر الجمالیه للحیاه الإنسانیه .
۱۷- حسن توزیع الناتج القومی .
۱۸- تحریر الاقتصاد من قیود الروتین .
۱۹- توزیع أراضی الأملاک العامه على المنتفعین الفعلیین .
۲۰- تطویر المشاریع المتصله بالثروه المائیه .
۲۱- الکف عن إثاره المشاکل السیاسیه مع السلطات العربیه والإسلامیه .
۲۲ – وضع سیاسات دفاعیه صحیحه .
۲۳- احتواء المشاکل الإنسانیه الناجمه عن ظروف الاضطهاد فی المجتمعات العربیه والإسلامیه , وظروف الاحتلال الإسرائیلی لفلسطین .
۲۴- تنمیه روح التکافل والتضامن بین الأفراد والمجتمعات .
۲۵- قطع خطوات سریعه على طریق التنمیه الاقتصادیه .
۲۶- التخلص من النزعات الانتهازیه والاستغلالیه المدمره .
۲۷- رصد الحرکات الماسونیه وتصفیتها بعنف وضراوه .
۲۸- إعاده النظر فی أحکام الدساتیر فی ضوء هذه التعلیمات .
۲۹- العمل على إعاده توحید الفرق والاتجاهات الإسلامیه .
۳۰- العمل على المحافظه على روح التعاون والتسامح الأخوی والوطنی والقومی مع المسیحیین والموسویین .
۳۱- عدم التحرج من الدراسه العلمیه الجاده لجمیع المذاهب الدینیه والاجتماعیه والاقتصادیه والسیاسیه فی العالم .
۳۲- إعاده النظر فی أنظمه التعلیم على جمیع المستویات .
۳۳- إدخال التحدیث على جمیع الأجهزه الإداریه .
۳۴- عدم الوقوف عند نتاج القرون السابقه باستثناء العقائد الأساسیه .
۳۵- یعاد بناء نظام الإمامه على أرضیه واقع اجتماعی جدید وتکون الإمامه هی المکلفه حصراً بشؤون الإفتاء فی القضایا العقائدیه الأساسیه . وللإمامه أن تتجاوز ما ترى تجاوزه من التشریعات التی لیس لها سند قرآنی ثابت .
۳۶- یحظر على المسلمین التعاون مع الدول التی تثیر نزعات عرقیه وعنصریه وعدوانیه ضد المسلمین .
۳۷- لا حرج فی التعامل مع أیّ شعب فی العالم بغض النظر عن الاختلافات فی المعتقدات الدینیه والسیاسیه " .

Leave A Reply

Your email address will not be published.